30 يــونــيــو .. إرادة شـعـــــــب

الدوامة السودانية بين الانقلابات العسكرية والثورات الشعبية

88

هذه الأزمة السياسية المحتدمة فى السودان منذ ثلاثة أشهر بين تحالف إعلان قوى الحرية والتغيير، الذى قاد الثورة التى أسقطت نظام البشير وبين المجلس العسكرى الانتقالى الذى انحاز إلى الثورة.. هذه الأزمة ليست فى الحقيقة سوى تكرار لأزمات السودان المزمنة عبر 63 سنة منذ الاستقلال عام 1956.. ظل السودان يدور خلالها فى دائرة خبيثة بين الحكم المدنى والانقلابات العسكرية والثورات.
qqq
استدعاء تاريخ السودان السياسى يبدأ من استقلاله عن الحكم المصرى البريطانى المشترك بموافقة الرئيس عبدالناصر على منح السودانيين حق تقرير المصير، حيث اختار أول برلمان منتخب الاستقلال فى الأول من يناير عام 1956، ومن المفارقات أن التيار الاتحادى الذى كان فى مقدمة مبادئه قبل ثورة يوليو 1952 البقاء تحت حكم التاج المصرى، اختار الاستقلال بسبب ما تواتر فى الأدبيات السياسية السودانية عن التشكك فى توجهات نظام حكم عبد الناصر، خاصة بعد إزاحة اللواء نجيب عن السلطة والمعروف بأصوله السودانية، ومن المثير أن جلاءها عن مصر فى يونيو عام 1956 وبعد سنتين من توقيع اتفاقية الجلاء.
qqq
بعد أقل من عامين من الاستقلال والحكم المدنى الديمقراطى ممثلًا فى الحزبين الكبيرين.. الأمة والوطنى الديمقراطى (الاتحادى الديمقراطى لاحقًا).. سرعان ما بدأ السودان فى الولوج فى الدائرة الخبيثة التى أطاحت به خلال سبعة عقود بحدوث أول انقلاب عسكرى فى نوفمبر عام 1958 قاده الفريق إبراهيم عبود ليستمر ست سنوات اندلعت بعدها أولى الثورات السودانية فى أكتوبر عام 1964 وسقط النظام سقوطًا هادئًا، حيث تنازل عبود طواعية عن السلطة دون أى مقاومة نزولًا على رغبة السودانيين، وقال مقولته الشهيرة: (أنتم منحتمونى السلطة.. وها أنا أعيدها لكم).
qqq
ثم لم يهنأ السودانيون بالحكم المدنى الديمقراطى طويلًا بعد ثورتهم ضد حكم عبود العسكرى، إذا قاد اللواء جعفر نميرى الانقلاب العسكرى الثانى فى 25 يناير 1969.
غير أن نميرى لم يسلم من تعرضه لانقلابات عسكرية متعددة نجح فى إحباطها بما فيها أقواها وهو الانقلاب الفاشل الذى عُرف بانقلاب هاشم العطا عام 1971 بدعم من الحزب الشيوعى السودانى بزعامة إبراهيم الشفيع وهو الانقلاب الذى كان قائده الحقيقى المقدم أبو بكر يونس الذى كان خارج السودان وقت وقوع الانقلاب بمعرفة الرائد هاشم العطا.
لم يستمر هذا الانقلاب سوى ثلاثة أيام، إذ نجح نميرى (الذى تأجل إعدامه لحين حضور المقدم أبو بكر يونس من الخارج) فى الهروب من محبسه حافى القدمين واستقل سيارة عسكرية متوجهًا إلى قيادة الجيش واستعاد سيطرته على الأوضاع وفوجئ به السودانيون يخرج فى سيارة عسكرية مكشوفة يطوف شوارع الخرطوم معلنًا إسقاط الانقلاب ضده.
qqq
وبعد محاكمة عسكرية لقادة الانقلاب حضر نميرى جلساتها وشارك فيها بشراسة كبيرة صدر الحكم بإعدامهم جميعًا، غير أن الرئيس السادات وبطلب من الاتحاد السوفيتى قام بدور الوساطة واتصل بنميرى طالبًا منه تخفيف حكم الإعدام، إلا أنه أبلغه أن طلبه جاء متأخرًا إذ أن الإعدام تم تنفيذه، والحقيقة أن نميرى كذب على السادات إذا لم يكن حكم الإعدام قد نفذ وجرى تنفيذه لاحقًا بعد اتصال السادات.
بعد ذلك تعرض نميرى لمحاولات انقلابية متعددة منذ عام 1973.. نجح فى إحباطها جميعًا بما فيها محاولة ما سُمى بالغزو الفاشل والذى أعدته قوى حزبية معارضة على رأسها حزب الأمة بزعامة الصادق المهدى وبدعم مالى وعسكرى ولوجستى من الرئيس الليبى معمر القذافى، وهى المحاولة التى استهدفت غزو الخرطوم للاستيلاء على الحكم وإسقاط نميرى.
qqq
رغم كل المحاولات الانقلابية ضده استطاع نميرى البقاء فى السلطة طوال 16 عامًا بقبضة حديدية وبحكم استبدادى وبمناورات ومرواغات سياسية غير فيها بوصلته السياسية عدة مرات متنقلًا بين اليمين واليسار، ثم اتجه إسلاميًا بتحالفه مع الإخوان المسلمين بزعامة د. حسن الترابى والذى سرعان ما انقلب عليه لاحقًا فى أواخر حكمه.
وبينما اتجه نميرى لاستقطاب ولاءات الطرق الصوفية فى أرجاء السودان والتى أقامت له احتفالات مبايعته كإمام للمسلمين، فقد كانت قوانين الشريعة الإسلامية التى عُرفت بقوانين سبتمبر عام 1983 المشئومة بداية اهتزازه السياسى، حيث لاحظ السودانيون دخوله مرحلة الهذيان السياسى والدينى، وبدا نظام حكمه آيلًا للسقوط حتى سقط مدويًا بعد أقوى انتفاضة شعبية ضد حكمه فى تاريخ السودان السياسى يوم السادس من أبريل عام 1985.
qqq
أمام تلك الانتفاضة غير المسبوقة.. جاء انحياز الجيش بقيادة الفريق أول سوار الذهب وزير الدفاع للثورة وخيار الشعب السودانى والإعلان عن إسقاطه والاستيلاء على السلطة لينتهى بذلك حكم النميرى بعد 16 عامًا من الحكم العسكرى الاستبدادى الذى أنهك اقتصاد السودان وقدراته العسكرية خاصة فى الحرب فى الجنوب وسط سياسات وممارسات قمعية لم يكن ممكنًا أن يتحملها الشعب السودانى أكثر من ذلك.
qqq
ولقد سجل التاريخ السياسى السودانى أن الفريق أول سوار الذهب الذى رأس المجلس العسكرى الانتقالى قد أوفى بتعهده بتسليم السلطة إلى سلطة مدنية فى نهاية مرحلة انتقالية مدتها سنة واحدة، وهو ما حدث بالفعل بتشكيل الحكومة المدنية المنتخبة انتخابًا ديمقراطيًا برئاسة الصادق المهدى، حيث تولى السيد أحمد الميرغنى (شقيق السيد محمد الميرغنى زعيم الحزب الاتحادى وجماعة الحتمية) منصب رأس الدولة.
qqq
ومما يذكر عن تلك الفترة أنه فى اللحظة التى أعلن فيها سوار الذهب الانحياز للثورة فى صباح 6 أبريل كان النميرى يهبط بطائرته فى مطار القاهرة عائدًا من زيارته للولايات المتحدة، حيث كان الرئيس مبارك فى استقباله، غير أن د. أسامة الباز مستشاره السياسى همس فى أذنه بما جرى فى الخرطوم وأن النميرى لم يعد رئيسًا للسودان، وقتها رفض الرئيس مبارك عودة نميرى للخرطوم رغم إصراره على الإقلاع بطائرته، وكان ذلك مسلكًا حكيمًا جنب السودان العنف والفوضى بقدر ما كان احترامًا كبيرًا للشعب السودانى.
وللحديث بقية. n

أسامة أيوب