ولكن السيد إسماعيل فهمى هو الذى اقترح أن يكون اسمها «أكتوبر» فقط. وحاول آخرون أن يتمسكوا بالاسم التاريخى .. ولكن أيدت الاسم الواحد: أكتوبر .. الذى استمد دلالته من انتصارات الجيش المصرى، ومصر والعرب، فى حرب أكتوبر العظيمة. وقد حرصت المجلة على أن تكون جديرة بهذا الاسم. فنشرنا كثيرا من المعارك الشهيرة فى التاريخ، ونشرنا مذكرات قادة الحروب الكبار: روميل ومونتجمرى وأيزنهاور، ونشرنا مذكرات قادة إسرائيل: فايتسمان وديان .. ونشرنا مذكرات عن الحرب العالمية الثانية.
فقد كنا حريصين على أن تكون مجلة يقرؤها العسكريون، وفى نفس الوقت لا يهرب منها المدنيون … وأفلحنا فى شهور قليلة جدا أن تكون ضرورة حيوية وثقافية لمئات الألوف من مصر وفى العالم العربى ، وأن تكون منذ عددها الأول أكثر المجلات العربية انتشارا … وأكثرها شهرة فى العالم كله. والفضل فى ذلك يرجع إلى الأحاديث والمذكرات السياسية التى خصنا بها الرئيس السادات ….
وقد استهل الزعيم الراحل العدد الأول من هذه المجلة بمذكراته عن العلاقات المصرية السوفيتية. وتوجه بهذه المذكرات إلى الشباب. يريد أن يعرفهم حقيقة ما حدث بين مصر وروسيا ، حتى لا يقع أحد فيما وقعت فيه مصر. وحتى ينقل إليهم الحقيقة التاريخية، فهم أحد صانعى التاريخ …
وكانت مقالتى الأولى فى العدد الأول عن الشباب ..
وكان آخر حديثين أدلى بهما الزعيم الراحل عن (الشباب) ، وكان موعدى معه فى (وادى الراحة) فى اليوم التالى للعرض العسكرى لتكمل أحاديثه عن الشباب أيضا؟!
وظل الرئيس يوالى مذكراته عن العلاقات المصرية السوفيتية.
وبعد أن فرغ منها كتب مذكرات بعنوان «أوراق من مذكرات الرئيس السادات»، وهى موجهة أيضا إلى الشباب …
وبعد ذلك انفردت مجلة أكتوبر بعشرين حديثا مع الرئيس السادات.
وكانت هى المجلة الوحيدة فى العالم التى تنشر أحاديث لرئيس الدولة يعلق فيها على كل الأحداث فى حينها، أسبوعاً بعد أسبوع.. ولذلك كانت أسلاك التليفونات والتلغرافات تتوقف يوم الجمعة ليلا انتظارا لما سوف يقوله الرئيس فى هذه المجلة …
وقد أدى واحد من أحاديثها إلى تعطيل الوفد المسافر من القاهرة إلى القدس.. وإلى اجتماع مجلس الأمن القومى الأمريكي. أما السبب فهو أن الرئيس قد أعلن فى حديثه معى: أنه لا أمل عنده فى أن تعلن إسرائيل عن مبادئ جديدة.
وفى مرة انقلبت الدنيا فى إسرائيل وفى غيرها بسبب كلمة جاءت فى حديث لى مع الرئيس. فقد كانت الصحف اليومية تنشر أحاديثى فى نفس الوقت. وكان الهدف من ذلك هو الدعاية لمجلة أكتوبر. وقد نشر الأهرام خطأ مطبعيا. فالرئيس فى حديثه قال لإسرائيل: إنهم إذا رحلوا عن مطارات سيناء فلا يهم أن تبقى سليمة أو محطمة.. لا يهمنى .. احرثوها قبل أن تتركوها!
ولكن هذه الكلمة الأخيرة ظهرت هكذا: احرقوها ، قبل أن تتركوها !
والرئيس كان يشير إلى ما فعله اليهود فى حرب سنة ١٩٦٧ عندما حرثوا المطارات والشوارع المرصوفة لإعاقة تقدم القوات المصرية …
أما الذى فهمه السيد مناحم بيجين فهو الحريق.
ومن العيب أن أتحدث عن أثر هذه المجلة فى كثير من المجلات الأخرى. وكيف عدلت المجلات الأخرى خطوطها ، وأخذت بعضها من مجلة أكتوبر. وكل ذلك واضح عند القراء. أما عند أبناء المهنة الصحفية والأدبية ، فليس فى حاجة إلى التدليل عليه !
وكان للزعيم الراحل مشروع اتفقنا على نشره فى مجلة أكتوبر.. فقبل أن تصدر جريدة «مايو» ، كنت قد اتفقت مع الزعيم الراحل أن ننشر سلسلة عن العظماء الذين عرفهم ، ووضعت له الأسماء واتفقنا على ذلك. وانشغل كثيرا وأرجأنا الحديث عنه. فلما صدرت مجلة مايو قرر الرئيس نقل هذه السلسلة إلى الصفحة الأخيرة من زميلتنا «مايو».
وقد ناقشنى الرئيس فى أن تنضم «أكتوبر» إلى مايو فى عدد أسبوعى واحد …
ولكنى أبديت وجهات نظر مختلفة، ووافق عليها الرئيس.
وقد عرضت على الرئيس مشروعا آخر، هو عن الكتب التى أثرت فى تكوينه السياسى والديني، وقد اتفقنا على الكتب وعلى مؤلفيها. وكان من المتفق عليه أن نبدأ ذلك مع العدد القادم – أى بداية السنة السادسة لمجلة أكتوبر.
وقد اتفقت مع الزعيم الراحل على أن تنشر الفصول الأخيرة من كتابه «البحث عن السلام» ، الذى يترجمه الآن د. رشاد رشدى ، وقد اتصل بى الصديق رشاد رشدى، وطلب منى الكتب التى وعدت الرئيس بها.
ولم أكن أعرف الكتب التى يقصدها، فنحن نتحدث عن كتب كثيرة جدا، وسألت الرئيس فقال: إننى أريد أن يقرأ رشاد رشدى هذه الكتب وهو يراجع كتاب: «البحث عن السلام». وبعد ذلك عليك أن تقرأه مرة أخرى.
أما الكتب التى يريدها فقد صدرت فى إسرائيل.. وهى كتاب «سنة الحمامة»، ومذكرات عيزر فايتسمان ومذكرات ديان …
والكتب عندى، ولكن عليها إهداء المؤلفين. وبعض الإهداءات طويلة تكاد تكون رسالة شخصية، فاتصلت بسفيرنا فى إسرائيل سعد مرتضى، وطلبت إليه أن يبعث بهذه الكتب بسرعة. وروى لى أحد المؤلفين وهو إيتان هابر أن السفير أصر على أن يدق بابه وأن يدخل غرفة نومه ليجده نصف والاحتراق واليهود «معقدون» من كلمة الحريق والاحتراق بسبب ما أصابهم فى معسكرات الاعتقال ..
وقال: إننى لست نيرون الذى يحرق روما ويعنى …. ولست هتلر …
وأصدرت رئاسة الجمهورية تصحيحا لهذا الخطأ المطبعي.
واتصل بى الصديق سعد زغلول نصار السكرتير الصحفى للرئيس قائلاً : سيادة الرئيس تحدث معك ، وهى أول مذكرات لزوجة أديب فى اللغة العربية.
قلت : نعم …
قال : إنه يريد أن تضع هذا التصحيح فى برواز فى نهاية الحديث الذى سوف ينشر هذا الأسبوع.
وحمدت نيران السيد بيجين وعشرات الأقلام الثائرة …
وفى حديث مع الرئيس السادات أحست الجاليات اليهودية والأمريكية فى العالم أن الذى يقوله الرئيس السادات هو أروع ما قاله عربى عن السلام والتعايش السلمى وكراهية الدم وتصفية الأحقاد فطبعوه ووزعوه فى عشرين لغة. وبعضهم جلده. وبعضهم كتبه بماء الذهب ووضعوه فى المعابد.
وكانت مجلة «أكتوبر» هى أول من رفع سعر المجلة. فقد كان سعرها عشرة قروش ، فرفعت هى السعر إلى ١٥ قرشا. وترددت كل المجلات الأسبوعية خوفا من هبوط التوزيع ، وظلت مترددة عشرة شهور .. وبعضها رفع السعر بعد سنة.
وزاد توزيع مجلة أكتوبر رغم ذلك ! .
ثم عدنا فرفعنا سعرها إلى عشرين قرشا، منذ شهور، ولم تفعل أية مجلة أسبوعية أخرى حتى الآن .. وزاد توزيع مجلة أكتوبر رغم ذلك.
وطالبنا القراء – وقد أسعدنا ذلك – بمزيد من المسلسلات التاريخية والأدبية، فنشرنا مذكرات السيدة سوزان طه حسين زوجة طه حسين ، ونشرنا مذكرات إمبراطورة إيران.
ونشرنا كتابا مسلسلا من أروع الكتب العالمية بعنوان «الخالدون مائة – أعظمهم محمد رسول الله» ….
ثم بعد مناقشات بينى وبين الزعيم الراحل عن مسلسلة العملاق العقاد فى التليفزيون. طلب منى أن أكتب قصة العقاد ، أو حياتى مع العقاد ومع جيلنا. وفكرت ولكن المرض منعنى من تحقيق هذه الفكرة. ولكن وجدتنى فى درجة حرارة أربعين ويدى على خدى ، كتبت الحلقة الأولى. ولم أتوقف .. أما الحلقة الأخيرة التى أجلت نشرها ، وكان بسبب العرض العسكرى. ثم إنها عن الموت. وليس من المناسب أن تظهر فى عيد القوات المسلحة. ولذلك أرجأت نشرها. وصدر العدد عن اغتيال الزعيم …
.. وصدر أول عدد من مجلة أكتوبر يوم ٣١ أكتوبر سنة ١٩٧٦
عريان ، ويطلب منى أن أعطيه نسخة من كتاب : «سنة الحمامة» وكانت النسخة الوحيدة التى عنده.
وبعثت الكتب إلى د. رشاد رشدى. وحدثنى الرئيس فى التليفون قائلا : هل أرسلت الكتب لرشاد ؟
قلت : نعم.
قال : ما اسم الكتاب الذى حدثتنى عنه أمس وأعجبك جدا ؟ ابعث به إلى رشاد.
فقلت : إنه بالإيطالية .. ولم تظهر له ترجمة إنجليزية بعد..
قال : ترجم له الصفحات التى تتحدث عن المبادرة .. إنها جميلة جدا.
قلت : سوف أفعل.
وقد بعث لى الزعيم الراحل بعدد من الرسائل التى تلقاها من الزعماء والقادة ورؤساء الهيئات من جميع أنحاء العالم وفى مناسبات مختلفة. وكان من رأيه أن تنشر ذلك ، ووعد بأن يعلق على كل رسالة منها.
وكانت من أحب الرسائل اليه تلك الرسالة التى تلقاها عن مبادرته بالسلام من سيدة أمريكية يهودية تطلب من الله أن يأخذ ساعة من عمر كل يهودى ويضيفها إلى عمر السادات وكان يضحك ويقول : يعنى تريد أن يضيف إلى عمرى ١٤ مليون ساعة .. ما الذى سأفعله بها ؟ …
ثم يقسم ١٤ مليونا: (٣٦٥ × ٢٤ = ٨٧٦٠) = ١٥٩٠ سنة وزيادة !
وكثيرا ما أخطأنا فى الحساب ونحن نجمع ونضرب ونطرح ونضحك !
أما كيف صدر العدد الذى كنا قد أعددناه عن العرض العسكرى ، فهو إحدى المعجزات الصحفية. فقد أعددنا كل شيء للفرحة بالعرض العسكري: الغلاف والموضوعات والصور ، وتهيأت الأقلام للحديث عن السلام ورجل السلام والفرحة بالنصر وبالعرض العسكرى والألوان والبهجة .. وأعددنا إعلانات التهنئة بهذا العيد …
وعرفت أنا من الرئيس أنى سوف أكون معه فى اليوم التالى فى وادى الراحة .. واتصلت بى سكرتارية الرئيس بأن أركب طائرة تسبقه إلى سيناء .. ثم عادوا واتصلوا بى بأن الرئيس يريد أن أركب معه فى طائرته.
واتصل بى الصديق حسب الله الكفراوى أن أحضر معى اللوحات الخاصة بمجمع الأديان. وكنا قد أمضينا معا – الكفراوى وأنا – عشر ساعات رائعة مع الرئيس السادات فى وادى الراحة قبل ذلك بشهور …