30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

المواطن هو البطل

56

ذكر ابن خلدون في كتابه «كتاب منتهى العبر» أن أحد ملوك المغرب سأل بعض العلماء ممن حج عن مصر.
فقال له: أقول لك فيها قولًا وأختصر: من المعلوم أن دائرة الخيال أوسع من دائرة الحسّ، فغالب ما يتخيله الإنسان قبل رؤيته إذا رآه وجده دونما يتخيل، ومصر بخلاف ذلك، كل ما تخيلتَ فيها، فإذا دخلتها وجدتها أكثر من ذلك.
وقال عنها ابن بطوطة: «وصلت إلى مصر وهي أم البلاد، وقرارة فرعون ذي الأوتاد، ذات الأقاليم العريضة، والبلاد الأريضة، المتباهية في كثرة العمارة، المتناهية بالحسن والنضارة، مجمع الوارد والصادر، ومحط رحل الضعيف والقادر».
وقال هيرودوت إن الحضارة المصرية كان لها عظيم الأثر على الحضارة اليونانية، لقد جاءتْ أسماء الآلهة كلها تقريبًا من مصر إلى بلاد اليونان، فأبولو هو حورس وديمتر هي إيزيس.

لقد كانت مصر وما تزال «هبة شعبها»؛ فهو صانع نهضتها وحضارتها، ومقدمها على الأمم، لا يلبث أن يستكين فيظن البعض أنه قد أصابه الخمول، حتى ينتفض قويًا كالمارد، يصنع عهدًا ومستقبلاً يبهر به كل من ظن أن ذلك الشعب لن يستيقظ.
صنع حضارة عريقة على مدى 6000 عام قبل الميلاد؛ وكان هو البطل.
واصل المسير بعد الميلاد، فلم يكن النهر صانع الحضارة.. فقد عبر عدد من الدول ولم يصنع ما صُنِعَ فى مصر.
فلا الماء يصنع العمارة منفردًا ولا الأرض تبنى المجد وحدها، ولكنه الإنسان الذى يبنى ويصنع المجد إذا ما توافرت له المقومات، فوضع الخطط لمواجهة التحديات والصعاب ليصنع غدًا أفضل.
(1)
فى نهاية إبريل الماضى قال الرئيس عبد الفتاح السيسى: «نهضة الدول تبنيها الشعوب من خلال العمل الدؤوب، ولا بد أن نعمل بجد وإتقان».
خلال النصف الأول من شهر ديسمبر عام 2018 وجه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبى، حديثه لرواد التواصل الاجتماعى العرب قائلًا: «أمجاد الشعوب تُبنى بالتفاؤل والأمل والنظرة الإيجابية للمستقبل المدعومة بالتخطيط والعمل الجاد لبلوغ الأهداف.. وعليكم مسئولية كبيرة تجاه مجتمعاتكم وتبنى ما يهم الناس ويمس حياتهم اليومية».
خلال السنوات الثمانى الماضية وعقب ثورة 2011 كان الرهان على الفوضى، فى ظل عمليات الضغط الخارجى وزيادة حجم التهديدات والتحديات، فخلال أيام الثورة توقف الإنتاج وتزايدت المطالب وحُمِلتْ الخزانة العامة بما لا تستطيع مواجهته، حتى كادت الدولة المصرية تعلن إفلاسها (وهو الهدف الذى كانت تسعى إليه قوى الشر للانقضاض على الدولة) إلا أن الشعب سرعان ما أدرك حجم ما يُخطَّط لتدمير دولته.
كُشِفت أطراف المؤامرة، وكُشِفَ معها جزء من تفاصيل المعركة التى كانت تدور رحاها فى المنطقة، وكانت عملية القبض على الجاسوس الإسرائيلى إيلان جرابيل رسالة واضحة أن الدولة المصرية مستيقظة والشعب لن يسقط فى مخطط الفوضى الخلاقة (Creative Chaos) الذى صرحت به وزير الخارجية الأمريكية «كوندليزا رايس» خلال حوار لها نشرته واشنطن بوست فى إبريل عام 2005 وقالت إن الفوضى الخلاقة ستستهدف منطقة الشرق الأوسط.
كان الرهان على الشعب المصرى ووعيه هو الرابح ومن راهن على غير ذلك خسر المعركة.
(2)
تم الدفع بفصيل الإخوان ليتصدر المشهد من جانب بعض القوى السياسية التى كان البعض منها يظن أنه حال تصدر الجماعة سيكون له نصيب من الكعكة، ولكنه عاد بخفى حنين، فالجماعة لا تؤمن بالمشاركة أو تقاسم السلطة.
ظل الرهان على الفوضى لمدة عام ونصف العام كانت عناصر التنظيم الإرهابى وبعض القوى السياسية ورؤساء الأحزاب الموالين للتنظيم والتى كانت تزعم أنها تتكلم بلسان الشعب دون أن تدرك أن الشعب يراقب المشهد من بعيد وينتظر الوقت المناسب للتدخل.
فى بداية مايو 2012 حاول التنظيم الإرهابى إحداث شرخ فى العلاقة بين الجيش والشعب، وواصل عملياته الاستفزازية، وإشعال التظاهرات فى كل مكان، وعمل المجلس العسكرى على مواجهة الأزمة بهدوء وحكمة للحفاظ على الدولة، وأذكر أننا كنا نتابع لقاء القوى السياسية ورؤساء الأحزاب بالمجلس العسكرى، حيث يعقد مؤتمرًا صحفيًا عقب اللقاء للتعرف على ما تم التوصل إليه وفى كل مرة كان الحديث يخرج بأن القوى السياسية طالبت بالمزيد من الوقت للتباحث.
لكنهم فى الحقيقة كانوا يراهنون على عدم تحمل الشعب فيهب مرة أخرى للصدام هذه المرة مع الجيش.
كان حزب الحرية والعدالة المنحل (الذراع السياسى للتنظيم الإرهابى) عندما يجد انفراجه للأزمة يختلق أزمة أخرى بامتناعه عن الحضور للاجتماع ويحرك كافة أدواته الإعلامية فى ذلك الاتجاه.
أضاع المجلس العسكرى الفرصة على التنظيم الإرهابى لأنه كان يراهن على وعى الشعب وأُجريت الانتخابات الرئاسية، وسرعان ما تكشفت كل خيوط المؤامرة التى يشارك فيها التنظيم ضد مصر.
(3)
عقب إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وما بها من تفاصيل كثيرة سوف يأتى اليوم الذى نذكرها بالوثائق، بدأت الكتلة الصلبة (حزب الكنبة) من الشعب المصرى مراقبة الموقف بدقة أكثر وسرعان ما أدرك أن دولته (مصر) تسير فى اتجاه نفق مظلم يصعب استردادها منه إذا تأخر الأمر فى ظل تردى الأوضاع، فكان التحرك الفورى لتلك الكتلة لاستعادة الوطن.
استرد الشعب المصرى وطنه فى 3 يوليو 2013 وأسقط حكم المرشد إلى غير رجعة، وكان لا بد من وقفة خاصة بعد تعرض الاقتصاد المصرى لانهيار كبير، وهروب رؤوس الأموال ومواصلة قوى الظلام تحركاتها لتدمير الدولة ظنًا منها أن المصريين سرعان ما يستسلمون لتهديداتهم.
لكن الرهان على المصريين من جانب قوى الشر كان رهانًا خاسرًا، لأن الوعى لديهم (المصريون) جعلهم لا يعبئون بتهديدات الإرهاب، فقدموا أبناءهم للانضمام إلى صفوف القوات المسلحة والشرطة، بأعداد فاقت أعداد المتقدمين خلال السنوات التى سبقت الثورة.
كان وعى المصريين بخطورة ما يُحاك لدولتهم حجر الزاوية فى مواجهة قوى الظلام.
وفى عام 2014 وخلال الحملة الانتخابية للرئيس السيسى الذى ناداه الشعب لتولى المسئولية وقيادة سفينة الوطن، تحدث إلى الشعب مصارحًا إياه بالموقف الذى تواجهه مصر والتحديات والتهديدات التى بات على الجميع الوقوف صفًا واحدًا لمواجهتها، وكان رهانه على الشعب رابحًا.
وما أن اضطلع الرئيس بمسئولياته حتى أطلق أول مشروع قومى للدولة المصرية فى ظل ظروف عصيبة اقتصاديًا بعد طلب قطر استرداد الوديعة التى قدمتها لمصر خلال عهد الإخوان بمبلغ مليارى دولار.
رُدَّت أموال قطر إليها، وفى الوقت ذاته كانت طوابير المصريين فى البنوك لشراء شهادات قناة السويس أكبر دليل على أن الشعب المصرى هو البطل الحقيقى، فقدم الشعب خلال 8 أيام 64 مليار جنيه، ما يعادل 8 مليارات دولار خلال تلك الفترة؛ من أجل حفر قناة السويس الجديدة، لثقة المصريين فى قيادتهم.
وقبل انتهاء المشروع، الذى كان مخططًا له أن يتم خلال 3 سنوات وتم إنجازه فى عام واحد وكان العامل والمواطن المصرى هو البطل فيه فقد عمل فى المشروع أكثر من 25 ألف عامل وفنى ومهندس من شركات وطنية، تم البدء فى المشروع القومى للطرق لخلق بنية أساسية قادرة على توفير مناخ مناسب لجذب الاستثمار واستغلال الفرص الواعدة والموارد التى تمتلكها الدولة المصرية.
(4)
بالتوازى مع تلك المشروعات فى مجال الطرق والإسكان والبنية الأساسية، كان الإصلاح الاقتصادى لعلاج تشوهات كثيرة فى منظومة الدعم سواء دعم الطاقة او دعم المواد البترولية، ورغم صعوبة البرنامج الذى اتخذته الحكومة المصرية وتحركت فيه بخطوات دقيقة، وأبهرت نتائجه العالم؛ تحمل المواطن المصرى تبعات شرائح رفع الدعم عن المواد البترولية، والتى نحن بصدد الشريحة الأخيرة منها، ونجحت مصر فى تخطى المرحلة الصعبة فى برنامجها الاقتصادي، وكان سر نجاحها هو وعى وإدراك المواطن المصرى لأهمية البرنامج من أجل مستقبل أفضل، ولم تستطع محاولات تزييف الوعى أو حرب الشائعات أن تنال من وعى المصريين فكان الشعب المصرى حجر الزاوية فى منظومة الإصلاح الاقتصادى، الذى دائمًا ما يتحدث الرئيس خلال لقاءاته الخارجية عن بطولة المصريين وتحملهم المسئولية للانتقال بوطنهم نحو مستقبل أفضل.
واصل برنامج الإصلاح الاقتصادى تحركه، وتم تحرير سعر الصرف للقضاء على السوق الموازية التى تحركت خلالها وبقوة قوى الشر لاستهداف الاقتصاد المصرى، ومع تحرير سعر الصرف ارتفعت الأسعار وتحمل الشعب ما حدث واستطاع امتصاص الأزمة وتخطى تبعاتها فى ظل حزمة رعاية أطلقتها الحكومة لتخفيف تبعات برنامج الإصلاح، ونجح المصريون بصورة أذهلت العالم.
خطوات عديدة نجحت فيها الدولة خلال السنوات الست الماضية كان الشعب المصرى فيها هو البطل الحقيقى.
تضع الشريحة الأخيرة لرفع الدعم عن المحروقات نهاية الأزمة والخروج نحو غد أفضل بوصول الدعم إلى مستحقيه فى ظل تحرك الحكومة نحو رعاية محدودى الدخل.
تحية للشعب الذى حافظ على دولته وحال دون سقوطها فى مؤامرة الفوضى.
تحية للشعب المقاتل الذى استرد وطنه بعدما اختطفه التنظيم الإرهابى.
تحية لمن تحملوا أعباء أكبر برنامج إصلاح فحافظوا على وطنهم وواجهوا تبعات البرنامج بقوة وإصرار على استكمال مسيرة الوطن.
تحية للمواطن البطل الذى قدم أغلى ما يملك (أبنائه) للانضمام إلى صفوف القوات المسلحة والشرطة المدنية ليكونوا فى مقدمة الصفوف لمواجهة الإرهاب وحماية أمن الوطن واستقراره.