رئيس التحرير
رسائل الرئيس.. ومستقبل القارة الذهبية
By m kamalيونيو 01, 2026, 16:28 م
30
في الاحتفالية التي نظمتها جامعة القاهرة السبت قبل الماضي، تحت عنوان «يوم إفريقيا» والتي جاءت إحياءً للذكرى السنوية لتأسيس “منظمة الوحدة الإفريقية” (والتي تُعرف اليوم باسم الاتحاد الإفريقي) جاءت كلمة الرئيس السيسي عبر الفيديو كونفرانس تحمل العديد من الرسائل.
فالقارة الذهبية كما أحب أن أسمّيها، قارة تمتلك من الموارد ما يمكنها أن تصبح قوة اقتصادية وبشرية وسياسية ضخمة، تساهم فى تنمية شعوبها، فى ظل استمرار استهداف القوى الكبرى لموارد القارة للإبقاء عليها فى حالة من عدم الاستقرار.
الاحتفال الذي جاء تحت رعاية وزارتي الخارجية والتعليم العالي، وتحت قبة جامعة القاهرة التاريخية التي كانت شاهدًا على تخرج العديد من أبناء القارة، ومنبرًا تحدث من خلاله العديد من قادة وزعماء دول القارة الإفريقية فأسمعوا العالم رسالتهم.

صورة تم اعدادها بالذكاء الاصطناعى
لقد أصبح هذا اليوم رمزًا سنويًا للاحتفاء بالهوية الإفريقية المشتركة، واستعراض ما حققته دول القارة من مكاسب سياسية واقتصادية، فضلاً عن كونه منصة لإعادة تقييم التحديات ومناقشة طموحات المستقبل مثل “أجندة إفريقيا 2063”.
(1)
جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي محملة برسائل سياسية واقتصادية واستراتيجية، معبّرة عن صياغة للرؤية المصرية تجاه إفريقيا فى لحظة دولية شديدة الاضطراب، تتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ والثروات والأسواق والممرات الحيوية داخل القارة.
أولى الرسائل المهمة فى كلمة الرئيس كانت التأكيد على أن إفريقيا لم تعد “قارة الأزمات” كما حاولت بعض القوى الغربية تصويرها لعقود، بل “قارة الفرص”.
حين تحدث الرئيس عن أن القارة “تقف اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من البناء والتنمية، مستندة إلى ما تمتلكه من إمكانات هائلة وموارد غنية وقبل ذلك؛ إلى إرادة شعوبها وعزيمتها الراسخة، فى تعظيم الاستفادة من ثرواتها”، فالرئيس يرسل رسالة مزدوجة:
الأولى، للداخل الإفريقي بأن زمن التبعية يجب أن ينتهي، والثانية للخارج بأن إفريقيا باتت تمتلك أوراق قوة حقيقية من موارد وطاقة وسوق بشرية ضخمة وشباب يمثلون الكتلة الديموغرافية الأسرع نموًّا فى العالم.
كما حملت الكلمة بعدًا سياسيًا واضحًا يتعلق بفكرة “الاستقلال الإفريقي”، فالرئيس أعاد التذكير بتاريخ منظمة الوحدة الإفريقية ونضال التحرر الوطني، وهو استدعاء ليس بريئًا سياسيًا، بل يرتبط بالواقع الحالي الذي تشهد فيه القارة صراع نفوذ دوليًا بين القوى الكبرى.
الرسالة هنا أن إفريقيا لا تريد أن تكون ساحة حرب باردة جديدة، بل شريكًا مستقلاً يحدد أولوياته بنفسه.
أما الرسالة الثانية، فجاءت مرتبطة بالظرف الدولي الراهن.
فالعالم يعيش حاليًا أزمات غذاء وطاقة وديون واضطرابات جيوسياسية، بينما تمتلك إفريقيا النسبة الأكبر من الأراضي الزراعية غير المستغلة والثروات المعدنية الاستراتيجية اللازمة للصناعات الحديثة والطاقة النظيفة.
لذلك فإن حديث الرئيس السيسي عن “مرحلة جديدة” يعكس إدراكًا بأن القرن المقبل قد يكون إفريقيًا اقتصاديًا إذا نجحت دول القارة فى حماية مواردها وتحويلها إلى تنمية حقيقية لا إلى غنائم للصراعات الدولية.
فالقارة الذهبية واحدة من أغنى بقاع الأرض بالموارد الطبيعية، حيث توصف غالبًا بأنها “الخزان الاستراتيجي للعالم”.
فوفقًا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) والبنك الدولي، تحتوي إفريقيا على حوالي 30% من إجمالي احتياطيات المعادن فى العالم، إلى جانب حصص ضخمة من مصادر الطاقة والأراضي الزراعية المتنوعة.
حيث تمتلك القارة حصصًا تشبه الاحتكار فى بعض المعادن الحيوية التي لا غنى عنها فى الصناعات التكنولوجية والعسكرية:
منها البلاتين والكروم حيث تحتضن إفريقيا (خاصة جنوب إفريقيا) نحو 90% من الاحتياطي العالمي لهذين المعدنين.
وكذا الكوبالت، حيث تمتلك جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدهـا أكثر من 60% من الاحتياطي العالمي للكوبالت، وهو المكون الأساسي لبطاريات السيارات الكهربائية والهواتف الذكية.
والألماس حيث تنتج القارة ما يقارب 50% من الألماس فى العالم (تتصدرها بوتسوانا، الكونغو، وجنوب إفريقيا).
أما الذهب، فتحتوي القارة على حوالي 40% من احتياطيات الذهب العالمية، وتعد غانا وجنوب إفريقيا والسودان من أبرز المنتجين.
بالإضافة إلى النفط والغاز، حيث تمتلك القارة الإفريقية حوالي 10% من احتياطيات النفط المؤكدة فى العالم، وتعد نيجيريا، أنجولا، الجزائر، ومصر من القوى النفطية الكبرى، فضلاً عن الاكتشافات الهائلة للغاز الطبيعي فى شرق وغرب القارة.
وكذا اليورانيوم حيث تنتج إفريقيا حوالي 20% من اليورانيوم العالمي (النيجر وناميبيا فى المقدمة).
أما الطاقة المتجددة، فبفضل موقعها الجغرافى، تمتلك إفريقيا أعلى إمكانات للطاقة الشمسية فى العالم.
إن التعاون بين دول القارة سيكون بمثابة نقلة نوعية فى مستقبل شعوبها.
ففي الوقت الذي يعاني فيه العالم بسبب سلاسل الإمداد وضعف الغذاء تمتلك القارة الإفريقية وحدها 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة فى العالم، وهي مساحات شاسعة صالحة لزراعة مختلف أنواع المحاصيل الغذائية والشجرية.
إن ما شهدته القارة خلال السنوات الخمس السابقة عقب توقيع اتفاقية التجارة الحرة القارية 2021 ساهمت فى زيادة حجم التجارة البينية لدول القارة لترتفع من 15% إلى 40% لكن تبقى مشكلة التصنيع المحلى هي الأزمة الأكبر.
على سبيل المثال، تصدر إفريقيا 70% من كاكاو العالم لتعيد استيراده كشيكولاتة، وتصدر النفط الخام لتستورد الوقود المكرر بالعملة الصعبة.
فمعظم هذه الموارد تصدر كمواد خام وتعاد صياغتها بالخارج، وهو ما تسعى اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) وأجندة 2063 لتغييره عبر توطين الصناعات وبناء سلاسل قيمة إفريقية مشتركة.
الرسالة الثالثة، وهي ضرورة الحفاظ على الدولة الوطنية وعدم المساس بسيادتها واستقلالها، ودعم وصون المؤسسات الوطنية كونها “حجر الأساس” والدرع الأول لمواجهة الأزمات المتشابكة، وترسيخ دعائم السلم والاستقرار لقطع الطريق أمام الفوضى والتطرف.
والحفاظ على السلم والأمن وتحقيق التكامل، بدلاً من التوترات والنزاعات وذلك فى إطار الجهود الرامية، إلى ترسيخ مبادئ الشراكة والتضامن الإفريقي.
لقد أكد الرئيس “أن جمهورية مصر العربية، مستندة إلى إرثها الإفريقي، تؤكد تمسكها الثابت؛ بضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة دول القارة الإفريقية، وصون مؤسساتها الوطنية باعتبار ذلك حجر الأساس، لمواجهة التحديات المتشابكة التي تواجهها القارة، ويرسخ دعائم السلم والأمن بها.”
فلم تغب التحديات الأمنية والسياسية الداخلية التي تواجه بعض دول القارة عن كلمة الرئيس السيسي، إذ جدد تمسك مصر الثابت بضرورة الحفاظ على وحدة وسلامة أراضي دول القارة الإفريقية.
لقد كانت مصر أول من نادى بضرورة إسكات البنادق ورفع صوت السلام والتنمية داخل القارة ولا تزال متمسكة بهذا المسار، بعد أن فقدت القارة جزءًا من مواردها بسبب النزاعات الداخلية.
(2)
الرسالة الرابعة أكدت ضرورة الحفاظ على أمن الممرات الحيوية وسلاسل الإمداد.
فى ظل التوترات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم، تطرق الرئيس إلى التداعيات السلبية التي طالت حركة التجارة الدولية وأمن الطاقة والغذاء، مشددًا على:
أهمية تعزيز التضامن وتوحيد الجهود الجيوسياسية بين دول القارة.
وصون حرية الملاحة البحرية وتأمين الممرات المائية الحيوية التي تمثل شريانًا رئيسيًا لاقتصادات الدول الإفريقية، باعتبار ذلك حماية للمصالح المشتركة وتحقيقًا للاستقرار، وذلك فى إطار من الالتزام بقواعد القانون الدولي.
الرسالة الخامسة والمهمة جاءت حول حوكمة الأنهار والأمن المائي كركيزة للسلام والتنمية والتكامل لا الصراع والصدام.
جاء تركيز الاتحاد الإفريقي هذا العام على “قضية المياه” ليتيح لمنبر القاهرة فرصة تأكيد الثوابت المصرية؛ حيث شدد الرئيس السيسي على ضرورة الالتزام الصارم بقواعد القانون الدولي المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود.
الانتقال نحو نهج متطور يقوم على الحوكمة الرشيدة للأنهار الإفريقية لضمان المنفعة المتبادلة وتحقيق التنمية المستدامة.
تغليب لغة السلام وحُسن الجوار لتبديد التوترات والنزاعات، وتحويل ملف المياه إلى مساحة للتكامل الإقليمي بدلاً من الصدام.
حيث قال الرئيس: “إن اختيار موضوع هذا العام للاتحاد الإفريقي، والمتمثل فى “قضية المياه”، له أهمية بالغة؛ باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لضمان استمرارية الحياة، وصون مقدرات الشعوب الإفريقية، وتحقيق التكامل الإقليمي.”
وأضاف الرئيس السيسي “وفى هذا السياق؛ فإننا نؤكد ضرورة احترام القانون الدولي، المنظم للأنهار الدولية العابرة للحدود، وضمان الإدارة الرشيدة لتلك الأنهار، واتباع نهج يقوم على حوكمة الأنهار الإفريقية، بما يحقق المصالح المشتركة، والمنفعة المتبادلة، وأهداف التنمية المستدامة، ويعزز مناخ السلام، والحفاظ على السلم والأمن وتحقيق التكامل، بدلاً من التوترات والنزاعات وذلك فى إطار الجهود الرامية، إلى ترسيخ مبادئ الشراكة والتضامن الإفريقي.”
ووفقًا لتقارير برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) والبنك الإفريقي للتنمية، تحتوي إفريقيا على 63 حوضًا نهريًا عابرًا للحدود الدولية؛ وهي تغطي حوالي 64% من المساحة الإجمالية لليابسة فى القارة، وتضم وحدهـا أكثر من 90% من إجمالي المياه السطحية المتجددة فيها.
إن القارة الإفريقية تستقبل كميات هائلة من الأمطار سنويًا، لكنها تتوزع بشكل غير متساوٍ على الإطلاق (مفارقة جغرافية بين الوفرة والجفاف) ويبلغ إجمالي الأمطار الساقطة على مجمل القارة الإفريقية حوالي 20,000 مليار متر مكعب سنويًا.
يبلغ حجم المياه المتجددة من هذا الإجمالي الضخم، حوالي 4,000 مليار متر مكعب أي 25% فقط من تلك الكمية يتحول إلى مياه سطحية متجددة تجري فى الأنهار والبحيرات أو تغذي المياه الجوفية، بينما تتبخر النسبة الأكبر بسبب حرارة الطقس.
تكمن المشكلة الأساسية فى إفريقيا بـ”مفارقة المكان والزمان” فنصف مياه القارة تقريبًا يتركز فى دولة واحدة وهي جمهورية الكونغو الديمقراطية نظرًا لغزارة الأمطار هناك، بينما تعاني مناطق أخرى (شمال وشرق القارة) من جفاف شديد، وهو ما يجعل “إدارة الأنهار العابرة للحدود” قضية أمن قومي وتنمية تتطلب اتفاقيات دولية عادلة تضمن عدم الإضرار بالحقوق التاريخية للدول ومصبات الأنهار.
(3)
الرسالة السادسة جاءت تؤكد على الشراكة التنموية بين مصر ودول القارة وحرص مصر على تفعيل “أجندة إفريقيا 2063”.
فقد أكد الرئيس فى كلمته أن مصر ستظل شريكًا فاعلاً فى البناء التنموي مع الأشقاء عبر تفعيل المشروعات المشتركة وتبادل الخبرات، مستندة إلى إرثها التاريخي ومواردها البشرية.
حيث قال الرئيس السيسي: “ستظل مصر شريكًا فاعلاً، فى دعم مسيرة التنمية والبناء بالدول الإفريقية الشقيقة من خلال تبادل الخبرات، وتنفيذ المشروعات، والانفتاح على التعاون مع مختلف الشركاء الدوليين وذلك فى إطار من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، تحقيقًا لأولويات شعوب ودول القارة.”
كما أبرزت الكلمة استعداد مصر لتجسيد هذا الدور عمليًا من خلال ترحيبها باستضافة قمة الاتحاد الإفريقي التنسيقية الثامنة خلال شهر يونيو 2026، والتي ستكون محطة محورية لتقييم مسار التكامل الإقليمي وتنفيذ الخطة العشرية الثانية لأجندة 2063.
إن كلمة الرئيس السيسي فى يوم إفريقيا، جاءت بمثابة “خارطة طريق” مصرية واضحة تجمع بين الحفاظ على الأمن القومي (المائي والبحري)، ودعم استقرار الجوار الإقليمي، والدفع بقطار التنمية المستدامة. وهي تؤكد مجددًا أن رهان مصر على عمقها الإفريقي هو خيار استراتيجي ثابت تتشارك فيه المصالح والآمال بمستقبل أكثر رخاءً وازدهارًا لشعوب القارة الذهبية كافة.
فى الوقت ذاته تقف إفريقيا أمام لحظة تاريخية فارقة؛ فإما أن تستمر كمُصدر للمواد الخام ومستهلك للمنتجات الأجنبية، وإما أن تتحول إلى قوة اقتصادية صناعية تمتلك قرارها وثرواتها وسلاسل إنتاجها.
ويمثل التكامل الإفريقي المدخل الحقيقي لتحقيق هذا التحول، من خلال تعزيز التجارة البينية، وبناء الصناعات المشتركة، ووقف استنزاف الموارد، وتحقيق التنمية المستدامة لشعوب القارة.
إن ثروات إفريقيا قادرة على تغيير وجه القارة بالكامل، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا أصبحت هذه الموارد أساسًا لبناء اقتصاد إفريقي مستقل ومتطور، يضع مصالح الشعوب الإفريقية فوق أي اعتبارات أخرى، ويحوّل القارة من ساحة للتنافس الدولي إلى شريك فاعل ومؤثر فى الاقتصاد العالمي.