https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

زيارة مسقط وأبوظبي.. رسائل ودلالات معاً فى مواجهة التحديات

32

ففي السياسة، لا تقاس أهمية الزيارات بعدد ساعاتها، بل بتوقيتاتها. وحين يتحرك الرئيس عبد الفتاح السيسي نحو الإمارات ثم سلطنة عُمان فى هذا التوقيت الإقليمي المشتعل، فإن الأمر يتجاوز كثيرا حدود “اللقاءات الثنائية” أو “التشاور الدوري”. نحن أمام تحرك يحمل رسائل استراتيجية مرتبطة بشكل المنطقة خلال المرحلة المقبلة، لا مجرد متابعة للأحداث الجارية.

فالشرق الأوسط يقف اليوم فوق صفيح ساخن، حرب مفتوحة الاحتمالات، فى ظل توتر أمريكي إيراني يتأرجح بين الانفجار والتهدئة، اقتصاد عالمي مرتبك، وأسواق طاقة تخشى اشتعال شرارة المواجهة مرة أخرى قرب مضيق هرمز أو بحر عمان. وفى قلب هذا المشهد، تتحرك القاهرة بخطوات محسوبة لإعادة تثبيت معادلة قديمة جديدة: أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

(1)

الإثنين الماضي أعلنت الإمارات عن قيام إيران باستهداف عدد من المنشآت المدنية فى الفجيرة أدى إلى إصابة ثلاثة مقيمين من الجنسية الهندية.

التصعيد الإيراني الذي جاء خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار، سعت طهران عبر التليفزيون الرسمي إلى نفيه، وهو ما يضع علامة استفهام كبرى حول المشهد؛ فى الوقت ذاته كانت هناك موجة إدانة كبرى ضد ما قامت به طهران من إطلاق صواريخ ومسيرات تجاه الإمارات ودول الخليج العربي، والذي بلغ 4900 صاروخ ومسيرة أي أن 85% من المسيرات والصواريخ الإيرانية كانت باتجاه دول الخليج وليست أمريكا وإسرائيل.

مصر كانت فى مقدمة الدول التي أكدت على أن ما قامت به إيران يعد خرقا للقانون الدولي، ويؤدى إلى توسيع رقعة الصراع، مطالبة بضرورة الوصول إلى حل سياسي وفق المسار الدبلوماسي.

الموقف المصري لم يكن ردا على الحدث الأخير بل هو موقف ثابت منذ بدء الأزمة وحتى الآن مرتكز على ثوابت واضحة وهو أن أمن الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر، وأن أي مساس بأمن أي من دول الخليج هو مساس بالأمن القومي المصري وهو ما لا يمكن السماح به.

الرئيس السيسي ومنذ اللحظة الأولى للأزمة حذر من توسيع رقعة الصراع لما له من آثار مدمرة على استقرار المنطقة والعالم.

لقد حرص الرئيس على مواصلة الدعم والتنسيق والتشاور مع الأشقاء فى دول الخليج العربي خلال تلك الأزمة، والتأكيد على التضامن المصري الكامل مع الأشقاء فى مواجهة أي محاولة للمساس بأمن أي من تلك الدول أو الدفع بها لدخول الصراع لتوسيع المواجهات.

فى نهاية الأسبوع الماضي قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بزيارة إلى دولة الإمارات العربية أتبعها بزيارة إلى سلطنة عمان.

لم تكن تلك هي الزيارة الأولى التي يقوم بها الرئيس السيسي منذ بدء الأزمة نهاية شهر فبراير الماضي بل كانت الزيارة الثانية ففي مارس الماضي وعقب تصاعد حدة المواجهات العسكرية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر حرص الرئيس السيسي على زيارة كل من الإمارات وقطر والبحرين والمملكة العربية السعودية أكد خلالها على تضامن مصر الكامل مع الأشقاء فى مواجهة أي عدوان، كما أكد على رفض مصر لأى عدوان من قبل إيران إو غيرها على دول الخليج العربي فهو يعد خرقا للقانون الدولي وانتهاكا لسيادة الدول.

الزيارات الأربع فى ذلك التوقيت عبرت عن قوة ومتانة العلاقات المصرية الخليجية وهو ما جعل قوى الشر تسعى لإشعال الفتنة بين مصر وأشقائها عبر الفضاء الأزرق (السوشيال ميديا) فقط، فمساحات الفضاء الإلكتروني يعمل فيها عدد كبير من أجهزة الاستخبارات لذرع الفتنة بين الشعوب.

لكن الواقع غير ذلك تماما، فالعلاقات المبنية على ثوابت راسخة أكثر قوة ومتانة فى مواجهة مثل تلك المحاولات الخبيثة.

فموجة إشعال الفتنة لم تصمد طويلا أمام قوة ومتانة العلاقة بين مصر وأشقائها العرب سواء على المستوى الشعبي أو على مستوى القيادة والحكومات.

ففى الوقت الذي كانت تدفع فيه صفحات السوشيال ميديا بعدد من الشخصيات باتجاه إشعال الفتانة وبث روح الفرقة بين مصر وأشقائها كان التحرك على أرض الواقع ينفى ذلك تماما بل ويؤكد قوة ومتانة تلك العلاقة.

(2)

الزيارة التي قام بها الرئيس السيسي لكل من أبو ظبي ومسقط لم تكن زيارة لإعلان التضامن مع الأشقاء فى مواجهة الاعتداءات الإيرانية فحسب فهذا أمر ثابت وراسخ وأكد عليه الرئيس السيسي أكثر من مرة؛ بل حملت الكثير من الدلالات والرسائل.

 فقد سبق تلك الزيارة اتصالات هاتفية أجراها الرئيس السيسي مع كل من الشيخ محمد بن زايد والسلطان هيثم بن طارق يومي الثلاثاء والأربعاء وخلال تلك الاتصالات تم التأكيد على رفض مصر الكامل لأي اعتداء على دول الخليج العربي، أو المساس بأمنه القومي.

وجاءت الزيارة الخميس الماضي تأكيدا على وقوف مصر إلى جانب الأشقاء العرب بشكل واضح للجميع وكما ذكرت أنها لم تكن الزيارة الأولى للمنطقة فى ظل التوترات الحالية.

زيارة الرئيس إلى الإمارات العربية المتحدة ثم سلطنة عُمان ليست جولة بروتوكولية عادية، بل تحمل عدة رسائل ثقيلة فى توقيت إقليمي شديد الحساسية، خصوصا مع التصعيد الإيراني الخليجي باتجاه عدد من دول الخليج وفى مقدمتهم الإمارات، ومحاولات إعادة رسم توازنات المنطقة.

ومن أبرز تلك الرسائل والدلالات:

 الرسالة الأولى فى الجولة كانت واضحة؛ مصر لن تقف بعيدًا عن أشقائها الخليجيين فى لحظة التهديد، وهو تثبيت واقعي للمعادلة “أمن الخليج من أمن مصر”.

فالمنطقة شهدت خلال الأسابيع الأخيرة تصاعدًا فى الخطاب العسكري والسياسي، وسط تحذيرات من اتساع دائرة المواجهات أو انتقالها إلى منشآت الطاقة والممرات البحرية. وبالتالي فإن وجود الرئيس السيسي فى أبو ظبي تحديدا يحمل بعدا رمزيا يتجاوز المجاملات السياسية، إنه إعلان تضامن مباشر مع الإمارات فى لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

تصريحات السيسي الواضحة بأن “ما يمس الإمارات يمس مصر” تعني أن القاهرة تريد إرسال رسالة ردع سياسية مباشرة بأن أي تهديد لدول الخليج لن ينظر إليه كأزمة بعيدة، بل كمساس بالأمن القومي المصري نفسه.

 الرسالة الثانية: ضرورة وجود تنسيق عربي قبل أي تسويات كبرى.

المنطقة تبدو على أبواب ترتيبات جديدة: حديث عن تهدئة بين واشنطن وطهران، وضغوط دولية لخفض التصعيد. مصر تتحرك مبكرًا حتى لا تُفرض ترتيبات تخص الخليج أو فلسطين أو الملاحة والطاقة دون حضور عربي مؤثر.

المرحلة الحالية تتطلب بناء أكبر قدر ممكن من التنسيق العربي، خصوصًا فى الملفات الحساسة والتعامل مع التمدد الإقليمي للقوى غير العربية.

 الرسالة الثالثة: دعم الإمارات سياسيا وأمنيا بعد التهديدات الأخيرة.

الزيارة جاءت بعد تصاعد الحديث عن هجمات وتهديدات مرتبطة بإيران، وبالتالي فالحضور المصري فى أبو ظبي يحمل بعدًا معنويًا واستراتيجيًا: “الإمارات ليست وحدها”.

 الرسالة الرابعة: مسقط ليست مجرد عاصمة خليجية هادئة، بل واحدة من أهم قنوات الاتصال السياسية فى المنطقة.

 لعبت عُمان تاريخيا دور الوسيط الصامت بين إيران والغرب، وكانت فى أوقات كثيرة الممر الآمن للرسائل والتفاهمات المعقدة.

وبالتالي فإن زيارة السيسي إلى مسقط فى تلك الجولة تحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، فهي تعني أن القاهرة جزءا من أي مسار تفاوضي أو تهدئة قادمة، لا مجرد متفرج على تفاهمات تُطبخ بعيدا عنها.

 الرسالة الخامسة: حماية الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية، فإن أي انفجار كبير فى الخليج يعني ضربات مباشرة لأسعار الطاقة، والممرات البحرية والتجارة العالمية.

 لذلك جاء التحرك المصري وهو ليس سياسيًا فقط، بل اقتصاديا أيضًا؛ لأن القاهرة تدرك أن أي فوضى فى مضيق هرمز أو بحر عُمان ستنعكس فورا على الاقتصاد العالمي وأيضا على الاقتصاد المصري، فمصر تدرك أن الاستقرار الإقليمي أصبح ضرورة اقتصادية لا رفاهية سياسية.

كما أن الزيارة تعد محاولة استباقية لحماية المصالح الاقتصادية العربية المشتركة، ومنع انزلاق المنطقة إلى سيناريوهات قد يدفع الجميع ثمنها.

 الرسالة السادسة: إعادة تأكيد دور مصر الإقليمي.

فالجولة تقول عمليا إن مصر ما زالت “رمانة الميزان” عربيا، وأنها تتحرك كلاعب إقليمي رئيسي، لا كدولة تتابع الأحداث من بعيد.

 لذلك نلاحظ كثافة التنسيق المصري الخليجي خلال السنوات الأخيرة.

كما تعكس الزيارة طبيعة السياسة المصرية الحالية، القائمة على التوازن وتجنب الاستقطاب الحاد.

فالقاهرة تحاول الحفاظ على علاقات مستقرة مع كافة الأطراف، دون الانخراط فى مغامرات أو محاور صدامية مفتوحة.

هي تتحرك وفق فكرة “التهدئة مع الجاهزية”، أي دعم الاستقرار الإقليمي مع الاحتفاظ بقدرتها على حماية مصالحها ومصالح حلفائها.

لقد جاءت الزيارة الأخيرة للرئيس عبد الفتاح السيسي لكل من الإمارات وعمان لتكشف جانبا مهما فى حجم التضامن المصري مع الأشقاء خلال الأزمة الحالية، وصدق مصر فيما أعلنته من مسارات وما حددته من خطوط حمراء.