السعر الاسترشادى الذى حددته الحكومة للدولار فى موازنة العام المالى المقبل والبالغ 47 جنيهًا، يؤكد باعتراف حكومى غير «ملزم» أنه السعر الحقيقى لقيمة الجنيه أمام الدولار رغم أن سعر الدولار فى الموازنة لا يمثل التزامًا حقيقيًا بالأسعار السائدة حاليًا بل هو سعر يستخدم لضبط وتوقع مصروفات وإيرادات الدولة المصرية، ويمكن تغطيته فى حال وجود فروق فى سعر الصرف من المخصصات الاحتياطية، أو تطبيق إجراءات وقرارات تقشفية فى بنود الموازنة غير المؤثرة على حياة الناس والعباد فى مصرنا المحروسة.
التفاؤل الحكومى بقوة الجنيه المصرى وصموده أمام الدولار خلال الفترة المقبلة، جاء فى توقيت «حرج» تزامنا مع استمرار التحديات الجيوسياسية فى المنطقة التى ساهمت بشكل كبير فى صعود العملة الأجنبية بالأسواق العالمية إلى مستويات قياسية بل وعززت قيمته بالسوق المصرى خلال الأسبوع الماضى ليصل إلى 55 جنيهًا قبل أن يفقد بعض من مكاسبه ويتراجع إلى مستوى 52 جنيها مع نهاية التعاملات الأسبوعية.
السعر الاسترشادى الذى حددته الحكومة للدولار فى موازنة العام المالى المقبل، جاء مخالفًا لتوقعات المؤسسات المالية العالمية التى رجحت قفزة كبيرة فى سعر الدولار بالسوق المصرى مسجلاً 60 جنيهًا مع نهاية العام الجارى، إلا أن التقديرات الحكومية لسعر الدولار مازالت تراهن على عدد من التحديات الراهنة وعلى رأسها انتهاء العمليات العسكرية فى منطقة الشرق الأوسط وبالتالى عودة الملاحة فى مضيق هرمز، وتراجع أسعار النفط نتيجة الزيادة المتوقعة فى الإمدادات، وهو ما سيؤدى إلى عودة الدولار لمستوياته قبل نشوب الحرب.
الرهان المصرى على قوة الجنيه وصموده أمام الدولار خلال العام الجارى، لا يجب أن يبنى على تقديرات وتوقعات هى فى الغالب لن تحدث، بل علينا أن نحدد أولويات مواجهة الضغوط الدولارية فى الموازنة المصرية خلال العام المقبل قبل التفاؤل فى تحديد السعر الاسترشادى للدولار، تلك الضغوط الناتجة عن التراجع المتوقع لتحويلات المصريين بالخارج نتيجة الحرب، وانخفاض عائدات قناة السويس، وسداد الأقساط المستحقة الناتجة عن الدين الخارجى، مع تراجع عائدات السياحة، وقبل كل ذلك استمرار ارتفاع أسعار النفط بالأسواق العالمية.
أمامنا تحد جديد فى توفير العملة الأجنبية خلال الشهور المقبلة، ونقطة التحول الكبرى فى تحقيق هذا الهدف تبدأ من إنهاء العمليات العسكرية فى المنطقة، بالتالى استقرار الأوضاع الاقتصادية وتراجع فاتورة استيراد المواد البترولية وارتفاع عائدات السياحة والدخول المكثف للاستثمار العالمى فى أدوات الدين المصرى وعودة تحويلات المصريين بالخارج إلى سابق عهدها تلك التحويلات التى تعد هى المصدر الأول والمباشر للدولار فى مصر.
حمى الله مصر وشعبها العظيم




