رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

وزير الإعلام اللبنانى فى حوار خاص لـ «أكتوبر»: مصر «أم الدنيا».. وإعلامنا قادر على دحر «الطائفية»

231

أثار المرسوم رقم 8919 الذي أصدره رئيس الجمهورية اللبناني العماد ميشيل عون في مارس الماضي تساؤلات كثيرة وقتها.. فمن هو ذلك الرجل الذي جاء إلى وزارة خطفت الأنظار لفترة طويلة بسبب تصريحات وزيرها، وهل سينجح كونه أكاديميًا ولم يعمل بالإعلام من قبل؟!

 جاء المهندس المعماري «زياد مكارى» في ظرف دقيق للغاية ليتولى مسئولية حقيبة الإعلام في لبنان، الذي كان ولا يزال يعاني من ويلات أزمات سياسية واقتصادية كبيرة، جاء وهو غير معتمد فقط على تخصصه ودراسته للعمارة اللبنانية، بل معتمدًا بشكل أكبر على عشقه الكبير ومتعته الأولى في إعادة الإعمار والترميم  والحفاظ على التراث الثقافي اللبناني  والتاريخ والهوية اللبنانية، فهو لديه العديد من الأبحاث الهادفة إلى الحفاظ على المواقع التاريخية والأثرية، وعمل مستشارًا للعديد من المبادرات المتعلقة بإعادة إعمار المباني المهدمة، والمتضررة من انفجار مرفأ بيروت في أغسطس  2020.

 دخل «مكاري» وزارة الإعلام اللبنانية بروح الفنان والمعماري العاشق لتراث بلاده، وعمل على إعادة ترتيب البيت الإعلامي وترميم أعمدته، ومدَّ جسورًا بينه وبين الشعب اللبناني والشعب العربي كله، لإحياء الصورة الذهنية التاريخية والساحرة للبنان فى أذهان العرب والعالم..

«أكتوبر» التقت وزير الإعلام اللبناني فى أول إطلالة له عبر الإعلام المصري متحدثًا عن تفاصيل مشروعه داخل الوزارة، وكيف يواجه التحدي الكبير بروح المسئولية والواجب الوطني؟!

بيروت – إيهاب القسطاوى

 

  ألا ترى أن توليكم «حقيبة الإعلام» فى بلد لا يزال يعاني من ويلات الانقسامات السياسية «عمل محفوف بالمخاطر والتحديات»؟!

أولاً أشكركم على الاستضافة عبر صحيفتكم «مجلة أكتوبر»، خاصة أنها إطلالتي الإعلامية الأولى فى مصر، وأقول إن تولي المسئولية الوطنية نوع من أنواع الواجب الوطني خصوصًا وسط الأزمات والمخاطر، لذلك على العكس تمامًا أرى بأن التخاذل والتخلف فى هذا الظرف العصيب الذي يمر به لبنان، يرتقي إلى حد التقصير فى أداء الواجب تجاه وطننا الحبيب الذي يمر بتعقيدات كثيرة، لذلك ينبغي التحلي بالمسئولية والإقدام نحو «لم الشمل»، وتجاوز الانقسامات على أنواعها كونها ستجر الويلات على لبنان.

ولا يمكن لأي مسئول لبناني أن يسأل عن المخاطر فى ظل هذا الظرف، لذلك وفى ظل الواقع المأزوم أشعر بضرورة مواجهة التحديات وحل الصعاب التي تعترضنا حتى الوصول إلى درب التعافى السياسي والاقتصادي وعودة لبنان إلى عصر الازدهار والانفتاح.

إرث عظيم

 ماذا عن أهم الملامح التي أنتجتها خلال الأيام الماضية لبلورة منظومة الإعلام فى لبنان وما أهم التحديات التي تواجهكم فى هذا الصدد؟!

منذ اليوم الأول لوصولي إلى مبنى وزارة الإعلام، وضعت هدفًا رئيسيًا فحواه المحافظة على الإرث العظيم الذي تركه الإعلام اللبناني والبصمة الإبداعية، وأيضا التأكيد على الثوابت الأساسية بصون حرية التعبير وحماية الصحافة والصحفيين، والحمد لله تكللت هذه الجهود بالنجاح إلى حد ما فى ظل الانسجام والتعاون بين أسس الإعلام اللبناني الموزعة بين الوزارة ونقابتي الصحافة والمحررين والجسم الإعلامي.

نحن اللبنانيين، لدينا شغف الإعلام بالفطرة وقد وجدت نفسي أمام عملية ترتيب وتنظيم الإعلام اللبناني دون المس بالأسس البديهية لخاصية الحرية المسئولة أثناء أداء الرسالة الإعلامية، وبُناء عليه نحن بصدد مناقشة قانون عصري للإعلام اللبناني داخل المجلس النيابي، وقد عقدت سلسلة اجتماعات وجرت النقاشات خلالها ناحية تنظيم قطاع المواقع الإلكترونية من أجل صونها وتحصين عملها بالدرجة الأولى،  وهى عملية لا نهدف منها فرض الرقابة بل نسعى إلى التنظيم وتصويب الأداء الإعلامي بما يتناسب مع الرسالة السامية.

 كما أنني أسعى فى هذا المجال، إلى أن أعيد التألق لوجه الإعلام اللبناني على مساحة الوطن العربي والعالم، وأرغب أن تتحول أزمة لبنان العميقة إلى فرصة كي يكرّس الإعلام اللبناني صدارته المعهودة، لبنان من دون الإعلام يفقد مزاياه الحضارية، الإعلام دون الحرية يفقد رسالته وعلينا التكامل فى هذا المجال.

الإعلام والطائفية

 «يكفى البلد طائفية» كان تصريحًا شهيرًا لكم.. وانطلاقًا من مرتكز  أن مواجهة الطائفية هي بالأساس مواجهة فكرية وإعلامية كيف ترون دور الإعلام والفكر بوصفه «القوى الناعمة» فى مواجهة الطائفية وما مدى رهانكم على قدرته فى دحرها؟!

أقول أكثر من ذلك، الإعلام إلى جانب عوامل مساعدة أخرى يستطيع مواجهة «مرض» الطائفية الذي بات يهدد فكرة الوطن الحضاري والمتنوع فى هذا الشرق، الإعلام اللبناني منارة حقيقية منبثقة من مجتمع حيوي، لا يمكن أن يغرق فى وحول الغرائز الطائفية والمذهبية القذرة، شعاري «يكفى البلد طائفية» كانت صرخة أطلقتها من القلب لتجنيب لبنان ويلات الشر بعدما خرجنا من حرب أهلية شرسة عبر «اتفاق الطائف»، ولا ينبغي الوقوع فى الحفرة مرة أخرى ونعيد الكرَّة بعدما شهدنا الاقتتال الذي دفعنا أثمانًا باهظة من أرواحنا.

وينبغي ألا تشهد الأجيال المقبلة ما سبق ووقع فى لبنان من حروب أهلية وجولات عنف من خلال إطلاق الحوار الدائم مع الزملاء الصحفيين، نسعى من خلاله لفتح نقاش موضوعي حول طرق تخفيف أجواء الاحتقان السياسي والطائفى فى الخطاب السياسي، وهذا لا يتم بسهولة لكنني مسرور من تجاوب معظم الصحفيين اللبنانيين والذين يبرزون حرصًا استثنائيًا على السلم الأهلي والاستقرار.

الإعلام العربي

 كيف تطالعون برؤيتكم الخاصة المشهد الإعلامي العربي بشكل عام واللبناني بشكل خاص؟!

ثمة مقولة قديمة تفيد «القاهرة تكتب وبيروت تطيع وبغداد يقرأ» وكانت رائجة عن دور تكاملي مفترض فى العالم العربي، نحن شعوب تجمعنا أواصر الحضارة الواحدة واللغة العربية الأصيلة.

والرؤية الأساسية تكمن فى تشبيك الطاقات بين شعوبنا ودولنا، فميزة كل دولة تشكل منطلقًا لتكامل إعلامي حقيقي، وأنا من موقعي الوزاري أبدي كل التجاوب والحماسة للتعاون مع كل الأشقاء العرب، خصوصًا أن الإعلام يشهد تطورًا تقنيًا مذهلاً ينبغي مواكبته وتقديم صورة عصرية عن إعلام عربي متطور.

وتكمن أهمية هذا «التكامل» فى الأداء الإعلامي العربي بتعميم فوائده على جميع المجتمعات العربية، وفى الانتشار الحضاري فى أرجاء العالم نادرًا ما يخلو شارع بالعالم من لسان ينطق باللغة العربية وعلينا الحفاظ على هويتنا فى خلال التفاعل الحقيقي عبر الإعلام.

أم الدنيا

 ماذا تمثل مصر لزياد المكاري كمواطن لبناني أولاً ووزير الإعلام ثانيًا؟!

مصر «أم الدنيا»، هي الحاضنة لجميع الشعوب العربية ولها فى القلب والوجدان كل المحبة والاحترام والتقدير، لا يمكن لمواطن لبناني إلا أن يشعر بدفء العلاقة مع مصر الأصيلة منذ مهد البشرية وحتى اليوم، وانطلاقًا من اختصاصي فى الهندسة المعمارية فإنها مصدر إلهام لهوية معمارية مبدعة للغاية، مصر ساحرة جدًا وهي إلهام لكل المبدعين فى العالم، وشعبها عظيم ويتمتع بقيم إنسانية نبيلة.

أما كوني وزير الإعلام فإنني مسرور للغاية من التعاون والتنسيق مع الجانب المصري فى شتى المجالات، وأرغب فى تطوير أطر العمل وعقد اتفاقيات مع مؤسسات الإعلام الرسمي وتبادل الخبرات بين بلدينا.

إن الإنجازات العظيمة التي حققتها مصر مؤخرًا عبر تخطيط ورؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي رائدة ما يدفع لبنان نحو التأثر بها ومحاولة تجاوز الصعاب التي يمر بها عبر رؤية مماثلة وتصميم وعزم وإرادة، وإنني أقول دائمًا إن الرئيس السيسي يحقق الإنجازات كونه «يحب بلده» وهذا ما يثير الإعجاب، أما النهضة التي تشهدها مصر حاليًا، فهي بارقة أمل للبنان واللبنانيين، ونتمنى تطوير العلاقات فى شتى المجالات.

تعاون مشترك

 هل تشهد الأيام المقبلة تعاونًا إعلاميًا مع مصر؟!

بالطبع، نحن على تنسيق دائم مع الجانب المصري من خلال سفارة بيروت، وإنني أنوه شخصيًا بدور السفير الصديق الذي أضحى من أهل البيت، والتعاون مع مصر نعول عليه كثيرًا، خصوصًا فى ميادين تطوير الاتفاقات مع مؤسسات الإعلام المصري من وكالة أنباء وتليفزيون وإذاعة، فالنهضة الإعلامية المشتركة تحقق غايات كثيرة وتنعكس على جوانب اقتصادية وثقافية واجتماعية وينبغي تعزيزها.

تغيير المجتمع

 هل ترون أن الإعلام لا يزال له دور فى تغيير المجتمع؟!

هذا أمر أساسي وضروري، دور الإعلام هو بث الوعي بين صفوف المجتمع وتقدمه نحو الأفضل، وعملية التطوير والتغيير ينبغي أن تكون نابعة من صلب المجتمع، دون ذلك لا يمكن الارتقاء بلبنان وصورته وعودته إلى الصورة الذهبية المحفورة فى مخيلة كل من شهد نهضة لبنان وتميزه.

ودور الإعلام أساسي، ونعوّل عليه فى إطلاق حوار وطني شامل خصوصًا بعد ما عصفت بلبنان أزمة شديدة ولا نزال نحصد تداعياتها وانعكاساتها على كل الأصعدة.

مطالب محقة

 أليس بغريب أن يتبنى وزير الإعلام إضراب موظفى الإعلام؟!

أين الغرابة، معاناتهم جزء من معاناتي وأنا أستاذ جامعي فى الجامعة اللبنانية وجميعنا فى مركب واحدة، والقضية ليست أن مطالبهم محقة بقدر ما هي الشعور بالمسئولية المشتركة، أقول أكثر من ذلك، يستحق موظفو وزارة الإعلام واقعًا وظيفيًا أفضل والثناء على جهودهم نتيجة التضحيات التي بذلوها دفاعا عن مؤسسات الإعلام الرسمي من وكالة وطنية وإذاعة لبنانية وتليفزيون لبنان.

هم يعملون فى ظروف قاسية جدًا كي تبقى الوكالة الوطنية للإعلام المصدر الأول للخبر الموضوعي والصحيح فى لبنان، وكي تستمر إذاعة لبنان بأداء رسالتها الإعلامية، وكذلك أن يعتمد تليفزيون لبنان بكونه التليفزيون الأول الذي جرى إطلاقه فى أرجاء العالم العربي، ليس بغريب مطلقًا أن أبادر كشخص مسئول ومتحسس المعاناة وأقدم على تبني المطالب، بل سأتابع كل المطالب وتحصيلها مع الجهات المعنية.

صحافة حرة

 ماذا عن واقع حرية الصحافة فى لبنان ودوره فى هذه المرحلة من تاريخ لبنان؟!

سبق وتطرقت أثناء الحوار بأن الواقع فى لبنان مأساوي لكن لا ينبغي الاستسلام لهذا الواقع أبدًا، وخلال جولاتي على المؤسسات الإعلامية والمحطات التليفزيونية لمست الإصرار على مواكبة التقنيات الحديثة وهذا ما يعطي بارقة أمل، ونحن عقدنا التصميم على تقديم رؤية إعلامية شاملة.

وصحافة لبنان لا يمكن أن تكون إلا حرة، وحرية التعبير مصانة وسبق واتخذتها شعارًا منذ اليوم الأول فى وزارة الإعلام، عندي مليء الثقة بأن لبنان سيتجاوز بالنهاية الظروف الصعبة وسينهض من جديد، وللإعلام دور أساسي فى عملية التعافى والنهضة المنتظرة.

 ماذا عن رقمنة أرشيف تليفزيون لبنان ووزارة الإعلام؟!

هي من أبرز المشاريع التي راودتني فور تعييني وزيرًا للإعلام، أرشيف تليفزيون لبنان يعني الذاكرة التي ينبغي حفظها، الصورة الزاهية التي لطالما سحرت العرب كانت الدافع الأساسي وراء الجهود الحثيثة من أجل الرقمنة الشاملة.

المشروع الذي يمتد لسنتين يقوم بالإشراف عليه المعهد الوطني الفرنسي السمعي والبصري INA، ويهدف إلى حفظ ورقمنة وأرشفة الإذاعة اللبنانية وتليفزيون لبنان وكذلك دراسات ومنشورات وزارة الإعلام