رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

حال فوزه في الجولة الثانية للانتخابات البرلمانية..هل يسلم ماكرون مفاتيح الحكم إلى اليمين المتطرف ؟

271

بفارق كبير.. جاءت صدارة اليمين المتطرف لنتائج الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية المبكرة، التى أجريت الأحد الماضى، لتزيد الضغوط على الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، إذ لم يعد أمامه سوى بارقة أمل وحيدة فى الجولة الثانية المقررة اليوم – الأحد – 7 يوليو، وهى عدم حصول تحالف مارين لوبان على الأغلبية المطلقة، الأمر الذى من شأنه أن يؤدى به إلى قضاء السنوات الثلاث المتبقية من ولايته فى شراكة حرجة مع اليمين المتطرف، بل سيذكره التاريخ الفرنسى أنه الرئيس الذى سلم مفاتيح الحكم إلى اليمين المتطرف.

داليا كامل

كان ماكرون قد اتخذ القرار «الجاد والثقيل» بالدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة- الأولى فى فرنسا منذ عام 1997- قبل الموعد المحدد لها بثلاث سنوات، بعد دقائق من الهزيمة المهينة، التى تعرض لها حزب النهضة بزعامة ماكرون أمام حزب التجمع الوطنى اليمينى المتطرف، حزب مارين لوبان، فى انتخابات البرلمان الأوروبى، فى 9 يونيو الماضى، حيث قال ماكرون: إنه لا يستطيع تجاهل الرسالة التى أرسلها الناخبون، لكنه تعهد بالبقاء فى منصبه حتى الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة فى عام 2027، أيا كانت النتيجة.
وحسب وزارة الداخلية الفرنسية، حصل تحالف اليمين المتطرف بقيادة حزب التجمع الوطنى المتشكك فى الاتحاد الأوروبى و المناهض للهجرة على 33% من الأصوات فى الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية، وجاءت الجبهة الشعبية الجديدة، وهى ائتلاف يسارى تم تشكيله مؤخرا، فى المركز الثانى بنسبة 28%، بينما احتل تحالف «معا» الوسطى بزعامة الرئيس إيمانويل ماكرون المركز الثالث بنسبة 20%.
ووفق آلية عمل الانتخابات الفرنسية، يخوض الجولة الثانية جميع المرشحين الذين حصلوا على أصوات لا تقل عن 12.5 بالمئة من الناخبين المسجلين فى الجولة الأولى، ويفوز من يحصل على أعلى عدد من الأصوات، لكن أكثر من 200 مرشح من اليسار والوسط قرروا الانسحاب من الجولة الثانية لتجنب انقسام الأصوات المناهضة لحزب التجمع الوطنى اليمينى المتطرف.
وتشير التوقعات إلى أن التجمع الوطنى وحلفاءه سيحصدون فى الجولة الثانية غالبية نسبية كبيرة فى الجمعية الوطنية وربما غالبية مطلقة، حسب «رويترز».
وإن صحت هذه التوقعات، سيعنى ذلك وصول حزب التجمع الوطنى إلى السلطة، حيث يكون للحزب الذى يتمتع بالأغلبية المطلقة الحق فى تعيين رئيس الوزراء والحكومة. وفى حال بات زعيم حزب التجمع الوطنى، جوردان بارديلا (28 عاما) رئيسا للوزراء، ستكون هذه المرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية التى تحكم فيها حكومة منبثقة من اليمين المتطرف فرنسا.
وإذا لم يفز أى تكتل بأغلبية مطلقة، سيتعين على ماكرون عرض المنصب على الكتلة البرلمانية الفائزة بأكبر عدد من المقاعد فى الجمعية الوطنية، لكن بارديلا كان قد قال: إنه «سيرفض المنصب، إذا لم يفز هو وحلفاؤه معا بأغلبية مطلقة لا تقل عن 289 مقعدا». فى هذه الحالة، حسب «رويترز»، من المحتمل أن يحاول ماكرون بناء تحالف مناهض للتجمع الوطنى، واختيار رئيس للوزراء منه أو تعيين «حكومة خبراء» غير تابعة للأحزاب السياسية ولكن سيتعين الموافقة عليها بالأغلبية فى الجمعية الوطنية.
وأوضحت «رويترز» أنه إذا فاز حزب التجمع الوطنى بأعلى نسبة من الأصوات، وقبل منصب رئيس الوزراء، فستبدأ فترة «تعايش» مع ماكرون، وهو الأمر الذى حدث لثلاث مرات فى التاريخ السياسى الحديث لفرنسا، مع الأحزاب الرئيسية، لكن حزب التجمع الوطنى قد يصارع من أجل تبنى أفكار التغيير. وإذا أصبح حزب التجمع الوطنى الحزب الأكبر فى البرلمان دون أن يكون له السلطة، فيمكنه منع أو تعديل مقترحات الحكومة، ويمنح الدستور الحكومة بعض الأدوات للالتفاف على ذلك، ولكن بحدود. وفى مثل هذه الحالة، قد تتعرض فرنسا لحالة من الشلل السياسى يتم خلالها إقرار القليل من التشريعات أو عدم إقرارها على الإطلاق مع وجود حكومة مؤقتة تدير الشئون اليومية الأساسية على غرار حكومة تسيير الأعمال.
وهكذا، فإنه فى كل الأحوال، سيكون الوضع بالنسبة لماكرون مختلفا تماما عما كان عليه من قبل، وربما تتجه فرنسا نحو برلمان معلق والمزيد من عدم اليقين السياسى، وهو ما أشارت إليه الكثير من وسائل الإعلام الفرنسية والعالمية، ملقية باللوم على ماكرون لاتخاذه القرار بإجراء انتخابات تشريعية مبكرة.
فى هذا السياق، قالت «فرانس برس» فى تقرير لها: إنه إذا فاز حزب التجمع الوطنى بأغلبية مطلقة فقد تشهد الدبلوماسية الفرنسية فترة غير مسبوقة من الاضطراب فى ظل التنافس بين ماكرون وبارديلا، على الحق فى التحدث باسم فرنسا. وذكرت الوكالة الفرنسية أن فرنسا شهدت ثلاث فترات من «التعايش» فى فترة ما بعد الحرب عندما كان الرئيس والحكومة من معسكرين سياسيين متعارضين، لكن لم تشهد أى منها أطرافا متنافسة على إدارة الدولة تتبنى وجهات نظر متباينة جذريا بهذا الشكل حيال قضايا عالمية. وتقول «فرانس برس»: إن فرنسا يمكن أن تتحول من واحدة من ركائز الاتحاد الأوروبى إلى شوكة فى خاصرته وتطالب بخفض مساهمتها فى موازنة التكتل وتتصادم مع بروكسل بشأن وظائف المفوضية الأوروبية وتتراجع عن دعوات ماكرون؛ لتعزيز وحدة الاتحاد الأوروبى والتأكيد على الدفاع.
فى نفس السياق، أوضح تقرير نشرته شبكة «سى إن إن» أن الجمعية الوطنية تتولى مسئولية إقرار القوانين المحلية- من معاشات التقاعد والضرائب إلى الهجرة والتعليم- فى حين يحدد الرئيس السياسة الخارجية والأوروبية والدفاعية للبلاد. وعندما لا ينتمى الرئيس الفرنسى والأغلبية فى البرلمان إلى نفس الحزب، فإن الحكومة تواجه مشاكل فى تمرير القوانين، ما قد يحدث نوعا من الشلل السياسى وربما أزمة دستورية.
وذكر موقع إذاعة مونت كارلو الدولية، أنه بالرغم من التغييرات التى يمكن أن تطرأ بعد الدورة الثانية، التى ستحدد من سيمتلك غالبية مطلقة أو غالبية نسبية، إلا أن معظم المحللين يرون أن خريطة الجمعية الوطنية أو البرلمان المقبل قد ارتسمت بالفعل.
وأوضحت «مونت كارلو» أن الرئيس ماكرون تفاعل بحدة مع صعود اليمين المتطرف فى انتخابات البرلمان الأوروبى مطلع الشهر الماضى، وقرر حل البرلمان، مراهنا على إحداث صحوة تدفع الفرنسيين إلى مراجعة مواقفهم إزاء اليمين المتطرف، كما فعلوا مرتين فى الانتخابات الرئاسية عام 2002، وأخيرا عام 2022. لكنهم كسروا القاعدة هذه المرة، وقرروا إعطاء فرصة لليمين المتطرف، الذى عدل خطابه للتركيز على المشاكل المعيشية وربط الأزمة الاقتصادية بظاهرة الهجرة، وصور الدعم المالى والعسكرى لأوكرانيا فى مواجهة الغزو الروسى على أنه ضريبة باهظة يدفعها الفرنسيون على حساب رفاهيتهم.