سيناء .. قدس أقداس مصر

“ويدخلهم الجنة عَرَّفَها لَهُمْ”

129

هى دار المؤمنين ومنازل المتقين، جعلها الله منزلاً لأهل سعادته ممن مات على الإيمان والعمل الصالح، وقد توسع القرآن فى ذكر أوصافها وبيان فضلها، وشرح أصناف النعيم فيها، ترغيبًا فى نيلها، حتى كأن المؤمنين يرونها رأى العين، فذكر الحق سبحانه درجاتها وأبوابها، وطعام أهلها وشرابهم، وأنواع مياههم وأنهارهم وبين لباسهم وحليهم.
وهى الجائزة الكبرى التى وعد الله تعالى بها عباده المؤمنين الموحدين، الذين شهدوا بوحدانيته، وآمنوا به جل جلاله وبملائكته وبكتبه، وبرسله عليهم الصلاة والسلام، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، والذين أعدوا العدة لهذا اليوم من اجتناب للسيئات وإقبال على الأعمال الصالحة والحسنات، فالجنة هى دار الخلود، ونعيمها دائم، لا يعترى أهلها نصب أو هم أو حزن، وفيها من النعيم المقيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ولا شك أن الجنة هى حلم كل إنسان، فهى المكان الوحيد الذى سيجد فيه الراحة وينسى كل الهموم والمتاعب التى واجهته فى حياته الدنيا، ففيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بناؤها لبنة من فضة ولبنة من ذهب، ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران، ومفتاحها «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وأول من سيدخل الجنة هو النبى صلى الله عليه وسلم من بعد أن يشفع لأمته، أبوابها ثمانية هى «الصلاة، الريان، الزكاة، الجهاد، الصدقة، الصلة، الحج والعمرة».
وفى الجنة درجات وغرف، بالنسبة للدرجات فهناك الفردوس الأعلى تحت عرش الرحمن، وأعلى مقام فى الفردوس هو «الوسيلة» وهو مقام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أما باقى الدرجات فهى مائة درجة وأدناها منزلة من كان له ملك مثل عشرة أمثال أغنى ملوك الدنيا.
ويدخل أهل الجنة الجنة، وهم أعرف بمنازلهم فيها من منازلهم فى الدنيا، فيهتدى أهلها إلى بيوتهم ومساكنهم التى قسم الله لهم لا يخطئون، كأنهم سكانها منذ خلقوا لا يستدلون عليها أحدًا».
وهذا هو تفسير الآية «وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ» عرفها وبينها لهم حتى إن الرجل ليأتى منزله منها إذا دخلها كما كان يأتى منزله فى الدنيا، لا يشكل عليه ذلك.
وطريق الجنة يبدأ بالإيمان لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذى نفسى بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا»، صحيح مسلم.
وقال: «من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة» البخارى، فالطريق إلى الجنة يبدأ بالإيمان، ثم بأداء الفرائض والأركان، لقول رسول الله: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده» قالوا الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس».
وعن أبى عبد الله جابر بن عبد الله الأنصارى رضى الله عنهما أن رجلاً سأل رسول الله، فقال: «أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة قال: «نعم».
ومن الحديث نستدل أن أعظم الواجبات على المسلم الصلوات الخمس، وأنها أعظم أسباب دخول الجنة بعد الشهادتين، وأن صيام شهر رمضان من أعظم فروض الإسلام، وأن من أسباب دخول الجنة الإيمان بالحلال والحرام، باعتقاد حل الحلال وتحريم الحرام.
وأن إحلال الحلال يقتضى استباحة المباح وفعل الواجب والمستحب، وأن طلب الجنة بالأعمال الصالحة محمود شرعًا، فينبغى أن يكون محور حياتنا هو دخول الجنة، وتفكيرنا منصبًا فى «كيف ندخل الجنة»؟ «وكيف نتجنب صعوبة الطريق ونقتحم العقبات حتى نصل إلى الجنة، فكلنا نريد الجنة والنجاة من النار، فيجب أن نطلبها فى أقوالنا وأعمالنا وحركاتنا وسكوننا.

وما من شك أن الله خلق الخلق وأراد لهم الهداية، والنجاة فى الآخرة، وأرسل لهم الرسل عليهم السلام، وشرع لهم الشريعة القويمة، ليتقربوا من خلالها إلى الله تعالى، فيكرمهم فى الآخرة برضوانه وجناته، لكن الله تعالى اشترط لمن أراد دخول الجنة شرطًا رئيسيًا لا يصح دونه أى عمل صالح أو حسنة يقدمها المرء، وهو الإيمان بالله وتوحيده، وإرجاع النية فى الأعمال إليه، حيث يقول الله تعالى: «إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ»، فالدنيا مزرعة الآخرة، فازرع من الدنيا خيرًا، تلق فى الآخرة خيرًا، وازرع فى الدنيا شرًا، تلق فى الآخرة شرًا، فما تعمله هنا تحصده هناك.
l الطريق إلى الجنة فى مقال قادم