https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

لا تزور القبور في العيد

302

مهما كانت قسوة الحياة ومرارة الألم، فلا مفر من بعث الأمل، ورغم أن التفاؤل بميلاد يوم أفضل بات كحلم بعيد المنال وسط حروب تشتعل ولا تهدأ، فلا مفر من بعث الأمل، لكن يعلن العيد بقدومه وفي صحبته الأمل، ويحمل بين طياته رسالة تفصح عن حتمية زوال الحزن مهما طال، ولابد من بزوغ فجر النصر، وبرغم أن إنسان الشرق الأوسط بات يستيقظ من وقت لآخر على إبادات جماعية، تحرق الأطفال بالكيماوي، وتجرف معها اليابس والأخضر، فالعيد يبشره بنصر قريب وسلام دائم.

وتتضح الحكمة الإلهية في التشريع بالعيد أنه مهما كانت المشقة في الأيام الماضية، ومهما تذوق المسلم من الآلام، فلابد من بعث جديد للعيد، ليجدد الرغبة في الحياة، وليعانق قلوب المسلمين، ويمسح أحزانها، كما تعانق الأم فلذات كبدها بعد غياب طويل، وأتصور أن الأمل كممر للعبور من المؤامرات والنزاعات إلى مقام الاستقرار، هكذا العيد يرشدنا إلى ممر النجاة.

ويحل العيد ليخرج البسمة من قلب يعتصر بالحزن، غير أنه حين يسطع العيد يقترن معه الأمل، وتخضر فيه الأوراق، وتطمئن معه النفوس، ويشق الأرض ليرتفع معه البناء، ويعلو برفقته الأذان، ويرفع أبناء الشهداء مكانا عليًّا، ويصدح فيه صوت الحق، ويخبو فيه الباطل، وتتلاشى فيه مشاعر الخوف، والعيد بمثابة جائزة كبرى لكل من صابر وقاوم.

وإذا كانت ساعات العيد محدودة إلا أنها تستطيع قطع أمد الأحزان، وقال ابن القيم: إن الحزن يوهن العزم ويغير الإرادة، وقال: لا تفسد يومك بالنظر إلى الأمس، وقال لا شيء أحب إلى الشيطان من حزن المؤمن، ومن أجل ذلك لا تزور القبور في العيد، وأقصد زيارة الأحياء، الذين يأملون في المودة وجبر الخاطر.

ومن المفارقات يعتقد الجميع أن الأمل شريان الحياة لكن “إيما نويل كانت” الفيلسوف الألماني يحذر من الاستغراق في الأمل، ومن ناحية أخرى يرفض مفكرون وفلاسفة مولودًا اسمه الأمل، ويريدون وأده، ظنا منهم أن من يتعلق بالأمل كالغريق يمسك بقشة، ويزعم شوبنهاور ونيتشه وكامو أن الأمل علاقة نفسية مضللة، غير أن الغالبية من الفلاسفة يعتقدون أن الأمل الوسيلة الأوفر حظا في كسر قيود الحياة، بل إنه ترياق اليأس.

وتكشف الدراسات التأثير الإيجابي للأمل في حل المشكلات، وأنه قادر على مقاومة الأمراض والإعاقة البدنية، ويساعد الإنسان على التأقلم والتعايش مع معاناته، والأمل فيه إكسير للحياة يمنح مشاعر بالثقة، ودائما ما يولد فينا إحساسا بأن القادم ليس بسيئ، ليكون دافعا لنا بالمضي قدما، وهكذا العيد يصوب نظرنا صوب النجم الساطع وسط ظلمة الليل، ومن بشائر الأمل أنه يحفّز المرء على تكريس طاقته لتحقيق ما يهدف إليه، لكنه يعتريه شيء ما يوسوس إليه أن نتيجة عمله غير مؤكدة، مما يعني أن الأمل والقلق متلازمان دائمًا، ولذا وضح الفيلسوف ديكارت مفهوم الأمل أنه رغبة تحكم تصرفات النفس، وتجعلها تتطلع إلى الأفضل، فتقنعها بأن ما تتمناه سيتحقق.