رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

حوار مع المشير طنطاوى: عن الحرب.. والسلام.. والمستقبل

1188

لا أعرف بالضبط لماذا ينتابنى شعور شديد بالاطمئنان، كلما رأيت المشير محمد حسين طنطاوى؟ وفى كل مرة أكتشف سببا لهذا الاطمئنان الشديد، ثم أجد أن هناك أسبابا أخرى لم أكتشفها بعد.. الوجه الأسمر، المصرى الملامح، يجعلك تشعر بالألفة لأول لحظة.. تشعر أنك تلتقى بصديق، أو بأخ، أو بواحد من القلة التى منحها الله نعمة «القبول» فجعل من يلقاه يحبه.. ربما يكون ذلك سببا.. ولكن هناك ما هو أهم.. الهدوء الذى تلمسه فى كل حركة وسكنة يوحى إليك بالثقة.. بأن الرجل الذى يشغل موقع وزير الدفاع والإنتاج الحربى والقائد العام للقوات المسلحة يمتلك هذا النوع النادر من القوة الداخلية التى تملأ نفوس الرجال بالثقة، وتجعل الواحد منهم مثل الجبل.. راسخا ثابتا.. صلبا.. دون صلف أو خيلاء.. قوة هادئة.. وصلابة متواضعة.. وقدرة متوازنة.. ربما كان هذا سببا آخر.. لكنه ليس كل شىء.. هناك الابتسامة الودودة المشجعة، وروح «الانضباط» الشديد الواضحة مع لفتة إنسانية لا تخطئها العين.. قوة الإرادة.. وحساسية المشاعر.. ثم هو الرجل الذى تتجسد فيه قواتنا المسلحة كلها.. التى تحمى الحمى.. صفوة أبنائنا وإخوتنا الذين نذروا أنفسهم للفداء دفاعا عنا.. عن وطننا.. عن عرضنا وشرفنا.. عن حاضرنا ومستقبلنا..

هذا بعض ما أشعر به كلما رأيته فى أى وقت.. فكيف يكون حالى وأنا ألقاه اليوم فى وقت تستدعى فيه الذاكرة أيام الفخر التى صنعتها شجاعة الرجال ودماؤهم؟ بطولة الأبطال.. وأرواح الشهداء كانت ترفرف حولى وأنا أجلس مع المشير طنطاوى خلال هذا الحوار الذى امتد وطال أكثر بكثير مما كان مقدرا له.. لأن الحديث كان ذا شجون كما نقول.

 

أجرى الحوار – رجب البنا

وتم نشره في المجلة بالعدد رقم (937) بتاريخ 9 أكتوبر 1994

 

فى البداية كنت أريد أن أعرف ما هو شعور القائد العام الآن، بعد مرور 21 عاما.. ولذلك سألته: سيادة المشير، ماذا يعنى انتصار 6 أكتوبر بالنسبة لك شخصيا.. وبالنسبة للقوات المسلحة.. وبالنسبة لمصر؟

ويبدو أننى اقتربت من «المنطقة الخاصة جدا» فى قلبه.. فقد تدفق بالإجابة، كأنها مناجاة.

– قال: انتصارات أكتوبر 73 نقطة تحول.. سوف تظل داخل وجدان كل من ساهم وشارك فيها، لما تحمله من مشاعر، على المستوى الشخصى، لجيل كامل من رجال القوات المسلحة..وأقول لك فى كلمات قليلة: لماذا؟

– تلك الحرب أعادت للجندى المصرى كرامته التى اهتزت عقب حرب 67.. كان داخل كل منا جرح عميق، وتساؤل: كيف تلحق بالمقاتل المصرى هذه الهزيمة؟! ونحن كلنا نعلم أن الظروف والملابسات التى حدثت لم تهيئ الفرصة المناسبة لاختبار قدرات هذا المقاتل، ونعلم أن كثيرا من الأخطاء حالت دون إثبات ذاته وبراعته ومهارته القتالية خلال تلك المعركة.

لكن هؤلاء الرجال – الجنود المصريين – هم الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم «فى رباط إلى يوم الدين» وأنهم خير أجناد الأرض.. وخلاصة القول.. على المستوى الشخصى، كان داخلى بركان ثائر يرفض الهزيمة.. وكان هذا البركان فى داخل كل جندى وكل مواطن.. ولذلك جاءت معركة أكتوبر 73 فرصة لإعادة الحق للمقاتل المصرى.

لحظة صمت سادت المكان فجأة، يبدو أن شلال المشاعر والذكريات كان قد تدفق وقتها.. لكن المشير واصل الحديث بعدها بنفس الهدوء، ولكنى – بالرادار الداخلى الذى كان يقترب من نفس الموجة التى يتحدث منها – أحسست أنه مثلى، ومثل كل المصريين، يحمل مصر كلها داخله، بتاريخها القديم والحديث، وحين تتحرك المشاعر، ويفتح باب الذكريات فإن تيار الحب الغريب الذى يربط المصريين بوطنهم يملأ القلب.. والجوارح.. ويتدفق من العيون.. ولمعت عيناه بشدة وهو يستكمل حديثه: كان داخلى بركان ثائر يرفض الهزيمة.. وجاءت معركة أكتوبر 73 فرصة لإعادة الحق للمقاتل المصرى.. وكنت أعلن أنى أحارب من أجل الحق.. من أجل حضارة عمرها سبعة آلاف عام.. من أجل استعادة الذات لقواتنا المسلحة التى نتشرف بالانتساب إليها.

وعادت لحظة الصمت قصيرة هذه المرة.. والتفت إلىَّ وهو يقول: كان هذا شعورى الشخصى، وأكاد أقول إنه شعور كل مقاتل مصرى، وبالتالى فإن القوات المسلحة كان لزاما عليها أن تخوض هذه المعركة.. بإمكاناتها الذاتية.. دون الاعتماد على أى قوى خارجية.. باختصار كانت معركة كرامة.. أعادت للقوات المسلحة المصرية مكانتها وهيبتها..

– وارتفع الصوت الهادئ قليلا وهو يقول لى: العسكرية المصرية عريقة عراقة التاريخ، فأول جيش نظامى بنى على هذه الأرض، وقادته دائما كانوا نبلاء.. فرسانا أشداء.. كل ذلك كان على كاهلى، وفى عقل المقاتل المصرى.. وكانت أمامنا حقيقة أن هذه المعركة، المشهود بها فى التاريخ، كان هدفها السلام.. وأثبتت أن مصر غنية برجالها الأوفياء لوطنهم.. الأشداء فى الدفاع عن الحق.. الأكفاء فى تنفيذ واجبهم فى الحرب أو فى السلام..

أما بالنسبة لمصر فكانت هذه الحرب نقطة تحول تاريخى، واستشرافًا للمستقبل وطموحاته..

كان المكان هادئا، ونحن نجلس فى صالون بسيط ملحق بمكتب المشير، وخلفه أعلام أسلحة القوات المسلحة، والجو كله يوحى بالعمل، والجدية، والانضباط، وأردت أن أردد أمام المشير طنطاوى ما يقوله كثيرون حتى بدا كأنه تساؤل لا يجد إجابة.

 قلت: دائما يتساءل الكتاب: أين روح أكتوبر؟ أين هى فى رأيك؟

– ولمحت ابتسامة خفيفة، كأنه كان يريد أن يقول إن الذين يتساءلون أين روح أكتوبر مساكين.. لأن العيب فيهم.. لا يرون ما هو أمامهم.. ولكنه قال لى على الفور: روح أكتوبر أمامك.. كانت ومازالت بكل أبعادها تمثل لنا وقودا يضىء لنا الطريق لبناء مصر الحديثة، ويمكن بنظرة إحصائية أن تكتشف التحول المذهل منذ هذه الحرب المجيدة حتى الآن، على كافة المجالات.. وهنا يجب أن نتوقف لنتذكر رفقاء السلاح، وزملاء الجهاد، الذين استشهدوا فى سبيل هذا الهدف الغالى، سواء الجنود، أو صف الضباط، أو الضباط، وفيهم مسلمون ومسيحيون، قدموا أرواحهم لتعيش مصر حرة.. كريمة..

 قلت: نترك الجانب الشخصى والموضوعى من الحرب، ونسأل عن الآثار السياسية والعسكرية لهذه الحرب على المستوى الاستراتيجى.. كيف ترون هذه الآثار؟

– قال: حرب أكتوبر المجيدة لها انعكاساتها وآثارها على ميادين عديدة فى كافة المجالات السياسية منها والعسكرية، بل تعدت بأبعادها الصعيد المحلى إلى المستوى الإقليمى والدولى.. على الصعيد السياسى كان انتصار أكتوبر 1973 بمثابة المنارة التى أضاءت الطريق وفتحت المجال للقيادة السياسية المصرية لطرح قضية السلام لإرساء قواعد الأمن والاستقرار بالمنطقة، وإنهاء حالة الحرب بعد أن أثبتت القيادة المصرية قدرة قواتها المسلحة على تحرير الأرض.. ومن جانب آخر كانت نقطة التحول لقبول الأطراف العربية المعنية بالصراع مع إسرائيل لواقع السلام استفادة من الدور الريادى لمصر بالمنطقة.. فمصر التى قادت عسكريا وانتصرت سياسيا هى التى تتحمل الآن أعباء كبرى خلال مرحلة تكيف العالم العربى مع المتغيرات العالمية الجديدة لتحقيق الأمن والاستقرار بالمنطقة، وأنتم ترون الجهد الدبلوماسى الذى تبذله القيادة السياسية المصرية لدفع مسيرة السلام على كافة المحاور، ومحاولاتنا لتقريب وجهات النظر بين كافة الأطراف.

كما أكدت تلك المتغيرات الارتباط الوثيق بين الأمن القومى المصرى والأمن القومى العربى، وجسدت الطابع القومى العربى فى مواجهة التهديدات، وبالتالى أهمية التنسيق المستمر على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية داخل تلك الدائرة العربية فى مواجهة التحديات على المستوى الإقليمى والدولى.

وكانت من أبرز الآثار العسكرية لتلك الانتصارات على المستوى الاستراتيجى تحديث سياستنا الدفاعية وخطط التطوير التى شهدتها قواتنا المسلحة فى جميع الأفرع الرئيسية لمواكبة التطور التكنولوجى المتلاحق، فى إطار إمكانات وقدرات الدولة مع اتباع سياسة الترشيد وفى ضوء الاهتمام بعامل الكيف قبل الكم، بما يوفر قدرتنا لتنفيذ مهام الدفاع عن الدولة وفى إطار عقيدة تؤمن بأن القوات المسلحة ليست أداة عدوان بل أداة حماية وأمن واستقرار للسلام والتنمية وقد اشتركت مصر فى حرب الخليج لتؤكد سلامة عقيدتنا العسكرية وتطورها حيث تركز على وجوب إقرار الشرعية والعدالة، كما اشتركت بقواتها العسكرية تحت راية الأمم المتحدة تأكيدا للدور المستقبلى للقوات العسكرية لتكون أداة حماية تدعم حقوق الإنسان فى كل مكان كما تجدر الإشارة إلى أن هذه الآثار والدروس قد غيرت بالفعل فى نظريات عديدة فى العلوم العسكرية، سواء فى مجالات فنون القتال وتكنولوجيا التسليح وهذا ما قدمته دراسات المعاهد العسكرية العالمية.

 قلت: نقول كثيرا إننا لا بد أن نستفيد من دروس حرب أكتوبر..  وأعتقد أنه آن الأوان لنحدد:  ما هى أهم الدروس؟ وكيف يمكننا الاستفادة بها؟

– قال المشير طنطاوى: الحقيقة أن هذا السؤال أصبح من الصعب الإجابة عنه فى حديث مختصر، حيث إن الدروس المستفادة من حرب أكتوبر وآثارها وانعكاساتها لم تنته بعد، فرغم مرور 21 عاما على هذه الحرب فما زالت روح أكتوبر تحض هذا الشعب العظيم على المزيد من الإنجازات، بل إن المبادئ الأساسية لحرب أكتوبر المجيدة أصبحت من مفردات العمل الوطنى المصرى، حيث نجد على سبيل المثال أن الفكر المصرى الاقتصادى العلمى يتحدث عن حشد الطاقات والمبادأة والمبادرة واقتحام المشاكل وتحقيق التوازن وحسن استخدام الموارد والترشيد فى استهلاكها.

وحقيقة الأمر أننا استفدنا كثيرا من دروس حرب أكتوبر العسكرية، وليس الأمر مقصورا فقط على استفادة القوات المسلحة المصرية بل تجاوزه إلى استفادة معظم الجيوش العربية وبعض الجيوش الأجنبية، خاصة فيما يختص ببناء قواتهم المسلحة، ولنستعرض أهم هذه الدروس:

1 – فى مجال بناء القوات المسلحة أفرزت نتائج حرب أكتوبر انعكاسا واضحا على تطوير أجهزة القيادة العامة للقوات المسلحة، ونظم القيادة والسيطرة مما انعكس بشكل واضح على تحسين أدائها بما يتلاءم مع المتغيرات المتوقعة فى أشكال الصراعات المسلحة وتنوع طبيعة المسرح الذى قد تشترك فيه القوات.

2 – وفى مجال تطوير الأسلحة والمعدات فقد كانت دروس حرب أكتوبر هى الأساس الذى بنى عليه تطوير الأفرع الرئيسية فى القوات المسلحة المصرية تحسينا لأدائها المستقبلى وتواكبا مع التطور الحادث فى الجيوش العالمية، إن الأساس الذى وضع على أساسه تطوير القوات البحرية والجوية والدفاع الجوى هو الاعتماد على تسليح هذه القوات بأحدث الأسلحة ذات القدرة النوعية التى تضيف إليها إمكانات تعزيز قدرتها القتالة..  كما لايفوتنا هنا ذكر التأثير المباشر لحرب أكتوبر على الصناعات الحربية المصرية والعربية بكافة أشكالها، سواء التصنيع المشترك والمشروعات المشتركة نتيجة لإنشاء الهيئة العربية للتصنيع، علاوة على تحسين الإنتاج الحربى الذى كان منوطا بوزارة الإنتاج الحربى نوعا وكما، وفى مجالات لم يكن متصورا أن تنتجها العقول المصرية.

3 – فى مجال بناء الإنسان المقاتل وهو البطل الحقيقى لمعركة أكتوبر..  فقد خرج إنسان جديد ينكر الهزيمة..  ويؤكد قدرته كإنسان ينشد الأفضل لوطنه ولنفسه..  فأدخلنا نظما عديدة لإدارة الأفراد .. وتنمية مهاراتهم الطبيعية كما تأكد لنا حقيقة أنك لكى تقود يجب أن توفر كافة الحاجات الأساسية للمقاتل..  ولقد قطعنا فى ذلك شوطا كبيرا يتلاءم مع خصوصية الإنسان المصرى، وتعد هذه الإجراءات نموذجا متميزا فى منطقة الشرق الأوسط.

4 –  وقبل كل شىء لا بد أن نشير إلى التطور الذى حدث للجندى والضابط المصرى فى مجالات التنمية البشرية بكافة أبعادها.. وهى الشغل الشاغل للقادة على جميع المستويات، تأكيدا على أن الإنسان هو الذى يستطيع صنع المعجزات وهو ما أكدته حرب أكتوبر المجيدة.

5 –  أما الاستفادة فى المجالات المدنية فهى كثيرة وأهم ما يميزها هو إنشاء جهاز الخدمة الوطنية كنتاج طبيعى لفترة السلام الذى فرضته حرب أكتوبر المجيدة.

6 –  وعلى المستوى الاستراتيجى بتأكيدها على أهمية المزج بين قوى الدولة الشاملة فى حل القضايا القومية حيث إن القوة العسكرية قد حركت القضية ثم أكملت القوة الدبلوماسية الطريق حيث تم تحرير الأرض بأكملها، علاوة على آثارها على المستوى العربى وتأكيدها لأهمية التضامن العربى للوصول إلى الأهداف المشتركة.

وأعتقد أن ما ذكرته جزء من كل، فسؤالك يحتاج إلى مساحة أكبر للرد عليه.

 قلت:  تحدثنا كثيرا عن روح أكتوبر.. ماذا تعنى بالنسبة لك؟ وكيف توظفها لصالح قضايا الوطن الكبرى؟

– وأجاب القائد العام: الإنسان المصرى بطبعه وخصوصيته التاريخية واعى الإدراك بما يحيط به، ومعدنه معدن ثمين استوعب حضارات عديدة، لم تقدر على طمس هويته بل العكس دائما.. ولقد مرت مصر بتجارب احتلال عديدة إلا أنها تعلمت منها الكثير..  وهذا يعنى أن الإنسان المصرى بكل خصائصه الإنسانية هو الأقوى..  وسيظل دائما..  ولقد مر الإنسان المصرى بكبوات عديدة، فبعد معركة التل الكبير تبلورت واندلعت الحركة الوطنية فى مصر..  وصولا إلى ثورة  1919، وبعد يونيو 67 انطلقت طاقات الإنسان المصرى الكامنة.

وروح أكتوبر..  تعنى وضوح الهدف.. وضوح الرؤية..  الإجماع على تحقيق هدف قومى يسعى لتحقيقه كل فرد مصرى..  كل فى موقعه..  هذا هو الإنسان المصرى عموما فى المواقف الحرجة.. أعطه هدفا واضحا..  اعمل على إخراج طاقاته الكامنة.. الكل لا بد أن يعمل فى موقعه ويكون قدوة للآخرين..  هنا فقط سوف تشهد أروع صور التلاحم الجاد من أجل تحقيق الهدف.

وأنا أرد الآن على كل المتشدقين بسلبية الإنسان المصرى..  كيف تكون..  وهو العماد الحقيقى لما حققته الانطلاقة الاقتصادية خلال خطتين متتاليتين للتنمية؟ وإننا والحمد لله على الطريق السليم لعبور عنق الزجاجة بفضل السياسة الواعية الحكيمة للسيد الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة.

 قلت:  للقوات المسلحة فى ضمير الشعب المصرى مكانة كبيرة لأسباب عديدة تاريخية وموضوعية، لذلك يحب الشعب أن يطمئن على أوضاع واستعدادات قواتنا المسلحة درعنا وحصننا..  ما هو الجديد؟ وما هى المهام فى ظل أوضاع السلام؟

– وابتسم القائد العام وهو يقول لى بمنتهى الهدوء: بداية يهمنى أن أؤكد حقيقة هامة تحكم العلاقة بين القوات المسلحة والشعب المصرى، وهى أن هذه القوات جزء من الشعب المصرى، تسعى للحفاظ على أمن البلاد واستقرارها، وهذا ما أثبتته أحداث التاريخ المعاصر، ولم تتقلص هذه المهمة بأى حال من الأحوال منذ حرب أكتوبر 73 حتى الآن، بل تجاوزتها من خلال التخطيط السياسى العسكرى السليم لاستمرارية تطويرها ورفع كفاءتها واستعدادها الدائم لتنفيذ مهامها الاستراتيجية بكل كفاءة واقتدار وليس دورها خلال حرب تحرير الكويت ببعيد، وقد أشادت به كل دول العالم رغم بعدها عن وطنها الأم بآلاف الكيلومترات لنجدة الشقيقة الكويت..  وهناك دور غير مرئى هو من أدوار عديدة.. فأبناؤنا على الحدود المصرية يرصدون ويمنعون أخطارا جساما تستهدف شعب مصر.

أما عن الجديد فنحن فى حالة تطوير دائم تجعلنا باستمرار فى مصاف الجيوش المتقدمة عالميا تطويرا للفرد والعتاد والأداء العسكرى بكافة صوره وأشكاله.

وأما عن المهام فى ظل أوضاع السلام فهى أكثر وأشق كثيرا من مهام الحرب وهذا طبيعى حيث تستلزم تحديات السلام جهودا أشق فى جميع المجالات العسكرية منها والمدنية وهذا قدر قواتنا المسحلة المصرية، وإن كل ما تقوم به قواتنا المسلحة إنما هو وفاء وعرفان لهذا الشعب الذى أعطاها ويعطيها ما يجعلها تقف على قدم المساواة مع أحسن الجيوش الأجنبية وأنا أطمئن شعب مصر العظيم على استعداد أبنائهم لحماية وطنهم وأمنهم.

خطر ببالى أن أتوقف لأنى أخذت من وقت القائد العام أكثر مما يجب، لكن طبيعة الصحفى غلبت وقلت:  لا بد أن أستغل كرم الرجل، وأنتهز الفرصة لأسأل سؤالا يشغلنى وأبحث له عن إجابة، ولا بد أن أعرف فكر هذا الرجل الذى يتحمل مسئولية قيادة قواتنا المسلحة.

 قلت:  هل تسمح لى يا سيادة المشير أن أنتقل إلى سؤال حول رؤيتكم للساحة الدولية؟ هل ترون أن المتغيرات الدولية تفرض تغيرات فى استراتيجيات الدول الصغيرة على المستوى الدولى والإقليمى؟ وما هى الاستراتيجية المثلى بالنسبة لنا؟

– وأجاب المشير محمد حسين طنطاوى: فى الواقع أن ما شهده العالم من متغيرات وتطورات حادة خلال الأعوام الماضية فى ظل النظام الدولى الذى يتبلور حاليا، والذى يقوم على محاولة حل المشاكل الدولية والإقليمية بالأسلوب السياسى والعلمى، وإعطاء المنظمات الدولية الدور الأساسى فى فرض الهيبة فإننا نرى أن ذلك سوف ينعكس على استراتيجيات العديد من الدول النامية، وقد يدفعها إلى إجراء تغيرات فى استراتيجياتها على المستوى الدولى والإقليمى.

ومصر من منطلق مبادئها ودورها الرائد تتبنى استراتيجية ثابتة تقوم على أسس وقواعد تهدف مجملها إلى الاحتفاظ بقوات مسلحة قوية قادرة على الدفاع عن الوطن وحماية الأمن القومى المصرى ضد جميع التهديدات والعمل على توفير المرونة اللازمة للتعامل مع المتغيرات المستقبلية، أما على المستوى العربى فإن الاستراتيجية العسكرية المصرية تسعى إلى دفع وتعميق التعاون العسكرى العربى، وبلورة مفاهيم أكثر تكاملا للأمن والتعاون لتحقيق الأهداف والمصالح الاستراتيجية العربية، وأنا أؤكد هنا أن مصر لا يفرض عليها شىء.. ومصر سيدة قرارها، وقد أعلن ذلك مرارا السيد رئيس الجمهورية.. والقيادة السياسية المصرية تضع استراتيجيتها فى إطار الحفاظ على مصالح هذا الشعب العظيم الذى حملها الأمانة.

 قلت: تقوم القوات المسلحة الآن بدور فعّال فى قوات حفظ السلام فى أكثر من موقع من العالم، ما هى الفلسفة وراء هذه المشاركة؟ وما هو الهدف؟

– قال المشير طنطاوى: إن مهام حفظ السلام التى تقوم بها القوات المسلحة حاليا فى البوسنة والهرسك والصومال هى صفوة ثلاث عشرة عملية حفظ سلام فى العالم، تشارك مصر فى أكثرها سخونة وخطورة، إيمانا منها بضرورة المشاركة فى تدعيم الشرعية الدولية، وكخط أساسى للسياسة المصرية تجاه الأمم المتحدة التى تعبر عن إرادة المجتمع الدولى.

ووراء هذه المشاركة فلسفة أؤكد على بعض نقاطها وهى:

1- المظهر المشرف والرائع للقوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر 1973.

2- المظهر المشرف والمتميز للقوات المسلحة المصرية فى عمليات تحرير الكويت ودورها المتميز وسط باقى الدول المشتركة.

3- السمعة الطيبة على مر التاريخ التى تتمتع بها القيادة السياسية المصرية ومصداقيتها فى السلام العادل فى إطار الشرعية الدولية.

4- الدور السياسى المصرى فى الإطار العربى والإسلامى والإقليمى.

وبالتالى كانت كل هذه الأمور وغيرها مؤهلة لمصر لتكون شريكا مقبولا من كافة الأطراف ضمن قوات حفظ السلام.

بل إن مشاركة مصر فى مهام حفظ السلام ليست وليدة الساعة، فقد سبق أن شاركت مصر فى عدة عمليات لحفظ السلام فى إفريقيا، بالإضافة إلى عمليات أخرى متمثلة فى الإشراف على الانتخابات وأعمال المراقبين فى كمبوديا وناميبيا.

وتهدف مصر من وراء هذه المشاركة إلى دعم الشرعية الدولية، لكى يكون لنا دور فاعل فى المشاركة الدولية لحل النزاعات، ولكى نؤكد استمرار الدور الريادى لمصر بشعبها وقواتها المسلحة، وهذا يتوافق مع النهج الذى ميز السياسة المصرية فى توفير الأمن والاستقرار فى المنطقة وفى العالم، تأكيدًا لمصداقية مصر فى نهجها لتحقيق السلام دائمًا.

وبالإضافة إلى ما سبق فإن القوات المسلحة المصرية قد حققت أهدافًا أخرى، منها اكتساب الخبرات وفتح قنوات اتصال مع القوات المسلحة للدول الأخرى المشاركة من خلال التأمين المتبادل ونقل الخبرة والتدريب والإعداد.

وفكرت أن أتوقف.. ولكنى وجدت لدىَّ أسئلة هامة تتردد فى عقول الناس، فقلت لنفسى إن واجبى أن أسأل، وأقدم كل ما يدور فى الأذهان، وله أن يجيب أو لا يجيب.. لكن المشير محمد حسين طنطاوى لم يبد ضيقا بكثرة أسئلتى.

 فقلت: سيادة المشير.. بعد النجاح العسكرى الكبير.. حققت القوات المسلحة نجاحا آخر.. فى ميادين أخرى.. فى ميادين التشييد، والتعمير واستصلاح الأراضى.. ما هى الحصيلة ولماذا لا تتوسع القوات المسلحة فى هذا الاتجاه بحيث يكون لها نصيب محدد فى خطة التنمية؟

– وكانت ابتسامته هذه المرة ابتسامة من كان يتوقع السؤال، فقال لى بسرعة: إن مشاركة القوات المسلحة فى ميادين التنمية الداخلية جاء من منطلق استثمار الطاقات الزائدة على حاجة القوات المسلحة فى زمن السلم، كما أنه يعد تدريبا لتلك الوحدات على أعمال تخصصية لها نفس الطابع الأدائى خلال العمليات.. فوحدات الإشارة تعمل فى مجالات التليفونات، وهو نفس ما تقوم به خلال المعارك.. فضلا عن أن توافر شبكة تليفونات جديدة على مستوى الدولة سوف يكون له أحسن الأثر خلال تأدية المهام القتالية للقوات المسلحة.. وهكذا بالنسبة للطرق.. والكبارى.. كلها مشروعات استراتيجية تهدف لإعداد الجبهة الداخلية، وتساهم فى خطة تنمية الدولة ورفع الاختناقات التى حدثت فى تلك المجالات، كما أنها فى نفس الوقت مشروعات تساعد القوات المسلحة فى أداء مهامها، وهو ما نسميه أعمال تجهيز المسرح.

إن القوات المسلحة تسعى لتوفير الاكتفاء الذاتى لاحتياجاتها ومطالبها، وخاصة فى مجال إعاشة الأفراد وإيواء الوحدات، وهدفنا فى ذلك تخفيف العبء عن كاهل الدولة، وهذا يعتبر دورا رئيسيا للقوات المسلحة فى خطط التنمية، علاوة على ذلك تشارك القوات المسلحة فى تنفيذ المشروعات الاستراتيجية التى أشرت لها سابقا، وكل هذا مشروط بعدم التأثير على الكفاءة القتالية والفنية للوحدات.

 قلت: أصبحت القوات المسلحة مدرسة كبيرة للشباب المصرى.. نعرف اهتمامكم بمساهمتها فى محو الأمية، وهى معركة توجيه حضارية.. ماذ حققتم فيها؟ وماذا تسعون إلى تحقيقه؟

– وأجاب القائد العام: قضية الفرد هى من أول اهتماماتنا.. فهو العنصر الرئيسى خلال تأدية كافة الأنشطة، أما الآلة والمعدة.. فكلها مساعدة للفرد، ويأتى اهتمام القوات المسلحة برفع كفاءة الفرد المقاتل فى مقدمة الإعداد والتخطيط لأى نشاط سواء كان تدريبيًا أو قتاليًا.. الفرد المتعلم ثروة.. فالمعدات والأسلحة فى تطور مستمر.. وعالم اليوم هو عالم التكنولوجيا.. والعلم أساسى وضرورى.. وكيف أكون محترفا فى أى أداء دون العلم؟ البداية يجب أن تكون «اقرأ» كما قال الله سبحانه وتعالى، من هنا تكون بداية الانطلاق والتطور والارتقاء بالمستوى الذهنى.

لم يعد هناك مجالا للجهلاء وغير المتعلمين.. لدينا إمكانياتنا الذاتية.. وبدعم من وزارة التربية والتعليم.. أنشأنا مدارس وأقمنا فصولا دراسية داخل كافة القطاعات لمحو الأمية.. معركة لا بد من اجتيازها مثل أى معركة حربية.. إصرار على تنفيذ الخطط فى محو الأمية لزيادة قدرة الاستيعاب لدى المقاتل.. المقاتل المصرى لديه مهارات فطرية يصقلها التعليم.. لدينا هدف كبير.. ألا يبقى فى القوات المسلحة فرد مقاتل لا يعرف القراءة.. وهذا الجهد المبذول فى هذا الاتجاه هو استثمار لطاقات وقدرات المقاتل المصرى، فالإنسان المتعلم خلف المعدة يعنى إطالة عمرها وصيانتها والاستخدام الأمثل لها، وقدرة الإنسان المتعلم على الاستيعاب فى التدريب أعلى من مثيله الأمى، إلى جانب أنها تفتح مجالات حياة أفضل والحصول على فرصة عمل مناسبة، وهذا الجهد هو لخدمة الوطن والإنسان.

هذه إضافة لجهود الدولة.. نساهم بذلك فى مجهودات قطاعات أخرى بكل ما لدينا من إمكانات.

 قلت: سيادة المشير: معلوم أن القوات المسلحة هى القاعدة المتقدمة لدفع وتطوير البحث العلمى،، ولكن هذا الدور لم تلق عليه الأضواء الكافية حتى الآن، ما هو إسهام قواتنا المسلحة فى هذا الميدان المستقبلى؟

– وأجاب المشير محمد حسين طنطاوى: العلم والبحث العلمى هو ركيزة أساسية لتطور أى قوات مسلحة فى ظل تطور سريع للأسلحة والمعدات.. كل يوم وكل ساعة تنتج ترسانات الأسلحة جديدًا.. لا بد من ملاحقة ذلك.. لدينا مراكز متخصصة فى هذا المجال تعمل على رصد كل ما هو جديد.. وتطويره لاستخدامات القوات المسلحة، بل إضافة خصائص جديدة له تتناسب مع ظروفنا المناخية وخططنا الخاصة.. هناك توسع شامل فى تلك المراكز للوقوف على أحدث التقنيات العلمية.. دخلت الحواسب الآلية فى كافة الأنشطة.. تطوير مستمر فى مجال التسليح والطب والإنشاءات والاتصالات وكافة المجالات.. نشارك دائما بما توصلنا إليه فى المؤتمرات العلمية الداخلية والخارجية.. نفيد ونستفيد من كافة قطاعات الدولة.. نشاط القوات المسلحة هو امتداد لنشاط قطاعات الدولة الأخرى.. لدينا بنك معلومات يملك أحدث ما توصلت إليه الأبحاث العلمية فى كافة مجالات الحياة.. هناك تعاون وتنسيق مستمر مع كل الجهات فى هذا المجال.

ونحن نقدم نتاج عقول أبنائنا فى بعض المعارض المتخصصة سواء على مستوى القوات المسلحة أو فى المعارض المدنية.. وتلقى قبولا من الجهات المشاركة.. وقد رصدنا لهذا النشاط ميزانيات تفوق الأعوام السابقة.. بما يتمشى مع احتياجات القوات المسلحة.

 قلت: سيادة المشير: بودى أن أسأل عن نتائج زيارتك الأخيرة لأمريكا.. لماذا كانت الزيارة؟ وماذا حققت؟ وكنت أتوقع إجابة دبلوماسية فى عبارات عامة، لكن صاحب العقلية المحددة الواضحة أجابنى بمنتهى الوضوح والتحديد.

– قال المشير: كان هدف الزيارة الأولى تأكيد استمرار التعاون بيننا وبين الولايات المتحدة بنفس النظام الحالى والمعدات الحالية.. والولايات المتحدة خفضت ميزانيات الدفاع فيها، وظهرت آراء هناك تقول ما دامت هذه التخفيضات قد حدثت بالنسبة لهم فإن الأمر يستلزم خفض المساعدات العسكرية الخارجية، وكان هدفنا أن نتوصل إلى اتفاق يؤكد استمرار المعونات كما هى.. وتحقق ذلك.. وكان الفضل للرئيس حسنى مبارك، وللثقل الشخصى والسياسى والمكانة التى يتمتع بها دوليا وفى الولايات المتحدة، فقد لمست إلى أى مدى يحظى الرئيس مبارك بتقدير كبير من الإدارة الأمريكية، ومن أعضاء الكونجرس، وكثير منهم يشعرون أنهم أصدقاء للرئيس، ولديهم اقتناع بأن مصر ركيزة الاستقرار فى المنطقة، وإذا فقدت قوتها فإن ذلك يمكن أن يخلق مشاكل كثيرة فى المنطقة وفى العالم.. ومن هنا كان التوجه فى السياسة الأمريكية باستمرار التعاون.

كذلك بحثت فى هذه الزيارة مع المسئولين هناك موضوعات التعاون فى مجال التسليح.. وفى مجال البحوث.. وفى التدريب المشترك.. ولا بد أن يكون واضحا أننا نفيد ونستفيد من التدريب المشترك.. ونحن نأخذ تكنولوجيا متطورة، ونستفيد من أحدث وسائل التدريب، وفى كل تدريب مشترك نحصل على معدات جديدة.. وهم يستفيدون منا لأن لدينا تجارب حرب.. ولدينا قوات لها خبرة حرب.. وقواتنا على درجة عالية من الكفاءة والتدريب.

 قلت: سيادة المشير، هل تسمح لى أن اقترب من موضوع حساس، لكنه يشغل بال ملايين المصريين؟ هل يمكن أن تؤثر استفزازات النظام السودانى إلى حد التصادم لا قدر الله؟

– قال بكل وضوح وهو يضغط على كل كلمة: اكتب بكل وضوح… القوات المصرية لن يأتى اليوم الذى تفكر فيه فى المساس بالسودان.. والسلاح المصرى لن يستخدم ضد مواطن سودانى أبدًا.. وهذه استراتيجية ثابتة أعلنها قائدنا الأعلى.

ثم استطرد: نحن مقتنعون بأن العلاقة بين الشعبين المصرى والسودانى ليست علاقة جوار، وليس هدفنا حسن الجوار.. لا.. إنها علاقة حياة واحدة.. وتاريخ واحد.. ومصير واحد.. السودانيون فى مصر يعيشون كالمصريين تماما.. السد العالى كان لصالح السودان ومصر، وبحيرة ناصر نصفها فى مصر ونصفها الآخر فى السودان، يستفيد منها السودان كما تستفيد منها مصر، ولم نفكر يوما فى أن نطلب من السودان مقابل هذه الاستفادة.

ثم قال: اكتب.. إننا لن نسمح لمن يريدون الاصطياد فى الماء العكر أن يحققوا أهدافهم.. وإذا كان هناك من يحاول تغطية مشاكل داخلية فى السودان بافتعال معارك وهمية مع مصر، فلن نعطيه الفرصة لحل مشاكله على حساب مصر.. وعلى حساب شعب السودان.

لحظة صمت قصيرة وجدت بعدها أنه مازالت لدى أسئلة كثيرة.. قلت لنفسى لماذا لا أطرحها ربما أجد لها إجابات ولو سريعة. وقلت أجرب فمازال المشير طنطاوى هادئا وصبورا.

سألت: سيادة المشير: يقال إن هناك نظاما جديدا للتجنيد سيتم تطبيقه قريبًا.. هل هذا صحيح؟

قال: لا.. لن يتغير نظام التجنيد.. التغيير هو أننا نطور فى وسائل التجنيد.. أصبحت كلها متطورة وبالكمبيوتر.. وأصبحت المعاملة على أعلى مستوى من الاحترام.. وأصبح هدفنا أن يحب المجند أن يدخل القوات المسلحة.

وفى زمن السلم تكون الأعداد المطلوبة أقل، ولذلك لدينا الآن فائض، نوجه جزءا كبيرًا منه فى الخدمة الوطنية ليكونوا منتجين.. ونعلمهم الحرف التى يحتاج إليها المجتمع.. نعلمهم الزراعة.. والمهن الصناعية.. ولدينا ورش للتدريب على ذلك على مستوى راق وعالمى.

 قلت: وماذا عن خفض الإنفاق العسكرى فى زمن السلم؟

– قال: نعم.. تم الخفض فى إنفاق القوات المسلحة، حجم الإنفاق العسكرى بالنسبة لحجم الإنفاق العام أصبح منخفضًا جدا.. ونحن نعتبر الآن من أقل الدول فى المنطقة إنفاقا بالنسبة لموازنة الدولة، وهو طبيعى، ولكنه لا يؤثر على الإعداد والتدريب والتسليح.. نحن نهتم بترشيد الإنفاق.. ونحقق جانبا من الاكتفاء الذاتى.. مبانى الإيواء نحن نقيمها.. ملابس القوات المسلحة نحن نصنعها.. التغذية من إنتاج مزارعنا، ونجحنا فى ذلك والحمد لله.. وهذا يعتبر دعما للقطاع المدنى.. نحن نريد أن تكون قواتنا المسلحة منتجة فى المقام الثانى.. والمقام الأول هو الإعداد العسكرى.. المهمة الرئيسية الدفاع عن الأمن القومى.. ونحن نوازن بين الإنفاق والعائد.. وبين العمل فى السلم والاستعداد للحفاظ على السلم والاستقرار والأمن.. نحن نعرف واجبنا جيدا.. اطمئن.

وعاد الاطمئنان يملأ نفسى..

كلما رأيته أشعر بالاطمئنان.. لأسباب كثيرة.. أكتشف كل مرة سببا منها.. أما هذه المرة فقد اكتشفت سببا مهما.. أن مصر تستحق أن تكون لها قوات مسلحة على هذا المستوى الذى وصلت إليه منذ حرب أكتوبر حتى الآن.. والقوات المسلحة تستحق أن يكون قائدها العام هو هذا الرجل.. لأنه يلخص كل الفضائل والخصائص.. مصرى.. وطنى.. مخلص.. كفء.. ذكى.. مثقف.. على درجة عالية من التفكير العلمى المنظم.

قيادات أفرزتها حرب أكتوبر.. وما أكثر ما يمكن أن يقال عن حرب أكتوبر؛ الأحداث، والرجال.. لذلك يجب ألا يكون الحديث عن أكتوبر حديث مناسبات..

لا بد أن يكون حديث كل يوم.