مصر تنتصر

أنفاق بورسعيد..انتصار جديد في مواجهة التحديات

44

سيناء: محمد أمين

لأن المصريين لا يعرفون سوى لغة التحدي لبناء مستقبل وطنهم، فكان رهان دولة 30 يونيو على الشعب المصري الذي خرج خلال ثمانية أيام ليقدم لوطنه 63 مليار جنيه لإنشاء مشروعه القومي الكبير (حفر قناة السويس الجديدة وحزم الأنفاق الثلاثة) التي تعد شرايين تصل بين قلب الوطن وكل أجزائه ولكي تتحول تنمية سيناء من مجرد خطط تتناقلها الملفات إلى واقع حقيقى وينعم قدس أقداس مصر (سيناء) بالتنمية الحقيقية.
ومن المنطقة التي لم تدنسها أقدام العدو في 67 ببطولة الأبطال من القوات المسلحة الذين سطروا بالقرب منها في رأس العش وغيرها معارك مسجلة في سجل الشرف والفداء «أكتوبر» كانت شاهدا على التحدي العظيم الذي انتصر فيه المصريون على كل الصعاب بإرادة قوية وتخطيط محكم وإصرار على تحقيق المستحيل من أجل غد أفضل.

كما يبهر الشعب المصرى العالم منذ آلاف السنين، فعند علامة الكيلو 19.150 ترقيم قناة السويس، جنوب مدينة بورسعيد سطر الأبطال من المهندسين والفنيين والعاملين ملحمة جديدة فى تحدٍ قوى لطبيعة الأرض والزمن لحفر حزمة أنفاق بورسعيد أسفل قناة السويس، ليمتد شريان حياة جديد إلى سيناء ويصل لأكبر منطقة صناعية ولوجستية وسكنية فى محور قناة السويس، وتخدم تلك الأنفاق منطقة شرق بورسعيد وشمال سيناء وتربط بين رفح فى الشرق والسلوم فى الغرب.
جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى، رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة، بالعمل على دعم مناخ التنمية والاستثمار فى شبه جزيرة سيناء.. تلك البقعة الغالية من أرض مصر والتى تمتاز بموقع استراتيجى فريد، بالإضافة إلى كونها منطقة غنية بالعديد من الموارد الطبيعية المهمة.. وتكثر بها فرص الاستثمار فى مجالات الصناعة والزراعة التى تحتاج إلى النقل والخدمات اللوجستية، بالإضافة للمعاناة اليومية فى عبور قناة السويس.. الأمر الذى استلزم التفكير أولا بربط سيناء بأنحاء الدولة غربًا.. ومع زيادة حركة التنمية وكذا التجارة من وإلى سيناء واقتصار عملية النقل على معديات هيئة قناة السويس وكوبرى السلام ونفق الشهيد أحمد حمدى الذى تم إنشاؤه منذ أكثر من 36 سنة.. مما أدى إلى تكدس شديد عليها حيث تصل مسافة انتظار السيارات فى بعض الأحيان إلى 5 كم، بالإضافة إلى حركة التنمية الكبرى التى تشهدها منطقة قناة السويس مما يتطلب إنشاء محاور رئيسية لربط شرق القناة بغربها.
فكان قرار القيادة السياسية بإنشاء أنفاق السيارات أسفل قناة السويس بكل من شمال الإسماعيلية وجنوب بورسعيد لتكون شرايين حياة جديدة.. لتسهيل حركة النقل والتجارة من وإلى سيناء.. حيث ستختصر الأنفاق زمن عبور قناة السويس إلى 20 دقيقة فقط بدلا من الانتظار على المعديات لمدة قد تصل إلى 5 أيام فى أنفاق الإسماعيلية.
كانت البداية حيث أمر الرئيس بتنفيذ تلك الأنفاق بأموال وأيادى وسواعد المصريين؛ فتم تكليف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بالتعاون مع (4) شركات وطنية مصرية لتنفيذ كل الأعمال (بتروجيت وكونكورد بأنفاق شمال الإسماعيلية – المقاولون العرب وأوراسكوم بأنفاق جنوب بورسعيد).. كما أمر الرئيس بتدبير ماكينات حفر الأنفاق.. وبالفعل قامت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة بدراسة ومقارنة مواصفات جميع ماكينات حفر الأنفاق المستخدمة عالميا حتى وقع الاختيار على الشركة الألمانية (Herrenknechtc) هيرنكنتش.. وتم مفاوضة الشركة لتخفيض التكلفة بنسبة 25% وتم التعاقد مع الشركة على تصنيع وتوريد 4 ماكينات حفر أنفاق كاملة بالمعدات المساعدة (مصنعى الحلقات الخرسانية – مصنعى تسليح الحلقات الخرسانية – محطتى توليد الطاقة – محطتى فصل وتنقية البنتونيت – محطتى الهواء المضغوط – محطتى خلط مادة الحقن) وتدريب نحو 40 مهندسا بالإضافة لقيام الشركة بالمعاونة فى الإشراف على أعمال الحفر.
كانت مواصفات ماكينة الحفر TBM (الوزن: 2440 طنا؛ الطول الكلى :86 م؛ الطاقة المستخدمة: 7000 كيلو وات؛ تعمل تحت ضغط 7.5 بار. كما كانت المواصفات الفنية للأنفاق؛ القطر الداخلى للنفق 11.4م؛ القطر الخارجى للنفق 12.6م؛ الارتفاع الصافى داخل النفق 5.5 م؛ عدد الحارات المرورية بكل نفق 2 حارة كل بعرض 3.65 م؛ المسافة الفاصلة بين النفقين تتراوح من 17 – 30 م؛ سمك الجدار الخرسانى للنفق 60 سم؛ أقصى عمق للنفقين من سطح الأرض 70 م؛ تم تصميم مداخل ومخارج الأنفاق على انحدار 3.3%.
خدمة الأنفاق الثانية
تم الانتهاء من إنشاء مجموعة أنفاق شمال الإسماعيلية وافتتاحها واليوم قامت «أكتوبر» بزيارة موقع أنفاق جنوب بورسعيد التى تعد تحديًا كبيرًا لإنشاء مشروع بهذا الحجم؛ نظرا لطبيعة التربة هناك (تربة طينية لزجة، ترتفع فيها نسبة الملوحة ونسبة المياه الجوفية بالإضافة إلى أنها غير قادرة على تحمل وجود أحمال فوق سطح الأرض).
تحديات كثيرة كانت فى مواجهة المشروع الذى جاء اختيار موقعه وفق دراسات علمية دقيقة، بالإضافة إلى القيمة المضافة لموقع المشروع (بالقرب من المنطقة الاقتصادية لقناة السويس) جعل حفر أنفاق بورسعيد فى تلك المنطقة أكثر أهمية لتقليل زمن نقل البضائع والمنتجات ولخدمة المحور اللوجستى الخاص بتنمية شرق بورسعيد وشرق التفريعة والمنطقة الصناعية الجديدة لربط المحاور.
مجموعة أنفاق جنوب بورسعيد
تم التعاقد مع تحالف شركتى (أوراسكوم – المقاولون العرب) للتنفيذ.. يتكون المشروع من نفقى سيارات (كل نفق يخدم اتجاه مرورى واحد – حارتين) ووفق تصميم إسبانى واستشارى فرنسى، وبماكينات ألمانية وبسواعد المصريين وأموالهم كان الإعجاز، فى ظل ظروف وتحديات صعبة كانت الطبيعة قد صنعتها؛ لكن المصريين بعزيمتهم وإرادتهم قهروها وصنعوا معجزة حقيقية.. تم التعاقد مع شركات عالمية لتقديم الاستشارات الفنية لتحقيق قيمة مضافة للمشروع.
بدأ العمل الجاد والمتواصل فى التخطيط والتنفيذ فى توقيت متزامن لإنجاز العمل والتغلب على كل المصاعب.
قبل 3 سنوات كنت فى زيارة لأرض المشروع التى لم تكن سوى منطقة «سبخات» لا تستطيع أى سيارة خفيفة التحرك عليها، وكذا الأفراد. أما اليوم فالوضع مختلف تماما منطقة تعج بالحياة، ماكينات ومعدات البناء فى كل مكان، العمال والفنيون والمهندسون، فى كل مواقع العمل.
حياة ولدت من رحم التحدى.
عرض علينا شاب (المشرف على المشروع) يقترب من نهاية العقد الثالث من العمر، تفاصيل المشروع، وقف أمام عدد من الإعلاميين الذين زاروا الموقع، يكشف كل تفاصيل الإعجاز الذى تحقق متحديا للزمن وطبيعة الأرض.
يبلغ إجمالى طول النفق الواحد 4 كم تم حفر 3 كم باستخدام ماكينات الحفر TBM – 1060م باستخدام الحفر المكشوف بمعدات عادية.
تم ربط النفقين بـ 2 ممر عرضى من طول النفق والتى تستخدم فى عمليات إخلاء الأفراد فى حالات الطوارئ ووصول سيارات الإسعاف والحريق حال حدوث طارئ، تم تجميد التربة فى منطقة حفر الممرات العرضية نظرا لأن التربة على هذا العمق تكون بها نسبة مياه كبيرة، لكى تتم عملية الحفر وتركيب الحلقات وكان هذا أحد التحديات فى مواجهة المشروع نظرا لطبيعة التربة – المسافة بين النفقين من 17 – 30 مترًا، بالإضافة إلى الضغط العالى للمياه على هذا العمق 47 مترا تحت مستوى سطح البحر وصلنا لدرجة تجميد 24 تحت الصفر خلال 3 شهور). كما تم إنشاء مصنع إنتاج الحلقات الخرسانية على مساحة 10000م 2.. بطاقة إنتاجية قصوى 15 حلقة / يوم.. منطقة لتخزين المنتج على مساحة 20310م2 تكفى لتخزين 700 حلقة خرسانية.
تتكون الحلقة الخرسانية الواحدة من (9 قطع Segments) بإجمالى كمية 45م3 خرسانة و4.5 طن حديد (بإجمالى وزن الحلقة 112 طنا) طبقا للمواصفات القياسية والمعايير الدولية.
تم فى البداية عملية تحسين للتربة على مدى 10 شهور حتى بدأت عملية الحفر؛ وتم إنشاء أكبر تجمع للحوائط اللوحية حتى تمنع أى انهيار للتربة فى موقع العمل.
تم عمل 5 بيارات على عمق 53 مترا لتركيب ماكينة الحفر، وتم عمل حوائط لوحية لفصل التربة عن مكان الحفر.
أكبر تجمع للمعدات
أكبر تجمع للمعدات اللوحية لم يحدث من قبل، حتى يتم الالتزام بتسليم المشروع وفق المواعيد المقررة.
وتم تجميع ماكينتى الحفر فى شهرين ونصف الشهر وجاءت عملية بداية الحفر من الشرق وليست من الغرب وبوجود 4 آلاف عامل تم إنشاء محطات للطاقة خاصة بالمشروع وخزانات للمياه، محطات فصل، ومحطات خرسانة، ومحطات حقن للمياه وأخرى لضغط الهواء.
وبعد أن انتصر العاملون بالمشروع فى مواجهة تحدى نوع التربة كان التحدى الجديد هو العمق أسفل القناة حيث ينخفض النفق بعمق 46 مترا تحت مستوى سطح البحر وأسفل القناة بعمق 18 مترًا.
يبلغ الارتفاع الصافى للنفق 5.5 متر حيث يبلغ الكود العالمى للكونتينر هو 4.6 متر.
التحدى الآخر كان عملية بدء الحفر من الشرق وعملية نقل المعدات فى ظل وجود معديات بحمولات ثابتة وأيضًا العبور فى قناة السويس واستطاع الأبطال فى المشروع الانتصار على هذا التحدى.. (لم يتم البدء من الغرب نظرًا لوجود أراض كانت تحتاج إلى وقت لنزع ملكيتها وأراض زراعية).
كان المجهود صعب جدًا على الشركات المصرية العاملة والعاملين سواء فى التوقيت أو العمل فى مثل هذه التربة ذات الخواص الصعبة، ولكن الشركات انتصرت فى التحدى والإنجاز.
تم استغلال الجزء الموجود أسفل الطريق داخل النفق ليصبح ممر هروب للأفراد فى حالة حدوث أى حادث لا قدر الله (حريق) فهناك سلم كل 250 مترًا يصل من سطح الطريق النفقى الى أسفل سطح الطريق ليمر الأفراد فى منطقة آمنة تمامًا (ممر الهروب)، وتوجد علامات إرشادية للتوجيه.. ومزود بكل وسائل الأمان وسهولة الحركة.
وصلنا إلى رقم قياسى عالمى وصلنا إلى تركيب 17 حلقة فى اليوم بهذه الماكينات، وقد استفدت مصر خبرة كبيرة فى هذا المجال، حيث يتم إنشاء نفق السويس حاليًا بأيدٍ مصرية 100% كما أن مصر أصبح لديها 4 شركات وطنية تعمل فى مجال إنشاء الأنفاق وتدخل المناقصات العالمية وهو الأمر الذى كان وراء شراء مصر لهذه الماكينات (ماكينات حفر الأنفاق العملاقة)، وقريبًا ستنفذ الشركات المصرية مشروع خط مترو أنفاق كامل.
تمتلك مجموعة أنفاق بورسعيد أنظمة كافية جدًا لتامين النفق طبقًا للمواصفات القياسية العالمية بل هناك إجراءات أمان فى هذه الأنفاق لا توجد سوى فى 4 أنفاق على مستوى العالم؛ تم توصيل الكهرباء للمشروع من 4 مصادر بالإضافة إلى المولدات الاحتياطية .
أما الإضاءة فقد تم عمل الإضاءة فى النفق بشكل يحافظ على انتظام الرؤية عند الدخول إلى جسم النفق، حيث ترتفع درجة الإضاءة فى البداية لتتوازن مع ضوء الشمس بالخارج ثم تقل تدريجيا، للحفاظ على مستوى الرؤية، بالإضافة إلى عملية التهوية التى تصل إلى أعلى مستوى.
يستطيع النفق تحمل مرور 2000 سيارة فى الساعة فى الاتجاه الواحد، بالإضافة الى أنظمة التحكم الذكية داخل النفق فى الإشارات، والكاميرات الخاصة بالمراقبة، بالإضافة إلى موجة راديو بطول النفق لكى يستطيع قائدو السيارات الاستماع إلى أى تعليمات حال عبورهم بالنفق من قبل الإدارة المسئولة عن تشغيل النفق، بالإضافة إلى الإذاعة الخاصة بالنفق هناك شبكة صوتية بطول النفق للإرشاد والتوجيه لمستخدمى النفق.
أنظمة التأمين
يعتبر أنظمة الأمان داخل أنفاق بورسعيد من الأنظمة العالمية، ومنها أنظمة إطفاء الحريق التى لا توجد سوى فى 4 أنفاق على مستوى العالم وهو نظام الستائر المائية لعزل اى منطقة حريق تمامًا عن باقى النفق وتسهيل عملية الإطفاء، وقد تم عمل اختبار fire Test على الحلقات الخرسانية فى فرنسا ونجح الاختبار وذلك لضمان أعلى درجات الأمان وتحمل لجسم النفق لحريق قد يصل الى ساعتين.
كل غرف الكهرباء والصرف لها نظام إطفاء خاص بها، بالإضافة إلى خزان كاف لإطفاء حريق يستمر 2 ساعة كاملة.
بدء حفر لجسم النفق فى ديسمبر 2016 وانتهت فى ديسمبر 2017 وبعد ذلك تم العمل فى الطريق الممرات العرضية، والأنظمة المختلفة الخاصة بالتأمين، بالإضافة إلى وجود 10 أجهزة X RAY خاصة بالسيارات، تستطيع السيارات العبور من الشرق إلى الغرب أو العكس فى 15 دقيقة، ويتحمل جسم النفق ضغطا يصل الى 7.5 بار.
ونظرًا لأن العالم يؤمن بوجود التحالفات الكبرى كانت التحالفات داخل المشروع لتكون بداية جديدة حيث تعمل تلك التحالفات فى مشروع مصرف بحر البقر ومشروع القطار السريع ومشروع مترو الأنفاق.
مواصفات عالمية
خلال مراحل تصنيع الحلقات الخرسانية يتم تحديد نوع الحديد وفق المواصفات الدولية وتشكيله داخل المصنع الخاص بالحوائط اللوحية وكذلك الخلطة الخرسانية، وتحديد الوزن والمواصفات طبقًا لنظام مراقبة جودة عالى الدقة يطبق الكود العالمى فى هذا المجال. كما تم إقامة محطة للأرصاد الجوية بالإضافة إلى عملية استغلال لمياه الأمطار فى رى الحدائق الموجودة على جانى مدخل النفق.
ويستمر العمل ويتواصل الإنجاز لسرعة الانتهاء من انفاق قناة السويس كشرايين حياة لسيناء المستقبل.