رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

طرائف برلمانية فى عصر الـ 50%

414

قبل أن يصاب مجتمع القرية بالشروخ بعد صدور قوانين الإصلاح الزراعى، كان يعيش بيننا عامل أو فلنقل فلاح اختار العمل فى مجال رش الطريق الزراعى الذى يربط القرية بمدينة الزقازيق بالماء.

كان العمل يسيرا ويضمن له مرتبا شهريا حتى ولو كان محدودا.

وكان يحمل الجردل فى الصباح ويبدأ فى ممارسة عمله فى المنطقة المخصصة له، بعدها يعود للجلوس على المقهى أو ممارسة أى عمل آخر يطلب منه أو يسعى إليه ومواسم العمل بالنسبة لهذه الشرائح معروفة «حصاد القمح، جمع القطن، وقبل ذلك جمع أوراق القطن المصابة «باللطع» أو دودة الطن أو نقل السماد البلدى (السباخ) إلى الحقول أو رى الأرض» وفقا للمناوبات المحددة.

أما بعد قيامه برش الطريق الزراعى بالماء فى فترة بعد الظهر، فإنه يجلس فى المقهى فى انتظار تجمع مجموعات تدخين الحشيش.

خلال هذه السنوات، لم تكن القرية قد عرفت الكهرباء أو محطات تنقية المياه، أى كانت تعيش فى الظلام إلا من أضواء الكلوبات التى تفضل المقاهى والمحلات استخدامها لضوئها القوى. ولم يكن هناك من وسائل للتسلية أو الترفيه سوى الجلوس على المقاهى ولعب النرد أو الدومينو، والأهم تدخين الحشيش كان ينتظره، لأنه يعلم أنه سيدخن مجانا مقابل شراء احتياجات المجموعة، أو إعداد «الجوزة» ومتابعة وضع الفحم المشتعل فوق حجرها بما عليه من معسل وحشيش.

وفى معظم الأحوال تتناول المجموعات الطعام معا، فيكون له نصيب كافٍ.

كان راضيا وسعيدًا أو فلنقل إنه كان يبدو كذلك للجميع وبعد أن سيطرت المجموعة اليوليوية كانت القوى الرئيسية بينها تدرك أن القوى السياسية الرئيسية بمصر ربما لن تعاديها، وكذلك أيضًا لن تؤيدها، فقرارات حل الأحزاب ومحاكمة من وراءهم من الفاسدين، وإلغاء الدستور، والانفراد بالقرار، واللجوء إلى أهل الثقة وإبعاد أهل الخبرة، كانت تثير عداء وغضب النخب المصرية، سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية.

وكانت الطبقة المتوسطة هى العمود الفقرى للقيم فى أى مجتمع، والضمان الحقيقى للاستقرار السياسى والاجتماعى، وهى الطبقة التى تعرف أهمية الحفاظ على الأسرة وتماسكها وتحرص على تعليم الأبناء، تحاول استكشاف موقفها من 23 يوليو، وتمارس تقييمًا متصلًا لما يصدر من قوانين أو قرارات.

وعندما صدرت قرارات تخفيض ايجارات المساكن، صفقوا طويلا وهكذا فعلوا بعد إقرار مجانية التعليم. وبعدما أدى تخفيض الإيجارات إلى موقف المستثمرين عن بناء العمارات، عرفت مصر أسوا أزمة إسكان، وأدت المجانية إلى انهيار التعليم تماما.

ولكن التضخم الذى ترتب على التوسع فى طبع البنكنوت وأعباء معارك 1956، 1967 والتورط العسكرى فى اليمن الذى أدى إلى إقدام الحاكم على بيع احتياطى الذهب المصرى لمواجهة أعباء هذه الحرب كان من أهم نتائجه انخفاض القوة الشرائية للجنيه، وتراجع مستويات المعيشة وعانت الطبقة المتوسطة كثيرا وطويلا.

ولجأت السلطة الحاكمة إلى الاعتماد على العمال والفلاحين واعتبرتهم سندها الحقيقى بعد خشيتها من موجات غضب القوى السياسية التقليدية ومحنة الطبقة الوسطى التى تضاعفت بعد الأخذ بسياسة تعيين كل الخريجين وموجة التأميم التى شملت كل شىء تقريبا، وتحول موظفو وعمال الشركات المؤممة إلى موظفى حكومة، وتحولت المؤسسات والمصالح الحكومية وشركات القطاع العام إلى جراجات مزدحمة بالموظفين والعمال وفى إطار هذه السياسة، تضمنت دساتير هذه المرحلة نصوصا تقضى باحقية العمال والفلاحين فى نسبة 50% على الأقل فى كل المجالس التمثيلية، ابتداء من البرلمان إلى الحكم المحلى.

وبقوة النص الدستورى وإرادة الحاكم صاحب القرار، تحول العمال والفلاحون بالمجلس النيابى إلى مشرعين (أى والله مشرعين) كما أصبحوا رقباء على أداء الحكومة. ولم يتساءل أحد كيف يراقب عامل أو حتى موظف فى الحكومة أداء رئيس الرؤساء، أى رئيس السلطة التنفيذية؟ وربما كان المطلوب ألا يكون هؤلاء رقباء من اساسه، ويكتفون بالمكافآت والحوافز وبدل حضور الجلسات حتى إذا غابوا عنها والسفريات، أو التملق على الوزراء للحصول على توقيعاتهم على طلبات استثنائية تعود عليهم بالمنافع الوفيرة وكانت نصيحة السلطة للوزراء وللمحافظين، استجيبوا لطلبات النواب.

وعندما بدأت الصورة تسوء خاصة بعد نقل التليفزيون لصور الأعضاء وهم يتحلقون حول الوزراء أثناء انعقاد الجلسات، وضيق عدد من الوزراء ورئيس المجلس النيابى تقرر تحديد موعد لقاء اسبوعى بمبنى الحزب بكورنيش النيل حتى يستريح الجميع، الوزراء ورئيسهم يوقعون فى معظم الأحوال أو فى كل الأحوال دون قراءة، والنواب يفوزون بكرم السلطة التنفيذية.

وبدون نسبة الـ 50%، ما كان للحياة أن تكتسب هذا الوجه من خفة الظل، وما كان ممكنًا للمؤرخ أن يعثر على كل هذه الحكايات اللطيفة التى تعكس البراءة والبساطة والتلقائية المحببة.

ومن هذه الحكايات التى نمت تحت سطح قبة البرلمان اشتراك عضو فى مناقشة كانت تدور حول قناة السويس، وكان المعنيون يناقشون ما يجب عمله لمنع انهيار الشاطئ الرملي للقناة حفاظًا على المجرى الملاحى من تراكم الرمال من جراء هذا الانهيار.

وتم عرض مشروع يتضمن إقامة ستائر على جانبى القناة لتحقيق هذا الهدف. وخلال العرض أشار القائمون إلى التكاليف المتوقعة وعندما بدأ هذا العضو فى المناقشة فوجئ الأعضاء به وهو يصرخ ويرغى ويزبد ويهاجم السفه فى الانفاق فى وقت يجب أن تلتزم مصرفيه بالتقشف، وتساءل لماذا يتم استخدام الستائر وهى تكلفة؟ وواصل قائلا أليس من الأوفر الاكتفاء بالشيش والشباك؟ وانفجر الحاضرون ضحكا. ولم يفهم صاحبنا لماذا يضحكون؟ لقد نصور أنه أجاد عرض وجهة نظره وأنه أثبت للجميع أنه حريص على المال العام الذى يعملون على تبديده باستخدام الستائر التى لاضرورة لها، طالما هناك شيش وشبابيك.

وأثناء مناقشة نقص اللحوم فى الأسواق وانغماس الجميع فى إبداء وجهات نظرهم، طلب من الفلاحين الكلمة، وعندما أعطيت له، قال بقوة ووضوح، إنهم فى الريف لا يجدون الذرة الصفراء ونحن هنا نناقش توفير اللحوم، إن على المجلس أن يهتم أولا بتوفير الذرة الصفراء لأهل الريف قبل أن يهتم باللحوم.

وكانت المفاجأة استقبال الرئيس له فى نفس اليوم، بعدها تم تعيينه أمينًا لأمانة الفلاحين.