رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

الاقتصاد يواصل الصمود فى مواجهة الجائحة

68

كتب : رمضان أبو إسماعيل

لم تكن أكثر التوقعات تفاؤلا تنتظر من الاقتصاد المصرى أداء أكثر ثباتا وإيجابية من الأداء، الذى تحقق خلال الشهور الأخيرة فى مواجهة تداعيات أزمة كورونا، التى عصفت بمقدرات اقتصاديات دول متقدمة، تداعت أركان نظمها الاقتصادية أمام ما فرضته هذه الأزمة، التى لم تكن على البال أو الخاطر، ليتأكد القول الدارج.. «القرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود».
تجلى صمود الاقتصاد المصرى فى مواجهة جائحة كورونا فى تحقيقه معدلات نمو اقتصادى تزيد على 4.2%، وأن يحتل المرتبة السادسة بين 18 اقتصادًا فقط حول العالم (من 189 اقتصادا) نجحت فى تحقيق معدلات نمو اقتصادى إيجابية، بحسب تقرير صندوق النقد الدولي، الذى أشاد بصمود الاقتصاد المصرى فى مواجهة تداعيات هذا الوباء، الذى أصاب الاقتصاد العالمى فى مقتل.

يقف برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذى نفذته الحكومة خلال الفترة 2016 – 2019، وراء ما اتسم به الاقتصاد من قدرة على امتصاص تداعيات صدمة فيروس كورونا، بحيث ظلت معدلات النمو عند مستويات معقولة تدور حول 4% مقارنة بنحو 6% كانت متوقعة فى حال عدم تعرض مصر لهذه الجائحة، فيما لم يزد عجز الموازنة المتوقع خلال العام المالى الحالى على 7.9% مقارنة بـ7.2% كانت تستهدفها الحكومة فى الظروف العادية، وزادت نسبة الدين إلى الناتج المحلى إلى 87% مقارنة بمستهدف 81% العام المالى الجاري.
ويعود التراجع فى مؤشرات الأداء الاقتصادي، إلى زيادة معدلات الإنفاق العام فى مواجهة تراجع فى الإيرادات جراء تداعيات أزمة كورونا، بحيث أدت الأحداث الأخيرة إلى انخفاض قيمة الناتج المحلى بنحو ١٣٠ مليار جنيه، وتراجعت الإيرادات العامة انخفضت بنحو ١٢٤ مليار جنيه، بالتزامن مع زيادة بنود النفقات بنحو 63 مليار جنيه كمخصصات دعم القطاع الصحى ومساندة القطاعات والفئات الأكثر تضررًا منذ بداية الجائحة، مع استمرار التزام وزارة المالية باستمرار الإتاحات الشهرية، التى تستهدف توفير السيولة النقدية اللازمة للهيئات السلعية والخدمية، بحسب وزارة المالية.
توزعت الإتاحات التمويلية بواقع ١١ مليار جنيه لدعم القطاع الصحى، و٤٠٠ مليون جنيه سنويًا، لتمويل تعيين ٧ آلاف معيد ومدرس مساعد بكليات الطب بالجامعات، وتعيين ١٢٠٠ زميل وزميل مساعد من الأطباء بالمستشفيات التعليمية، ٢,٦ مليار جنيه لرفع بدل التعرض لخطر العدوى لأعضاء المهن الطبية بنسبة ٧٥٪، وكذلك رفع مكافأة أطباء الامتياز بالمستشفيات الجامعية.
ولم تتوقف مخصصات الإنفاق الطارئ على ما تم تقديمه من إتاحات لقطاع الخدمات الصحية لدعمه فى مواجهة ما تولد من ضغوط غير متوقعة نتيجة وباء كورونا، بل خصصت الحكومة 16.6 مليار جنيه لدعم قطاع الصناعة فى مواجهة تداعيات فيروس كورونا، وذلك بخفض سعر الغاز الطبيعى من ٥,٥ إلى ٤,٥ دولار لكل وحدة حرارية، وخفض سعر الكهرباء ١٠٪، وتأجيل الضريبة العقارية لمدة ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى إتاحة ٣ مليارات جنيه لدعم صندوق تنمية الصادرات، وتدبير 5 مليارات جنيه لدعم قطاعى السياحة والطيران المدنى، وزيادة الاستثمارات الحكومية بنحو 10 مليارات جنيه، بما يسهم فى الحفاظ على العمالة، وسداد مستحقات المقاولين والموردين.
نجحت الحكومة أيضا، وفقا لوزارة المالية، فى إتاحة ٦ مليارات جنيه لهيئة السلع التموينية لشراء 1.6 مليون طن قمح مستورد كميات إضافية، و٣ مليارات جنيه للعمالة غير المنتظمة، و٣ مليارات أخرى؛ لتنفيذ خطة عاجلة لرصف الطرق الداخلية بالمحافظات، وإتاحة ٤٥٠ مليون جنيه لوزارة التربية والتعليم لتمويل الإجراءات الاحترازية والوقائية لامتحانات الثانوية العامة، وإتاحة ٢٨,٦ مليار جنيه لوزارة التموين لتدبير احتياجات المواطنين من السلع الضرورية للحفاظ على احتياطى سلعى 3 أشهر (١٦ مليار جنيه منها لتمويل شراء القمح المحلى)، وإتاحة ٣,٧ مليار جنيه للهيئات الخدمية بما يُمكنها من الوفاء بالتزاماتها.
تماسك الاقتصاد المصري، بحسب التقرير الصادر مؤخرا عن وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، نتيجة لتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذى نجح فى تنويع هياكل الإنتاج، بما أدى إلى احتفاظ الاقتصاد بمعدلات نمو موجبة، حيث تمثلت أبرز القطاعات التى حافظت على النمو فى قطاع تكرير البترول بنسبة 78%، والاتصالات بنسبة 15%، وقناة السويس بنسبة 10%، التشييد والبناء بنسبة 8%.
فى الوقت ذاته، تركت الأزمة، وفقا لتقرير وزارة التخطيط، الذى تضمن تحليلًا لتطور بعض مؤشرات الأداء الاقتصادى والاجتماعى خلال الربع الثالث من العام المالى الحالى 2019/2020، تأثيرات سلبية على بعض الأنشطة الاقتصادية، على رأسها، قطاعات السياحة، والصناعة، وتجارة الجملة والتجزئة، إلا أن معدلات النمو ظلت إيجابية فى مواجهة هذه التداعيات السلبية، بل ما تزال معدلات النمو الاقتصادى المحققة فى مصر من أفضل معدلات النمو بالمنطقة والعالم خلال الربع الثالث من العام المالى الجاري.
ونجحت الاستثمارات الحكومية فى الحفاظ، بحسب التقرير، على معدلات نمو معتبرة خلال الفترة، حيث حققة الاستثمارات الحكومية المنفذة خلال الفترة من يوليو إلى مارس 19/2020 نسبة قدره 23%؛ لتصل إلى 113 مليار جنيه، ما وفر دعما حقيقيا لمعدلات النمو الاقتصادي، التى ارتكزت خلال الفترة على جنى ثمار الاستثمارات، التى قامت الدولة بتنفيذها، التى تتجاوز 4 تريليونات جنيه، وكذا الاستمرار فى إتاحة الاستثمارات الحكومية بما يراعى معايير كفاءة وفاعلية وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
ووفقا للتقرير، وجهت الحكومة 27% من الاستثمارات الحكومية إلى الإنفاق على هدف «بناء الإنسان» خاصة فى قطاعات الصحة والتعليم، و50% منها للإنفاق على هدف «تحسين جودة حياة المواطنين» فى قطاعات النقل والإسكان والمرافق العامة إلى جانب توجيه 23% من هذه الاستثمارات إلى الإنفاق على هدف «التنمية الاقتصادية والتشغيل» فى قطاعات الصناعة والبترول والزراعة.
لم تتوقف الإشادات بأداء الاقتصاد على الداخل فقط، بل أشادت مؤسسات التصنيف الدولية – موديز، ستاندرد آند بورز- بقدرة الاقتصاد المصرى فى الوفاء بالتزاماته المالية، والإبقاء على نظرة مستقبلية مستقرة، وأنه يحظى بثقة مؤسسات التمويل الدولية، بل تعد موافقة صندوق النقد الدولى على اتاحة تمويلات فورية بقيمة 2,8 مليار دولار لمصر دليل دامغ على أن مصر تسير فى الاتجاه الصحيح.
المفاجأة، أن يذهب خبراء اقتصاد إلى أن هذه الأزمة رتبت آثارا إيجابية على الاقتصاد، وأنها تمثلت فى تسليط المزيد من الضوء على قضية زيادة الإنتاج، والعمل على توطين الصناعات الاستراتيجية فى مصر، وتنويع مصادر الإنتاج الحقيقي، وذلك بزيادة مساهمة قطاعات الصناعات الاستخراجية والتحويلية والزراعة فى الناتج المحلى الإجمالي، علاوة على المضى قدما فى إتاحة المزيد من الاستثمارات العامة فى قطاع الخدمات العامة (الصحة – التعليم)، وتشجيع قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لما أثبتته من قدرة على التكيف مع مثل هذه الأزمات.