https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

الجنرال الذهبي.. عبد المنعم رياض.. تاريخ لا يُمحى

47

في تاريخ الأمم صفحات لا تكتب بمداد الحبر، لكنها تنقش بأحرف من نور.. يسطر فيها الأبطال بدمائهم صفحات من البطولة والتضحية والفداء من أجل الوطن.

وتظل أسماؤهم محفورة فى ذاكرة التاريخ وقلوب وعقول الشعوب لا تمحوها إزالتها عن لافتة أو حديث أهوج يكشف وجها قبيحا لصاحبه.
فالدفاع عن الأوطان عقيدة راسخة والجندية شرف لا يضاهيه شرف، وصفحات الأبطال وسيرهم تظل مصدرا للفخر والعزة، فهم المثل والقدوة على مر العصور.

ونحن نحتفل بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء يبدو أن الأمر ما زال يقض مضاجع الخونة والملقين بأنفسهم فى أحضان قوى الشر ومن صنعتهم أجهزة استخبارات يؤلمها تحرير الأرض، وما زال ملف نصر أكتوبر وتحرير مصر لكامل ترابها الوطني يصيبهم بحالة من الجنون.

 

ففي كل وقت تستعد فيه الدولة المصرية للاحتفال بذكرى وطنية خاصة؛ انتصارات أكتوبر أو أعياد تحرير سيناء، تجد مثل هؤلاء يسبقون الحدث الكبير بتحرك أو عمل يحاولون به تشتيت المشهد وخلق حالة من الإلهاء بعيدًا عن الاحتفال بتلك الذكرى العظيمة فى تاريخ الوطن، ولنستعيد ما حدث عندما كانت مصر تستعد للاحتفال بالعيد الذهبي لنصر أكتوبر قبل ثلاث سنوات، جاءت أحداث 7 أكتوبر 2023.

ليست تلك هي المرة الأولى، لكنها أحداث وأفعال تتكرر كثيرا، حتى باتت مفضوحة للعامة، وهو ما يجعلهم لا يلقون لمثل تلك الأفعال الصبيانية المسمومة بالًا.

ما حدث الأسبوع الماضي فى محافظة حمص ليس بالأمر المستغرب لدي على المستوى الشخصي، فى ظل مشهد سوري يزداد تعقيدا؛ تتأكل فيه الدولة الوطنية تحت وطئة عربدة إسرائيلية فى الأراضي السورية بعد أن استطاعت تدمير الجيش السوري، لتتوسع على إثر ذلك على حساب الدولة السورية دون حراك مضاد من قبل النظام السوري أو حتى مواجهة تقول إن محاولات التوسع الإسرائيلي على حساب الدولة السورية أمر غير مقبول.

لقد جاء قرار أعلنته محافظة حمص السورية عن تغيير اسم الشارع الواصل بين ميدان الساعة وشارع الكورنيش بالمدينة والذي كان يحمل اسم الشهيد البطل الفريق عبد المنعم رياض ليصبح اسمه 18 نيسان، أمر مثير للدهشة والاستغراب. فبحسب البيان الصادر عن البلدية هناك أن اسم الشارع تم تغييره ليخلد ما وصفوه بذكرى الاعتصام الأول للثورة السورية فى أبريل 2011.
لكن الحقيقة إن التغيير استهدف اسم عبد المنعم رياض تحديدا وكان لأسباب أخرى؛ فهو ليس الشارع الوحيد المطل على الميدان، فهناك خمس شوارع أخرى تتفرع من الميدان منها شارع شكري القوتلي، وأبى العلاء المعري وهشام الأتاسي وعبد الحميد الدروبى والمتنبي الديلان.

وإذا كان الهدف تخليد تلك الذكرى للاعتصام الأول ضد النظام فلما لم يعدل اسم الميدان الذي شهد الحدث من ميدان الساعة إلى ميدان 18 نيسان.

لكن دعونا لا نتدخل فى شئون غيرنا وليرفعوا الاسم عن اللافتة الزرقاء، ويعدلوه لاسم آخر، لأن على ما يبدو أن اسم البطل الذي قض مضاجع المحتل حتى استشهد وهو فى الصفوف الأولى ينغص حياة البعض هناك.

كما أن الأبطال لا يحتاجون إلى لافتات تخلدهم، فهم قد حفروا سيرهم فى قلوب وعقول الشعوب المحبة للحرية المحافظة على أوطانها وترابها الوطني.

لم يدرك هؤلاء أنهم بما فعلو أعادوا تنشيط الذاكرة لدى الأجيال.
كما لم يعوا أو يقرؤوا كلمات الشاعر السوري الكبير نزار قباني ناعيا وموجها رسالة للبطل عبد المنعم رياض عقب استشهاده فى التاسع من مارس 1969، لقد صادف أو هكذا كان القدر أن يكون امتداد شارع عبد المنعم رياض يحمل اسم الشاعر السوري نزار قباني.
هل عندما يدركون ذلك سينزعون اسمه أيضا عن لافتة الشارع عقابا له على قصيدته التي كتبها للشهيد عبدالمنعم رياض فى مارس 1969 قائلا فيها:

لو يُقَتلون مثلما قتلت
لو يعرفون أن يموتوا.. مثلما فعلت
لو مدمنو الكلام فى بلادنا
قد بذلوا نصف الذي بذلت
لو أنهم من خلف طاولاتهم
قد خرجوا.. كما خرجت أنت..
واحترقوا فى لهب المجد، كما احترقت
لكنَّ من عرفتهم
ظلوا على الحال الذى عرفت..
يدخنون، يسكرون، يقتلون الوقت
ويطعمون الشعب أوراق البلاغات كما علمت
وبعضهم.. يغوص فى وحوله..
وبعضهم..
يغصُّ فى بتروله..
وبعضهم..
قد أغلق الباب على حريمه..
ومنتهى نضاله..
جارية فى التخت..
يا أشرفَ القتلى، على أجفاننا أزهرت..
الخطوة الأولى إلى تحريرنا
أنتَ بها بدأت..
يا أيها الغارق فى دمائه
جميعهم قد كذبوا.. وأنت قد صدقت..
جميعهم قد هُزموا
ووحدكَ انتَصَرت.

 

بتلك الكلمات نعى نزار قباني الشهيد البطال عبد المنعم رياض الذي كان يوم استشهاده يوما فارقا فى تاريخ الأمة العربية ونضالها.
لقد أختار القائد أن يكون سطرًا أول فى معركة لا هامشًا فى دفترها.

هكذا كان عبد المنعم رياض؛ لم يكن اسما عابرا على لافتة شارع، ولا رتبة تُزين الكتف، بل كان معنى يتقدم الصفوف، وروحا معنوية تسبق الطلقات، وقرارا يتخذ تحت فى الصفوف الأمامية وسط المقاتلين الأبطال المدافعين عن شرف الأمة.

ففي لحظة كانت الأمة تبحث فيها عن يقينٍ يداوي جراحها، خرج رجل يعرف أن القيادة ليست امتيازا، بل مسؤولية وشرف وفداء وتضحية، وأن الطريق إلى استعادة الكرامة يبدأ من حيث يقف الجندي، لا من حيث يجلس القائد.

لم يكتفِ بأن يرسم الخطط، بل مشى إليها، ولم يطلب من رجاله ما لم يضع نفسه أولًا واقع فى داخله.
حين جاءه النداء، لم يتراجع خطوة، بل تقدّم حتى صار حضوره بين جنوده حكاية، وغيابه عنهم أسطورة.
لم يكن استشهاده نهاية سيرة، بل افتتاح فصلٍ جديد فى كتاب وطنٍ قرر أن يكتب تاريخه بيديه.

فالأسماء قد تُمحى من على الجدران، لكن ما يُكتب فى وجدان الشعوب لا تمحوه الأزمنة، وما يُروى بالدم لا تسكته محاولات النسيان. هنا تبدأ الحكاية… لا عن رجلٍ رحل، بل عن قيمةٍ بقيت، وعن قائدٍ اختار أن يظل حيًا فى ضمير أمة.

وفى ذكرى تحرير سيناء أجدنى أتوقف عند بعض المواقف فى تاريخ الفريق عبد المنعم رياض رئيس أركان حرب القوات المسلحة الذي تولى مهمة تطوير القوات المسلحة فى 11 يونيو 1967 خلفا للفريق محمد فوزي الذي عين وزيرا للحربية.

تاريخ الفريق عبد المنعم رياض وحياته العسكرية التي بدأها فى عام 1941 عندما تخرج من الكلية الحربية بسلاح المدفعية حيث اشترك فى الحرب العالمية الثانية، مليء بالأحداث والبطولات فقد وصفه الروس بالجنرال الذهبي بعد تفوقه بتقدير امتياز فى دورة تكتيكية بالأكاديمية العسكرية العليا (فرونزه) عام 1959.

إن ما صنعه الفريق عبد المنعم رياض خلال فترة إعادة بناء القوات المسلحة عقب 5 يونيو 1967 جعل المستحيل الذي تحدثت عنه إسرائيل ممكنا، فقد ظن العدو أن قدرة مصر على تحرير الأرض مستحيلٌ، لكن البطل حول المستحيل إلى واقع فعبرت مجموعات من الأبطال قناة السويس خلال حرب الاستنزاف واستطاعوا أن يكبدوا العدو خسائر كبيرة وفى يوم 8 مارس 1969 كانت مرحلة فاصلة عندما قصفت المدفعية على طول خط المواجهة المواقع والتحصينات الإسرائيلية.

فى ذلك اليوم، فتحت المدفعية المصرية نيرانها بكثافة على المواقع الإسرائيلية شرق قناة السويس، مستهدفة تحصينات خط بارليف ونقاطه الحصينة.

القصف لم يكن عشوائيا، بل مخططا بدقة، واستمر لساعات طويلة، مستخدما مئات المدافع على طول الجبهة، فى مشهد كان أقرب إلى «تمهيد ناري شامل» يعكس قرارا سياسيا وعسكريا بكسر حالة الجمود بعد يونيو 1967.

فى ذلك اليوم أدركت إسرائيل أنها لن تنعم بالراحة فى سيناء وهو ما كان هدفا استراتيجيا حددته القيادة المصرية، وفى اليوم التالي ذهب القائد إلى الجبهة لتفقد آثار ما قامت به المدفعية، وخلال تواجده بالخطوط الأمامية وسط جنوده فى التاسع من مارس استشهد الفريق

عبد المنعم رياض إثر قذيفة إسرائيلية استهدفت موقع تواجده بين الأبطال.

أصيب قائد الجيش فى ذلك الوقت اللواء عدلي حسن سعيد؛ لم يكن المشهد مجرد استشهاد قائد، بل لحظة فاصلة بين زمنين؛ زمن الانكسار الذي يبحث عن مخرج، وزمن الإرادة الذي يصنع طريقه رغم الألم.

سقط الجسد، لكن الفكرة نهضت، واتسع صدى الحكاية حتى صار الرجل رمزا يتجاوز اسمه، ودلالة على أن الكرامة يمكن أن تُستعاد حين يلتقي الإيمان بالفعل.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد عبد المنعم رياض مجرد صفحة فى كتاب تاريخ الوطن والأمة، بل أصبح فصلًا قائمًا بذاته؛ فصلًا يذكّرنا بأن الأوطان لا يحرسها السلاح وحده، بل يحرسها أولئك الذين يعرفون متى يتقدمون.. حتى لو كانت الخطوة الأخيرة.

ونحن نحتفل بذكرى تحرير سيناء نتذكر الأبطال الذين قدموا أرواحهم ودماءهم لتحرير الأرض، وما شهدته سيناء خلال معركة تطهيرها من الإرهاب، وما تشهده حاليا من تنمية فى كافة ربوعها.

هذا لم يكن ليحدث لولا ما قدمه الأبطال من تضحيات لتحرير الأرض، لتبقى سيرهم فى القلوب وتبقى حكايات البطولة تتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل، وتظل الانتصارات والأعياد الوطنية تقض مضاجع قوى الشر وتؤلم العدوان ومن يتعاون معهم.

وقبل أن اختم مقالي أتذكر ما حدث ورواه لي المشير عبد الغنى الجمسي عام 1997 ، قائلا:” الفريق محمد فوزي رئيس أركان الجيش المصري، فى 5 يونيو 1967 اتصل فى الساعة 11 صباحا باللواء «أحمد سويدان» رئيس أركان الجيش السوري فى ذلك الوقت، وطلب منه توجيه القوات الجوية السورية بقصف الجبهة الشمالية لإسرائيل لتغيير مسار المعركة، فكان الرد السوري« بنحاول سيدى» فى نفس الوقت كان اللواء عبد المنعم رياض على الجبهة الأردنية واتصل هو أيضا باللواء سويدان طلب منه نفس الطلب حيث كانت الجبهة السورية مازالت لديها القدرة على العمل والمواجهة، وجاءه نفس الرد «بنحاول سيدى».

بل إن الإذاعة السورية يوم 10 يونيو أعلنت سقوط القنيطرة قبل أن تدخلها إسرائيل بساعة ونصف، حيث أعلنت سقوطها فى الساعة الثامنة والنصف صباحا ولم تدخل القوات الإسرائيلية إليها إلا الساعة العاشرة ووجدتها خالية تماما.

وهو ما عرف بالبلاغ رقم “66” حيث أصدرت القيادة السورية، تحت إشراف وزير الدفاع آنذاك حافظ الأسد، بياناً يعلن سقوط القنيطرة، فى حين كانت القوات الإسرائيلية لا تزال على بعد نحو 2.5 كم ولم تدخل المدينة.

ما زال اسم الفريق أول عبد المنعم رياض يوجعهم حتى وهو فى قبره.. لكن هكذا التاريخ دائما لا ينسي الأبطال ولا تمحى أسماؤهم منه مهما فعل حلفاء قوى الشر.