رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

من الاقتصاد إلى الثقافة !

157

حاولت الهرب من الكتابة المنتظمة فى الشأن الاقتصادى إلى متابعة الحركة الثقافية والعرض النقدى للكتب والروايات الجديدة، وما تحول منها لأعمال فنية وخاصة المسرحيات.

ولكن يبدو أننى قد وقعت فى الفخ، وأصبحت كالمستجير من الرمضاء بالنار.

فالكتابة الثقافية لها “مفاتيح” وبروتوكولات، يبدو أننى لم أتعرف عليها بعد، ومن ثم لابد من التأنى والاستمرار – ولو لفترة – فى الكتابة عن العجز الهيكلى، والاختلال الاقتصادى، والتمويل بالعجز، والتداول الصورى.. إلى آخر تلك التعبيرات الاقتصادية الثقيلة.. على الكاتب والقارئ.

ولكنى لم أستسلم واستعنت بصديقى مصباح قطب وسألته كيف أتغلب على صعوبة أن أصبح “ناقدا أدبيا”؟

فسألنى مصباح: ألم تقرأ للعقاد وطه حسين وأحمد أمين وبعض كتب “سلسلة الزخائر” التى أصدرتها دار المعارف؟

فأجبته بأننى قرأتها وكتبت عنها كثيرًا، وأصدرت كتابا عن الشعر الجاهلى والحب العذرى، بخلاف ثلاثة كتب أخرى.

فكان تعقيبه بأن الموضوع بسيط، وعليك فقط استخدام “المفردات” التى يستخدمها النقاد، مثل المؤلف يملك أدواته، وأنه عبر عن المضمون بالمحتوى، مع الإكثار من استخدام كلمات “البنيوية” والمحاكاة، وأفضل وأروع وأجمل، والنوستالجيا، والمعنى فى بطن المؤلف.. إلخ!

مرة أخرى لم أستسلم.. وتحديت نفسى وصديقى والقراء، وها أنا أبدأ بعرض كتابين جديدين اشتريتهما من معرض الكتاب الأخير، وهما لصديقين عزيزين وهما بالمصادفة عن المسرح، الأول للدكتور سامح مهران بعنوان “المسرح بين الإبداع والتلقى”، والثانى للدكتورة رانيا يحيى بعنوان “المسرح البوليفونى”.

ود. سامح مهران رئيس أكاديمية الفنون الأسبق، مؤلف وكاتب مسرحى لا يشق له غبار، وله أكثر من 18 مسرحية عرضت على مسارح مصرية وعربية وحصل بعضها على جوائز قيمة.

وبعد استعراض فلسفى عن الأدب القرائى الذى ينظر إلى المتلقى كأنه مستهلك فقط وعليه أن يقبل النص أو يرفضه، بخلاف “الغير قرائى”، حيث يشارك المتلقى فى إنتاج المعنى وتفسير النص، أى مسرح يعتمد على نص درامى وفصول ومشاهد وبداية ونهاية.

والمعنى أننا قد نكون أمام نص مسرحى يتسق مع ما يسود المجتمع من مسلمات، أو نص يناقش ويتعارض مع مسلمات المتلقى.

المهم أن د. سامح انتهى إلى أننا أمام ظاهرة غريبة منتشرة فى أوروبا وأمريكا وهى “تسليع المسرح”، أى تحويل كل ما يرتبط بالمسرح إلى “سلعة، حيث وضع المسارح على الخريطة السياحية وإنتاج “تى شيرت” وبادج، ومج، كذلك التفاوت فى أجور الممثلين طبقا للشهرة، بينما يقوم المسرح التجارى بتقديم ما يسمى “بالشعبوية المحافظة” حيث يعزز التقسيم الطبقى من خلال التفاوت الشديد فى أسعار التذاكر، كما يتم استخدام الثقافة كسلعة، فالفقراء فى موضع الشرف والوطنية، فى الوقت الذى يجلس فيه هؤلاء فى آخر كراسى المسرح، بينما يحتل الأغنياء الصفوف الأولى!

والمعنى أننا نعيش فيما أطلق عليه النقاد “مجتمع اللهو” والذى أدى إلى الاختفاء التدريجى للظواهر الثقافية القديمة، مثل البرامج الثقافية فى الإذاعة، وأبواب النقد الأدبى فى الصحف والمجلات.

والخلاصة أن الكتاب جهد علمى محترم يرصد التغيرات التى حدثت للمسرح بصفة عامة فى السنوات الأخيرة.

أما كتاب د. رانيا يحيى أستاذ فلسفة الموسيقى بأكاديمية الفنون، فقد ترددت فى قراءته بعد أن قرأت على غلاف الصفحة الأخيرة “الإبداع ملك الثقافات المغايرة والوافدة للتشبع من ذائقته الجمالية بمداركه الثقافية وأبعاده الاستطيقية، وعناصره المكونة المتباعدة”.

ولكنى تحديت نفسى والمؤلفة وقرأت الكتاب الذى يؤرخ لشكل المسرح الجديد الذى يعتمد على التعددية فى اللحن والصورة والأداء، وتعبير المسرح البوليفونى.. هو تعبير يونانى يقصد به سيطرة عناصر الموسيقى على العرض، وهو الشكل الجديد للمسرح الذى اعتبره المخرج المتميز انتصار عبدالفتاح مشروعه الثقافى، بعد أن جمع بين حرفية الإخراج والتمكن من التقنيات الحديثة، حيث أمكن التنسيق والتداخل بين أصوات آلات النفخ والإيقاع مع آلات العزف، مع الغناء والرقصات التعبيرية، معتمدًا على التراث الشعبى المصرى، حيث بدأ أول عروضه منذ تسعينيات القرن الماضى بالعربة الشعبية التى قلد فيها أصوات الباعة الجائلين، ثم توالت عروضه المجمعة مثل الدربكة، والترنيمة، وأخيرًا صبايا الكحل، وقد نجح المخرج انتصار عبد الفتاح فى جذب المشاهد إلى هذا الشكل الجديد للمسرح الحى غير التقليدى، فأحيانا ما يشارك “المتفرج” فى العرض سواء من خلال الأداء الحركى أو ترديد بعض المقاطع، أو حتى “الصمت”.