https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

في ذكرى رحيله الـ 18 «نجيب محفوظ» متحدثًا عن أبطاله!

1079

«وردة جافة مبعثرة الأوراق عثرتُ عليها وراء صف من الكتب، وأنا أعيد ترتيب مكتبتي.. ابتسمتُ. انحسرت غيابات الماضي السحيق عن نور عابر.. وأفلت من قبضة الزمن حنين عاش دقائق خمس.. وندّ عن الأوراق الجافة عبيرٌ كالهمس.. وتذكرتُ قولَ الصديق الحكيم: (قوة الذاكرة تنجلي في التذكر كما تنجلي
في النسيان) …» «أصداء السيرة الذاتية» لـ نجيب محفوظ)

إيهاب الملاح

نعم، إن قوة الذاكرة تنجلى فى التذكر كما تنجلى فى النسيان! غير أن هناك فى تراث الإنسانية من يخضع لقانون الخلود والبقاء إن جاز التعبير والافتراض!

ذلك أن البشرية وعبر تاريخها منذ سجل الإنسان الأول «أول أثر» أراد من خلاله أن يعبر عن ذاته ويؤكد وجوده ويسجل وعيه بذلك! أقول منذ هذا التدوين الأول وهذا التسجيل الأول وهذا التخليد الأول، انفتح كتاب التراث الإنسانى ليسجل بمداد الخلود والبقاء كل أثر حقيقي، وأصيل، أكد على حضور الإنسان وتفرده وتميزه وسعيه للخلود والبحث عن المطلق!

وها هى الذكرى الثامنة عشرة لرحيل نجيب محفوظ، تحل علينا ببهجة تذكرنا بها وبصاحبها، وتحل علينا بوعي متجدد وملح ودؤوب لاستنهاض أبناء هذه الثقافة التى كتب لها محفوظ وسجل آلامها وآمالها وخلد ذكرها فى أعماله التى تحتل مكانها وستظل تحتل مكانها فى أرفع سجل بين سجلات التراث الإنساني، كما حفظت مدونات أعمال دوستويفسكى وتولستوى وتشيخوف فى الأدب الروسي، وشكسبير وتشارلز ديكنز فى الأدب الإنجليزي، وإميل زولا وجوستاف فلوبير ومارسيل بروست فى الأدب الفرنسي، ودانتى وبوكاتشيو وبرانديللو فى الأدب الإيطالي.. إلخ، ونظرائهم فى كل الثقافات والحضارات قديما وحديثا ومعاصرة!

هؤلاء هم الكتَّاب العظام فى التاريخ، فدوستويفسكى وتولستوي، وزولا، وديكنز، وبروست، وبلزاك من آباء الرواية؛ هم روس وإنجليز وفرنسيون حتى الأعماق؛ لذلك كانوا «عالميين»؛ أى «إنسانيين»، وكذلك كان نجيب محفوظ مصريا عربيا حتى الأعماق فكان إنسانيا عميق الإنسانية أيضًا!

كتبت كثيرًا عن نجيب محفوظ، ولا أملُّ أبدا من الكتابة عنه، ولا عن سيرته وأعماله؛ لأننى بالأساس لا أفارق كتابته منذ تعرفت عليها قبل ما يزيد على خمسة وثلاثين عامًا. وأرصد منذ سنوات الإقبال غير العادى من أجيال وأجيال على قراءة نجيب محفوظ والتعرف عليه واكتشاف قيمته؛ إنهم يعيدون اكتشاف العظيم نجيب محفوظ، ويعيدون قراءته واستلهام قيمته وإنجازه وأثره فى زمن عزّ عليهم أن يدركوا القيمة وأن يتعرفوا عليها، الذى ولد يوم حصل محفوظ على نوبل عام 1988 أتم الرابعة والثلاثين من عمره هذا العام، الذين ولدوا يوم تعرض للاغتيال فى أكتوبر عام 1994 أتموا الثلاثين من عمرهم، الذين ولدوا بعد أن مات محفوظ فى 30 أغسطس 2006 أتموا الآن الثامنة عشرة بالتمام والكمال!

فما الذى تعنيه هذه الأرقام؟ وهل تحمل أى دلالات على الأقل بالنسبة لصاحب هذه السطور؟

فى ظني، نعم. وفى ظنى فإنها كلها تدور حول إعادة اكتشاف قيمة نجيب محفوظ، قيمة إبداعه، عظمته، تجدده وحاجتنا إليه..

إن عظمة نجيب محفوظ الحقيقية، فى رأيي، بالإضافة لإنتاجه الإبداعى الخصب تكمن فى قدرته على فهم المعنى الحقيقى للأدب، فهو (أى الأدب) لا يلتقطه عادةً إلا قارئ متمرس فى القراءة.

وعلى عكس ما ظن، وكتب الكثيرون، فلا أرى أن محفوظ كتب «الواقعية» ولا حتى فى (الثلاثية)، إنما كتب «الإيهام بالواقع»، قد التقط هذه الخصيصة بذكاء ولماحية الكاتب والروائى أحمد عبد اللطيف، شارحا بذكاء أيضًا أن استراتيجيته فى ذلك “كانت الانطلاق من نقطة نعرفها جميعًا، ثم الوصول إلى أماكن خيالية، متوسلًا بذلك شخصيات من صنعه، ومشاعر وأفكار وأحداث يمكن أن نسميها «محفوظية».

هذا «الإيهام بالواقع» هو الفخ الذى صنعه لقرائه ليمرر من خلاله «الواقع»، كما يراه، لا «الواقع» كما هو كائن ويعرفه الجميع.

 «الإيهام بالواقع» يبعده تمامًا عن «الواقعية» باعتبارها تصويرًا فوتوغرافيًا، أو تسجيليًا ويقربه أكثر من نماذج سردية يبدو، للوهلة الأولى، أنه بعيد عنها فمحفوظ هو الكاتب «العبثي» أحيانًا، الساخر أحيانًا أخرى، الكاتب القادر على التقاط ازدواجية المجتمع، الصورة البراقة والباطن العفن، الخير والشر فى نفس الجسد، والبيوت المزينة من الخارج الخربة من الداخل.

شخصية «أحمد عبد الجواد»، كمثال، ليس مجرد شخصية روائية، إنما نموذج فلسفي، تجسيد لصراع إنساني، وهو، على اختلاف شخصيات محفوظ، نموذج متكرر كثيرًا فى كل قصصه ورواياته، أيًا كان نوع التناقض.

«الإيهام بالواقع» يختلف عن «الواقعية»، التى توحى بأنها تسجيل لوقائع ورصد لشخصيات تتحرك أمامنا.

نال تحليل شخصيات نجيب محفوظ نصيب الأسد من الكتابات النقدية والتحليلية؛ عشرات من النقاد استوقفتهم هذه الشخصيات لأنهم رأوا فيها ما يعرف بالنمط الروائى أو النموذج الروائي.

من أفضل من تناولوا شخصيات نجيب محفوظ الروائية الناقد الراحل الكبير الدكتور على الراعي، الذى كتب مقالًا قيما لا زلت أذكر عنوانه (نجيب محفوظ والشبه العائلى بين شخصياته).

وهناك المرحوم الدكتور غالى شكري، الذى أوفى هذه الشخصيات أيضًا أو أشهرها حقها ومستحقها بلغة التراثيين! وهناك رجاء النقاش، وصلاح عبد الصبور، وشكرى عياد، وفاطمة موسى، لطيفة الزيات، لويس عوض.. إلخ، جوقة النقاد والدارسين والمتخصصين (وحتى غير المتخصصين) لكن نجيب محفوظ بذاته لم يتركنا دون أن يخبرنا ويحدثنا (على قلة حديثه، وتحفظه العارم المعروف فى الكلام عن نفسه أو عن أدبه وشخصياته) عن شخصياته وتصوراته العامة عن الخلق الأدبى والصلات التى تربط الشخصيات الروائية بجذورها الواقعية فى حديث (أو حوار مهم) أجراه معه الكاتب المسرحى الكبير ألفريد فرج.

فى هذا الحوار يكشف محفوظ الكثير والكثير من التفاصيل المهمة عن شخصياته الروائية، ويقدم لنا إضاءات أظنها لا غنى عنها لمن أراد أن يقدم قراءة دقيقة ونقدا دقيقا لهذه الشخصيات، طريقة رسمها، فى إطار البناء الفنى لرواياته ككل.. يقول محفوظ فى هذا الحوار:

تدفع أى إنسان فى الحياة وتحفزه رغبةٌ فى تحقيق ذاته، ورغبةٌ فى الوصول إلى الانسجام مع الحياة المحيطة. قد يجد المرء أن تحقيق ذلك الانسجام يتوقف على أن يقطع جذوره الاجتماعية كمحجوب عبد الدايم فى «القاهرة الجديدة»، مثلا. وقد كان كمال عبد الجواد فى (الثلاثية) أيضًا يقطع جذور عقائد لا تصلح له.

وأعتقد أن شك كمال عبد الجواد الذى يلتمس له مبررات عقلية بحتة، ما هو إلا صدى لمشكلته الاجتماعية، لقد كانت مثاليته نابعة من حبه، ثم كان انهيار عقائده وكان ترديه فى الشك مترتبًا على فشل ذلك الحب. ألم يقل: «لن ينقطع ما بينى وبين الأدب، إن حب الحقيقة لا يناقض تذوق الجمال، ولكن العمل شيء والراحة شيء آخر، وقد عزمت على أن أجعل الفلسفة عملى والأدب راحتي»..

(على لسان كمال عبد الجواد فى «قصر الشوق»)

أما عيسى الدباغ فى «الشحاذ»، فقد عاش أول حياته منسجمًا متآلفا، ولكن قوة الثورة نحَّتْهُ، وهدفه هو الانتماء المنسجم مع ذاته. لم تكن حياة عيسى لتصبح مشكلة لو أنه استطاع الانتماء للمجتمع الجديد، لو وجد قيمة يؤمن بها بالعقل والقلب، وتنسجم فى الوقت ذاته مع المحيط فى حالة تغيره.

وإذا نظرتَ إلى سعيد مهران فى «اللص والكلاب» وجدته يطمح لأن يتوازن العالم المادى مثل توازن عالم الشيخ جنيدى المجهول.

 إن الشيخ جنيدى فى «اللص والكلاب» لا يعبأ بانسجام عالمنا لأنه فى نظره عالم أشباح، مزيف، غير حقيقى أما سعيد مهران فيرى أن عالمنا حقيقى لأنه متعلق به، ومنتم إليه، وهو فى أزمة نفسية بسبب هذا التعلق ويريد أو يتطلع مسحورا إلى التوازن الذى يتميز به عالم الشيخ جنيدي، وينجذب إليه، فى لحظات الحيرة.

(من حوار مطول أجراه معه ألفريد فرج، منشور فى الجزء العاشر من أعماله الكاملة، دائرة الضوء ـ صور أدبية، هيئة الكتاب، 1989)

نجيب محفوظ من الكتاب والأدباء الذين يستلفتهم على نحو خاص طبيعة الشخصية الإنسانية التى يقابلها أو يلتقيها ولو لمرة واحدة! بل لعلى لا أجاوز الحقيقة لو قلت حتى لو لم يلتق هذه الشخصية أبدًا لكنه سمع بها أو قرأ عنها فالتقط فيها ما لا يستطيع أحد غيره أن يرى ذلك؛ ولعل غالى شكرى انتبه إلى هذه الفكرة التى تدور حول ماهية هذه الشخصية؛ واقعية كانت أم خيالية أم غير ذلك، فيوجه له السؤال التالي:

س/ هل تقصد شخصية «واقعية» أو شخصية “قرأت عنها” أو شخصية “خيالية” تمامًا؟

وتأتى إجابة محفوظ قاطعة لا تحمل التباسا؛ فهو يرى – مثلًا- أنه لا وجود لشخصية خيالية تماما إلا فى تجريدات أهل العبث أو اللا معقول أو الشيئيِّين! ولكن «الشخصية» كما يراها نجيب محفوظ “سواء كنت تعرفها أو سمعت عنها أو قرأت حادثة تخصها، فإنها فى جميع الأحوال شخصية واقعية بدرجات متفاوتة.

ولكن التأمل الذى نتحدث عنه يُكسب هذه الشخصية أبعادًا تجعلها فى الكتابة أكثر واقعية. أى أنك لو قرأت صفحة الجرائم فى الجرائد اليومية لوجدت كنوزًا من الخامات الأولية للقصص. ولكنك إذا نقلتها إلى الكتابة كما قرأتها، فإنك حينئذٍ لم تكتب أدبًا؛ لقد أعدت صياغة الخبر الصحفى فقط فى «أسلوب أدبي» كما يقال.

ولكنك حين تتجاوب مع إحدى شخصيات الجريمة أو مع مناخها العام أو مع أحد مواقفها، ثم تأخذ هذا العنصر الواقعى تمامًا وتضعه فى علاقات جديدة، وإشكاليات أخرى تمارس فيها اللغة نفوذًا غير منكور، حينذاك يصلح «التأمل» فى إعادة صياغة الشخصية أو الحدث بما يتسق مع «نقطة الجذب» الداخلية التى جعلتنى أنتبه أو أتعاطف. إعادة الصياغة هذه مصطلح صحفي، ولكنى عنيت به هنا نقيض الخبر الصحفي، وهو الخلق.

إن الذين يعيدون صياغة أخبار الصحف والصالونات والنميمة بما يجعلها أكثر جاذبيةً للقراءة هم «باعة الأحلام»، الذين يكتبون روايات «تفصيل».

لا يتوقف نجيب محفوظ عند تفصيلة واحدة أو معينة فى الشخصية التى استلفتته أو توقف إزاءها متأملًا، إنه يرصد فيها كل شيء. و”كل شيء” هنا تعنى كل شيء حرفيًّا؛ فهو “يتأمل الشخصية من كافة جوانبها، ويحاول أن يستكشف العلاقة بين ظاهرها وباطنها. ويستمر فى تبين علاقاتها مع الآخرين، وصداماتها مع وقائع الحياة.. يقول محفوظ لغالى شكري:

“إن شيئًا ما يلفتنى بقوةٍ نحوَ هذه الشخصية، أو يجذبنى دون هوادة لتأمل تلك الحادثة. وهذا الشيء أيضًا يجعلنى أتعاطف أو أنفر من موقف أو فكرة أو رجل أو امرأة. الانجذاب والتنافر والالتفات لها مصادرها فى تركيبتى النفسية والعقلية أو ما يسمى باللا شعور. ولكن أين ينتهى اللا شعور ويبدأ الوعى أو العكس متى ينتهى الوعى بالأشياء، ويبدأ تقليبها البطيء فى العقل الباطن؟

هذا ما لا أملك جوابًا عليه؛ لأن الجواب الحقيقى هو العمل الأدبى نفسه”.