ليست نعرة عنترية أن نتفاخر بمصريتنا على باقى الأمم، بل هى حقيقة مؤيدة من الرسائل السماوية ويكفى القول إن مصر هى الدولة الوحيدة التى ذكرت فى الكتب المقدسة باسمها السياسى ولم يُذكر غيرها من الدول على الإطلاق اللهم إلا الإشارة لمدينة أو قرية (مكة – الجليل – الناصرة – سبأ-..)، أما المفردة السياسية الوحيدة التى تعنى الدولة لم يُذكر سوى مصر، وفى القرآن أربع مرات صراحة، يونس{87} يوسف: {21} يوسف: {99} الزخرف:51، أما قوله تعالى (اهْبِطُواْ مِصْراً) البقرة:61، فليس المقصود مصرنا وذلك لأنها مفردة أعجمية لا تنون والمقصود مصرًا من الأمصار أو مكان من الأماكن، كما كانت الإشارة الضمنية إلى مصر ما يقارب 24 مرة اختص القرآن منها سيناء فى موضعين، وفى الكتاب المقدس ذُكرت مصر أو المصرى أو المصريين 698 مرة منها 670 فى العهد القديم و28 مرة فى العهد الجديد وفى كليهما 465 مرة ذُكرت مصر صراحة.
وإلى مصر لجأت العائلة المُقدّسة هربًا من هيرودس (فقام وأخذ الصبى وأمه وانصرف إلى مصر وكان هناك إلى وفاة هيرودس) (متى13:2-15)، لذا كانت للكنيسة المصرية السبق فى نشر المسيحية فهى الكنسية الأقدم على الإطلاق ويتجاوز عمرها التسعة عشر قرنا من الزمان، وكانت موضوع العديد من النبوءات فى العهد القديم ويقول (إشعياء النبى فى إصحاح 19الآية 19) «وفى ذلك اليوم، يكون مذبح للرب فى وسط أرض مصر، وعمود للرب عند تخمها « وبعد السيد المسيح بعشرين عاما رحل إلى أرض مصر إلى الإسكندرية القديس مارمرقس أحد الإنجيليين الذى كتب أول إنجيل وبشر بالمسيحية فى مصر خلال حكم نيرون فى القرن الأول طبقاً لما تشير إليه نصوص العهد الجديد التى اكتُشِفَت فى البهنسا بمصر الوسطى وتؤرَّخ بحوالى 200م وجزء بسيط من إنجيل القديس يوحنا مكتوب بالغة القبطية الذى وُجِدَ فى صعيد مصر ويُؤرَّخ فى النصف الأول من القرن الثانى.
كما تعددت مساهمات الكنيسة القبطية فى المسيحية فقد لعبت دورًا مهمًا فى اللاهوت المسيحى وخاصة لتحميها من الهرطقات وقد حَمَت الكنيسة القبطية آلاف النصوص والدراسات اللاهوتية والإنجيلية حتى أن الكتاب المقدس تُرجم إلى اللغة القبطية فى القرن الثانى الميلادى وقام المئات من النُساخ بكتابة نُسخ من الكتاب المقدس حتى أن أعرق مكتبات ومتاحف وجامعات العالم تضم مئات الآلاف من المخطوطات القبطية (المصرية القديمة)، وتعتبر مدرسة الإسكندرية المسيحية الأولى عالميا، نشأت 190م على يد بانتينوس وأصبحت أهم معهد مسيحى وكثير من الأساقفة فى العالم تم تعليمهم فى تلك المدرسة مثل أثيناغورَس وكليمنت وديديموس وأوريجانوس الذى يُعتبر أب عِلم اللاهوت، كما تَرجَم الكتاب المقدس إلى اللاتينية القديس جيروم الذى جاء إلى مصر سنة 400م، وكذلك القديس بنيديكت أسَّس أديرة فى القرن السادس على مثال ما فعله القديس باخوميوس، كما قدمت الكنيسة المصرية الإرساليات القبطية لأوروبا على سبيل المثال القديس موريس قائد الكتيبة الطيبية الذى انتقل لروما وانتهى الأمر به إلى التعليم والتبشير بالمسيحية لسكان جبال سويسرا حيث توجد بلدة صغيرة تحمل اسمه ودير له، وقد زار القديس باسيليوس- وهو مُنَظِّم الحركة الرهبانية فى آسيا الصغرى- مصر سنة 357م وانضمت كنائس أسيا إلى الكنيسة المصرية، وذاع صيت الأنبا أنطونيوس ليكون أبًا للرهبان فى العالم، وقدمت مدرسة الإسكندرية إلى جانب علم اللاهوت العلوم والرياضيات والدراسات الإنسانية، كما سبقت برايل بخمسة عشر قرنًا فى الكتابة على الخشب للدارسين الأكفاء ليقرأوا وليكتبوا بها، وقد لَعِبَت الكنيسة القبطية دورًا هامًا فى الحركة المسيحية العالمية فساهمت فى تكوين مجالس الكنائس العالمى وأفريقيا والشرق الأوسط، كما لها دور مهم فى إدارة الحوار لحل الاختلافات الجوهرية بينها وبين كنائس الكاثوليك والأرثوذكس الشرقيين والبروتستانت، كما تُعد كنيسة كرازة إذ شهدت فى عصورها الأولى كرازة امتدت شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا، إلا أن هذا الملمح انحسر بعض الشيء فى عصور تالية ثم عاد إلى الظهور مرة ثانية فى عهد البابا شنودة فكرزت شمالا فى فلسطين وآسيا الصغرى وجنوبًا فى أريتريا وإثيوبيا وشرقًا حتى الهند وغربًا حتى سويسرا وفرنسا وإنجلترا ومعظم الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفى اللاتينية إلى بوليفيا والأرجنتين والبرازيل.
ويذكر التاريخ أن مصر ظل شعبها يدين المسيحية لمدة أربعة قرون بعد فتح عمرو بن العاص حيث لم يُجبر مصرى على ترك ديانته، وأيضا ظلت اللغة المصرية القديمة (القبطية) هى الرسمية حتى القرن الخامس عشر الميلادى ومن أوائل الكِتابات التى كُتِبَ كلها بالعربية هو كتاب لأولاد العَسّال (صانِعى العسل) وفيه تفصيل للقوانين، والمبادئ الثقافية، والعادات والتقاليد لتلك الفترة المهمة وكان ذلك بعد حوالى 500 عام من الفتح الإسلامى لمصر ولكن كان استخدام اللغة العربية فى المُعاملات اليومية بطيئًا لدرجة أن المقريزى قال: ظلت اللغة القبطية حتى القرن الخامس عشر، إلى أن تحسن حال الكنيسة المصرية إبان حكم محمد على وتدشين مصر الجديدة والذى يجب أن نشير اليه هنا هو أن الحالة الدينية بمصر بشقيها الإسلامى والمسيحى تزداد قوة واستنارة فى علاقة طردية بقوة وحداثة الدولة المصرية، حتى أن القيصرية الروسية تذرعت بالحالة المتدنية لمسيحيى ولايات الإمبراطورية العثمانية لاحتلال تلك الولايات الأمر الذى أجبر الباب العالى فى تقديم النموذج المصرى وتعاملاته المتحضرة مع المسيحيين (وفى الحقيقة لم يكن النموذج ظاهرة فى الولايات العثمانية إنما كان قاصرًا على مصر فقط) وتتالت الحملات المصرية حتى عهد الخديو سعيد على روسيا تعلمها أن المسيحية تصان وتحفظ فى مصر وانتصر الجيش المصرى الذى كان يضم جنودًا مصريين (مسلمين ومسيحيين) فى معاركه بروسيا فى انتصارات مبهرة الأمر الذى زاد من حقد الدول الاستعمارية على مصر وجيشها.
وللكنيسة المصرية سياسة واضحة على مدار تاريخها عانت من جراء اتباعها.. ففى الوقت التى كانت أوروبا فى عصور ظلامها وكانت من أسباب الثورات الكبرى كالفرنسية والبلشفية هو تحكم الكنيسة فى الحياة العامة والسياسية وانتشار ما يسمى بصكوك الغفران حتى ثورة الإصلاح الدينى على يد مارتن لوثر إلا أن الأمر مغاير تماما فى الكنيسة المصرية كان الفصل بين الدين والدولة «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله» (متى21:22)، كما لم تنتهج العنف لأن كلام السيد المسيح واضح: «رُدّ سيفك إلى مكانه لأن كل الذين يأخذون السيف بالسيف يهلكون» (متى52:26) ولم تكن مشاركة الكنسية مستحدثة فى ثورات المصريين كما تجلت فى 30 يونية بل كانت جذورها منذ 1919وتعانق الهلال مع الصليب كما نادى البابا كيرلس الخامس صديق سعد زغلول ما أحدث صدمة للغرب المستعمر من جراء انحياز الكنيسة المصرية لطموحات بلدها وشعبها وهو من أيد حركة عرابى ورفض هرطقة إنجلترا بحماية الأقليات المسيحية وأعلن (أن المصريين شعب واحد والذى يحميهم هو الله)، كذلك كانت المواقف المتتالية الوطنية من الكنسية المصرية فى صفحات النضال الوطنى وأيضا لدعم القرار السياسى لمصر كما أوفد ناصر صديقه البابا كيرلس السادس لمهام وطنية عديدة وهو من جعل من الإمبراطور هيلا سيلاسى صديقا لمصر والذى حضر افتتاح الكنيسة المصرية فى 1963، ومن قبل أوفد الخديو سعيد البابا كيرلس الرابع إلى الحبشة لما له من قوة ونفوذ على دول منابع النيل وانتمائهم للكنيسة المصرية، ويذكر التاريخ بأحرف من نور أول شهيد ضابط فى معركة رمضان- أكتوبر 73 وهو العقيد شفيق مترى سدراك الذى خطب فى جنوده قبل العبور(وإن جندنا لهم الغالبون) وغيره شركاء الكفاح على أرض سيناء، وليس أدل من تضامن الكنيسة مع قضايا العروبة من رفض البابا شنودة من حج المسيحيين إلى القدس إلا بعد تحريره من الاحتلال، وهو صاحب المقولة الأشهر (مصر وطن يعيش فينا) ومن بعده استمرت الكنيسة رمزًا للوطنية تطفىء بوعى ووطنية نيران التفرقة التى ينفث حقدها المتآمرون على الجائزة الكبرى فكلما يفجرون بيتا من بيوت الله يقول البابا تواضروس (سنصلى فى مساجد اخواننا المسلمين) وقد يفصح المستقبل عن مهام وطنية عديدة للكنيسة المصرية أحد الأعمدة السبعة للشخصية وللوجود المصرى.

صالون الرأي
الكنيسة المصرية ومهام وطنية تتجاوز الرسالة!
By amrيوليو 17, 2018, 20:30 مالتعليقات على الكنيسة المصرية ومهام وطنية تتجاوز الرسالة! مغلقة
TAGمقالات






