https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

الطريق إلى 13.5 مليون فدان .. الاستثمار في المستقبل

28

على بعد 30 دقيقة من مدينة السادس من أكتوبر، وبطول 120 كم وعمق 60: 70كم على امتداد طريق محور روض الفرج -الضبعة الجديد، يقف مشروع الدلتا الجديدة شاهدا على نجاح المصريين فى تحقيق مشروع تنموي من أكبر وأضخم المشروعات التنموية، بداية تحقيق حلم 4.5 مليون فدان، ولست مبالغا إذا قلت إنه أكبر مشروعات التنمية الزراعية على مدى تاريخ مصر، إنه الاستثمار فى المستقبل.

عندما يكون لديك هدف؛ لا بد أن تمتلك رؤية وهذا أمر جيد.. هنا يجب أن تكون تلك الرؤية مبنية على أسس علمية دقيقة ومخطط تنفيذي احترافي.. وفي تلك الحالة ستكون قد اتخذت خطوة حقيقية نحو بناء المستقبل.

ولكي تكون الرؤية قابلة للتنفيذ لا بد من دراسة الواقع وتحدياته، واستشراف ما قد يطرأ عليه من متغيرات حتى لا تواجه تلك الرؤية بمعوقات توقفها وتعطل تنفيذها.

الدول الكبرى دائما ما تعمل من أجل تحقيق غايتها القومية، وهنا لا بد من رؤية استراتيجية واضحة ومحددة لتخطيط المسارات للوصول إلى الغاية القومية وهو ما عملت عليه الدولة المصرية فى العقد الأخير.

خلال العقود الثلاثة الأخيرة تعرضت اقتصادات العالم لهزات متلاحقة، لم يعد الاستثمار فى التنمية الزراعية رفاهية أو خيارا مؤجلًا، بل أصبح قضية أمن قومي وحائط الصد الأول أمام أزمات الغذاء والتضخم وتقلبات الأسواق العالمية.

فالدول التي تملك القدرة على إنتاج غذائها، تملك فى الحقيقة جزءا كبيرا من قرارها السياسي والاقتصادي، بينما تبقى الدول المعتمدة على الاستيراد رهينة للأزمات الدولية والحروب وسلاسل الإمداد المضطربة.

وجاءت السنوات الأخيرة، لتثبت التجارب أن الزراعة لم تعد مجرد نشاط تقليدي مرتبط بالريف أو المواسم، بل تحولت إلى قطاع استراتيجي قادر على جذب الاستثمارات، وتوفير ملايين فرص العمل، ودعم الصناعة والتصدير، وتحقيق التنمية المستدامة. ومع تزايد عدد السكان وارتفاع أسعار الغذاء عالميا، باتت الحاجة ملحة إلى التوسع فى الرقعة الزراعية، وتحديث أساليب الري، واستخدام التكنولوجيا الزراعية الحديثة، بما يضمن زيادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء وتقليل فاتورة الاستيراد.

وفى مصر، تبدو التنمية الزراعية اليوم واحدة من أهم معارك المستقبل، ليس فقط لتأمين الغذاء، ولكن أيضًا لبناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود فى مواجهة الأزمات. فكل فدان يُستصلح، وكل مشروع زراعي جديد، لا يضيف فقط محصولا إلى الأسواق، بل يضيف استقرارا إلى الدولة وأملا إلى ملايين المواطنين.

من هنا كانت رؤية الدولة المصرية فى العقد الأخير أن تضع التنمية الزراعية هدفا استراتيجيا لها ضمن أهدافها القومية لتحقيق الغاية الكبرى.
وعلى مدى 9 سنوات تقريبا تحولت الفكرة إلى مشروع والحلم إلى واقع.

والآن ونحن نقترب من انتصاف عام 2026 ونقترب من 2027 وهي المدة المحددة للمرحلة الثالثة لاكتمال الحلم ينبغي علينا أن نتوقف قليلا لنرى أين كنا وكيف أصبحنا وإلى أين نتجه.

فعقب تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي المسئولية كان هناك هدف استراتيجي وهو ضرورة زيادة الرقعة الزراعية لتعويض ما حدث لها من تآكل خلال العقد الأخير فى الألفية الثانية والعقد الأول من الألفية الثالثة (1990-2010) بل إن عامي 2011 و2012 بلغت حالات التعدي على الأرض الزراعية مليونًا و800 ألف حالة تعدٍ بمساحة بلغت 80 ألف فدان من أجود الأراضي الزراعية بحسب تقرير الإدارة المركزية لحماية الأراضي بوزارة الزراعة.

البداية كانت مشروع استصلاح مليون ونصف المليون فدان، ثم مشروع 100 ألف فدان من الصوب الزراعية.
ثم جاءت الفكرة الأكبر”مشروع مستقبل مصر للتنمية المستدامة” فى يوليو 2017 من أجل توفير منتجات زراعية بجودة عالية لتغطية احتياجات السوق المحلى وتصدير الفائض.

هنا لا بد أن نتوقف قليلا عند مجموعة من الحقائق ليكون المشهد كاشفا؛ فقد بلغت مساحة الأرض الزراعية فى مصر بالوادي والدلتا فى بداية عهد محمد على 2 مليون فدان وكانت تعتمد معظمها على مياه الفيضان، فقام بإنشاء الترع والقناطر لتنظيم الري لتزيد المساحة إلى 3.9 مليون فدان خلال 43 عاما استطاع خلالها زيادة مساحة الأرض المنزرعة 1.9 مليون فدان جميعها كانت أراضٍ تغمرها مياه الفيضان.

ثم جاء إسماعيل ليضيف الى تلك المساحة 900 ألف فدان وكان التحدي الأكبر خلال فترة محمد على وإسماعيل هي شق الترع وإنشاء القناطر لتنظيم الري، أما الأراضي فكانت قريبة من النيل وفرعيه، ثم زادت تلك المساحة لتصل إلى 5.7 مليون فدان فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر وأضاف الرئيس السادات 119 ألف فدان للرقعة الزراعية من أراضي الاستصلاح فى الوادي الجديد والصحراء الغربية رغم أن الدولة كانت فى فترة اقتصاد حرب.

وخلال فترة حكم الرئيس مبارك، أضاف للرقعة الزراعية 2.7 مليون فدان على مدى ثلاثة عقود، وكان التحدي الأكبر هو توفير المياه لأراضي الاستصلاح، خاصة أن عملية زراعة الأراضي الصحراوية من المشروعات ذات التكلفة العالية.
ما سبق كان محاولة لكشف جزء مهم من الصورة.. وحجم التحديات التي تواجه التنمية الزراعية حاليًا، الأمر الذى يجعل تلك المشروعات هي بمثابة بناء قوى للمستقبل فى ظل عدة متغيرات دولية وأزمات جعلت امتلاك الدولة لمواردها الزراعية هو جزء مهم من الأمن القومي.
فتوفير الغذاء يساهم فى استقرار الدول، من هنا كانت الرؤية أن يتم العمل لمواجهة التحديات وتحويل الأزمات إلى فرص والمحن إلى منح؛ ولم يكن ذلك ليحدث ما لم تكن هناك رؤية دقيقة وإرادة قوية وقيادة واعية.
لم يكن مشروع “مستقبل مصر” مشروعا جديدا تحول من فكرة إلى واقع فحسب بل مشروعا متكاملا يقدم نموذجا على إرادة الدولة فى مواجهة التحديات، كما يوضح أن الدول عندما تمتلك رؤية وإرادة فلا بد لها من أن تنجح فى مواجهة التحديات.
تم إنشاء جهاز مستقبل مصر ليتوافق مع رؤية مصر للتنمية المستدامة؛ وفى الوقت الذي كانت مصر تواصل حربها ضد الإرهاب فى الاتجاه الاستراتيجي الشرقي والغربي؛ كانت الرؤية المتكاملة لبناء الدولة المصرية يجرى تنفيذها باحترافية ودقة شديدة فى كل أنحاء الدولة المصرية.
كان العمل يجرى فى محور الضبعة – القاهرة وكان البعض يرى أن الهدف من المشروع هو تقصير المسافة بين القاهرة ومطروح والساحل الشمالي؛ نظرا لأن الطريق عقب افتتاح كوبري تحيا مصر فى مايو 2019 وربطه بمحاور شرق القاهرة أدى إلى تقليل زمن الرحلة ما يزيد على الساعة والنصف.
لكن الحقيقة أن المشروع كان له عدة أهداف منها إنشاء مناطق تنموية على جانبي المحور وهو ما قام به جهاز مستقبل مصر من إنشاء للدلتا الجديدة على مساحة 2.2 مليون فدان، ضمن مخطط استهدف زيادة 4.5 مليون فدان تضاف إلى الأرض الزراعية.
هنا كان التحدي الأكبر فى ظل الشح المائي الذي تعاني منه مصر، والحرص على حماية الخزان الجوفى وعدم الإفراط فى استخدامه من أجل الأجيال القادمة.
كانت الرؤية العملية هي إعادة الاستفادة من مياه الصرف بعد معالجتها المعالجة الثلاثية وفق المقاييس العالمية.
تم إنشاء محطة المعالجة الكبرى بزمام مدينة “الحمام” لإعادة معالجة مياه الصرف الزراعي لغرب الدلتا، بطاقة بلغت 7.5 مليون متر مكعب/يوم، لتصبح أضخم مشروعات معالجة المياه فى العالم.
ويتم إنشاء أكبر شريان مائي صناعي فى الصحراء الغربية يعتمد على مياه الصرف المعالج وجزء من مياه نهر النيل والمياه الجوفية لتوفير المياه للمشروع.
ويعد هذا المشروع أيضا من أكبر المشروعات الصناعية لنقل المياه للزراعة، ويتضمن 114 كم من القنوات المائية (ترع مكشوفة ومواسير تحت الأرض)، و12 محطة رفع عملاقة لرفع المياه للمناطق المرتفعة.
من أجل توفير مياه ري مستدامة لمشروع الدلتا الجديدة، وتقليل الضغط على نهر النيل، وتحقيق التنمية الزراعية.
ولم تكن عملية توفير المياه هي التحدي الوحيد للمشروع لكن الاستغلال الأمثل للمياه أيضا، وكذا سلاسل الإمداد وتحقيق قيمة مضافة للمنتجات الزراعية المنتجة.
كان العمل بالمشروع وفق أحدث النظم العالمية فى الزراعة لتقليل استخدام المياه وجودة المنتج ولأن تكلفة الاستصلاح للأراضي الصحراوية عالية كانت رؤية الدولة أن يقوم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة بتلك المهمة، لضمان تحقيق الهدف (زيادة الرقعة الزراعية لتصل إلى 13.5 مليون فدان).
فالتجارب السابقة التي اعتمدت عليها الدولة المصرية فى عهود سابقة، من تخصيص أراضٍ لعدد من المستثمرين ظلت لسنوات ليست سوى لافتة تحمل اسم المشروع وعدة أفدنة لا تتجاوز أصابع اليدين مجتمعة، واستراحة يصل إليها رجل الأعمال وباقي المساحة المخصصة لم يتم تنميتها.
هنا كانت الرؤية أن الأرض يتم تنميتها أولا، ثم تكون هناك شراكات للتوسع فى المشروعات أو إنشاء مناطق صناعية بالمشروع لتحقيق قيمة مضافة للمنتجات فتم إنشاء منطقتين صناعيتين؛ وكانت أولى المناطق الصناعية للدلتا الجديدة على مساحة ١٠٠٠ فدان التي تشتمل على مصانع (العلف والبصل الثوم والمجفف والمركزات والخضار والفواكه المجمدة وبطاطس نصف مقلية وسكر ونشا وجلوكوز) وغيرها من مشروعات التصنيع الزراعي.
تصل كميات الخام المستخدم فى المرحلة الأولى من المنطقة الصناعية حوالي ٣ ملايين طن بإنتاج يصل إلى حوالي ١,٥ مليون طن منتجات سنويا.
يحتوي مجمع الصناعات الغذائية على صناعات (العصائر والبقوليات والوجبات الجاهزة والمربى والصلصة واللحوم المصنعة) بطاقة استيعابية للخام ٤٧٠ ألف طن خام وإنتاج يصل إلى حوالي ٥٥٠ ألف طن منتجات سنويا.
يقوم الجهاز بالتوسع فى مشروعات التخزين الاستراتيجي المتمثل فى (صوامع تخزين الغلال بطاقة ٦٠٠ ألف طن وثلاجات تبريد وتجميد سعة ٩٠ ألف طن).
بالإضافة إلى بورصة سلعية تقع على تقاطع الطريق الدائري الإقليمي مع محور الضبعة، والذي يمثل ربطا لتداول المنتجات الزراعية بين الدلتا القديمة والجديدة.
واصل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة خطواته فى تحقيق الهدف، الذي تأسس من أجله والمتوافق مع رؤية مصر 2030.
وتوسعت مشروعاته فى كل من المنيا وبني سويف والفيوم وأسوان والداخلة والعوينات لتحقيق حلم ٤,٥ مليون فدان بحلول عام ٢٠٢٧.
كما عقد شراكات مع عدد من رجال الأعمال المصريين من أجل تعزيز تكامل سلاسل الإنتاج والتوزيع، بما يساهم فى إتاحة منتجات بجودة أفضل وأسعار تنافسية، ويحقق مردودًا مباشرًا للمواطن.
وبحسب الدكتور بهاء الغنام رئيس الجهاز، أكد أن جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة يعمل وفق استراتيجية طموحة تترجم رؤية القيادة السياسية نحو التنمية الإنتاجية الشاملة.
ولا يقتصر هدفه على تنفيذ مشروعات كبرى فحسب، بل يركز بشكل أساسي على تحقيق نمو اقتصادي ينعكس أثره بشكل مباشر على حياة المواطن المصري، من خلال توفير السلع الأساسية وتعزيز الأمن الغذائي القومي.
لقد ساهم نجاح جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة فى تقليل حجم الواردات المصرية من القمح بالرغم من زيادة الاستهلاك نظرا للزيادة السكانية.
يرجع ذلك إلى زيادة المساحة المنزرعة بالقمح المحلى وأيضا زيادة كمية الإنتاج للفدان فى ظل التعاون الكبير بين جهاز مستقبل مصر ومركز البحوث الزراعية، حيث تم الاستفادة من تطوير أصناف التقاوي ذات الإنتاجية الأعلى، التي بلغت ما بين 22 إلى 24 أردبًا للفدان، بالإضافة إلى تقليل الفاقد من التخزين، حيث ساهمت منظومة الصوامع إلى تقليل الفاقد لما يقارب 1.4 مليون طن.
لقد شهد العالم خلال العقد الأخير سلسلة من الأزمات الغذائية الحادة، التي كشفت هشاشة منظومة الأمن الغذائي العالمي، وأكدت أن الغذاء قد يتحول فى أي لحظة إلى سلاح ضغط سياسي واقتصادي.
وهو ما لم تتأثر به مصر بل فتحت لها أسواقًا عالمية جديدة ارتفع معها حجم الصادرات الزراعية المصرية، منها جائحة كورونا، حيث تعطلت سلاسل الإمداد، وتوقفت حركة النقل والشحن فى كثير من الدول، مما أدى إلى نقص بعض السلع الغذائية وارتفاع أسعارها بصورة كبيرة، خاصة الحبوب والزيوت والمنتجات الأساسية، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية والتي شكلت واحدة من أخطر الضربات لأسواق الغذاء العالمية، نظرا لأن الدولتين من أكبر مصدري القمح والذرة والزيوت فى العالم.
كما ارتفعت أسعار الأسمدة بشكل ضخم نتيجة اضطراب الصادرات من روسيا وبيلاروسيا مما ساهم فى رفع تكلفة الإنتاج الزراعي.
كما ساهمت أزمة الطاقة العالمية فى ارتفاع أسعار الغذاء فى معظم دول العالم وأدت أزمة المناخ والجفاف إلى تراجع المحاصيل وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا، ومع تراجع الموارد المائية وندرة المياه فى مناطق كثيرة، خاصة فى الشرق الأوسط وإفريقيا، مما يهدد القدرة على التوسع الزراعي والإنتاج الغذائي مستقبلاً.
لقد حرصت مصر على الاتجاه بقوة نحو الاستثمار فى التنمية الزراعية وتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي، لأن العالم بات يدرك أن من لا يملك غذاءه قد يفقد جزءا من استقلال قراره.