مصر تنتصر

مياه النيل مسألة حياة وقضية وجود

52

 

«إن نهر النيل هو حياة مصر.. مصدر خيراتها.. وكنز كنوزها.. شريانها الوحيد الذى يغذى أراضيها بالخيرات ويغمر أبناءها بالنعم.. وعلى مر العصور جعل الله عز وجل نهر النيل باعثًا لحياة مصر وجوهرًا لوجودها.. على ضفافه قامت حضارتها الخالدة.. قدسه المصرى القديم وحرص على الحفاظ عليه واعتبره أساسًا للخير ورمزًا للنماء».

كلمات من «وثيقة النيل» التى وقّع عليها الرئيس عبد الفتاح السيسى منذ أربعة أعوام لحماية نهر النيل.

وخلال الثمانية أعوام الماضية قدمت مصر كل ما يمكنها تقديمه من صبر ومحاولات توافق وبناء ثقة متوقعة أن تبادلها إثيوبيا نفس الشىء، إلا أننا لم نجد إلا كل مراوغة واستهلاك للوقت، ومارست مصر سياسة الصبر والنَفَس الطويل، وظلت حريصة دائمًا على الحفاظ على علاقات جيدة مع إثيوبيا.

ودائمًا ما أكدت مصر أنها منفتحة على التعاون مع جميع دول الحوض، انطلاقًا من مبادئ تحقيق المكاسب المشتركة وعدم الإضرار بمصالح أى دولة من دول حوض النيل.

وكان الرئيس السيسى قد أكد أكثر من مرة أن مصر تساند حق الشعب الإثيوبى فى التنمية، وتؤكد فى ذات الوقت على حق الشعب المصرى فى الحياة باعتبار نهر النيل المصدر الوحيد للماء العذب فى مصر.

وخلال كلمة الرئيس أمام الدورة 74 للجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضى أكد أن استمرار التعثر فى المفاوضات حول سد النهضة سيكون له انعكاسات سلبية على الاستقرار والتنمية، فقال: «إن مصر سعت على مدى عقود إلى تعزيز وتعميق أواصر التعاون مع أشقائها من دول حوض النيل، التى ترتبط معهم بعلاقات أزلية.

وتأكيدًا لحرصها على رفعة شعوب حوض النيل الشقيقة، أعربت مصر عن تفهمها لمشروع إثيوبيا فى بناء سد النهضة، رغم عدم إجرائها لدراسات وافية حول آثار هذا المشروع الضخم، بما يراعى عدم الإضرار بالمصالح المائية لدول المصب ومنها مصر.

بل وبادرت مصر بطرح إبرام «اتفاق إعلان المبادئ حول سد النهضة» الموقع فى الخرطوم فى 23 مارس 2015، والذى أطلق مفاوضات امتدت لأربع سنوات للتوصل لاتفاق يحكم عمليتى ملء وتشغيل سد النهضة، إلا أنه ومع الأسف، لم تفض هذه المفاوضات إلى نتائجها المرجوة، وعلى الرغم من ذلك فإن مصر مازالت تأمل فى التوصل لاتفاق يحقق المصالح المشتركة لشعوب نهر النيل الأزرق فى إثيوبيا والسودان ومصر.

إن استمرار التعثر فى المفاوضات حول سد النهضة سيكون له انعكاساته السلبية على الاستقرار وكذا على التنمية فى المنطقة عامة، وفى مصر خاصة، فمع إقرارنا بحق إثيوبيا فى التنمية، فإن مياه النيل بالنسبة لمصر مسألة حياة وقضية وجود، وهو ما يضع مسئولية كبرى على المجتمع الدولى للاضطلاع بدور بنّاء فى حث جميع الأطراف على التحلى بالمرونة سعيًا للتوصل لاتفاق مرض للجميع.

ومنذ أسبوعين وزعت الخارجية المصرية مذكرة على الدبلوماسيين كشفت عن خلافات أساسية بشأن سد النهضة، حول التدفق السنوى للمياه التى ينبغى أن تحصل عليها مصر وكيفية إدارة عمليات التدفق أثناء فترات الجفاف.

وأوضحت المذكرة أن إثيوبيا «رفضت دون نقاش» الخطة المصرية التى تتعلق بجوانب رئيسية فى تشغيل سد النهضة.

كما رفضت القاهرة فى الوقت نفسه مقترح أديس أبابا واعتبرته مجحفًا وغير منصف.

وأظهرت المذكرة خلافات أساسية حول التدفق السنوى للمياه التى ينبغى أن تحصل عليها مصر وكيفية إدارة عمليات التدفق أثناء فترات الجفاف، وتقترح إثيوبيا أن تستغرق المرحلة الأولى من المراحل الخمس لملء السد عامين، وفى نهاية المطاف سيتم ملء خزان السد إلى 595 مترًا.

لكن الاقتراح المصرى يشرح أنه إذا تزامنت هذه المرحلة الأولى مع فترة جفاف شديد فى النيل الأزرق فى إثيوبيا، على غرار ما حدث عامى 79 و80 فيجب تمديد فترة العامين للحفاظ على منسوب المياه فى بحيرة السد العالى بأسوان من التراجع إلى أقل من 165 مترًا، وبعد المرحلة الأولى يطالب المقترح المصرى بتدفق مالا يقل عن 40 مليار متر مكعب من مياه السد سنويًا، بينما تقترح إثيوبيا 35 مليار متر مكعب.

هدف إثيوبيا من رفض المقترح المصرى هو تقصير عملية ملء خزان السد لتسريع تشغيل التوربينات الـ 12 بسرعة من أجل توليد كميات كبيرة من الكهرباء وتصديرها لدول الجوار مثل السودان الذى تعاقد مع إثيوبيا بالفعل لإمداده بجزء من كهرباء السد بأسعار رخيصة.

بعد التطورات السياسية فى السودان ورحيل نظام البشير الذى كان يميل لتبنى المواقف الإثيوبية، فلم تحسم الحكومة الجديدة موقفها بعد، وهناك نوع من التحفظ فى إعلان موقف رسمى من سد النهضة، فهناك تاريخ طويل يجمع بين مصر والسودان، إلا أن إثيوبيا قدمت وعودًا للسودان بمدها بالكهرباء.

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسى قد استقبل رئيس الوزراء السودانى عبد الله حمدوك، وأكدت التصريحات عقب اللقاء بتوجيه الرئيس السيسى بسرعة تنفيذ المشروعات التنموية المشتركة كالربط الكهربائى وخط السكك الحديدية بين مصر والسودان، ومن المتوقع أن يلعب السودان دور الوسيط لتهدئة الأمور بين مصر وإثيوبيا مع حفظ مصالحه.

ويذكر أن مصر والسودان وإثيوبيا وقّعت عام 2015 اتفاقية بعنوان «وثيقة مبادئ أساسية تحفظ الحقوق والمصالح المائية المصرية، وتشمل تلك المبادئ: مبدأ التعاون، التنمية والتكامل الاقتصادى، التعهد بعدم إحداث ضرر ذى شأن لأى دولة والاستخدام المنصف والعادل للمياه والتعاون فى عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله السنوى، إلا أن الخلاف لا زال قائمًا رغم الاتفاقية.

والاحتمال الأقرب هو تدويل القضية نظرًا لكون الأزمة بين مصر وإثيوبيا مهددة للاستقرار الإقليمى بما ينعكس على الأمن الدولى، مع استبعاد الحل العسكرى بالطبع، فالإقليم كاملاً يميل إلى تحقيق الاستقرار من أجل التنمية، وهو ما يعنى استمرار المفاوضات للتوصل لشكل من أشكال التوافق قبل تشغيل السد، حتى وإن كان هذا التوافق غير مُرضٍ بشكل كامل لجميع الأطراف، وقد يكون اللجوء لمحكمة العدل الدولية خيارًا تلجأ مصر إليه، فالقوانين الدولية تنص على ألا تقوم دول منابع المياه بأحواض الأنهار بالتصرف بشكل منفرد، كبناء منشآت على مجرى المياه، أو أى إجراء من شأنه خفض نسبة المياه أو إيصالها لدول أخرى، وهذه الإجراءات خالفتها إثيوبيا.

وكانت تشيكوسلوفاكيا قد تقدمت بشكوى ضد المجر عام 1997 بمحكمة العدل الدولية، لبناء المجر سدودًا بشكل منفرد على نهر الدانوب، وقد حكمت المحكمة لصالح تشيكوسلوفاكيا بأن إجراء المجر غير قانونى، وتستطيع مصر أيضًا تقديم شكوى للبنك الدولى من أجل وقف تمويل أى مشاريع فى إثيوبيا لحين التزام إثيوبيا بقوانينه، كما تستطيع مصر الضغط على إيطاليا من أجل الضغط على الشركة الإيطالية التى تقوم بأعمال إنشاء السد.

ورقة أخرى لدى مصر وهى الضغط على حلفائها الخليجيين كالسعودية والإمارات الذين يستثمرون مليارات الدولارات فى إثيوبيا، ويمكن أن تلوح مصر بوقف استثماراتها فى إثيوبيا والتى تصل إلى 3 مليارات دولار.

وللأشقاء فى إثيوبيا أقول إنه ليس من الحِكمة عند الخلاف ألا تعطى للطرف الآخر مخرجًا آمنًا للحفاظ على أمنه واستقراره، وألا تضعه فى موقف يختار فيه بين حياته وحياة الآخر.

فالحياة واحدة والنهر واحد، ولن نسمح لأحد أن يسلبنا الحياة.