https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

القاهرة .. بوصلة الهدنة

68

لحظات تاريخية فاصلة، تلك التى حُبست فيها الأنفاس واتجهت فيها أنظار العالم بأسره نحو منصات إطلاق الصواريخ وشاشات الرادارات، هذه اللحظات أبرزت معادن الدول وكشفت حقيقة الأوزان الإقليمية.

فما شهده العالم فى الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء الماضى لم يكن مجرد «تغريدة» عابرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن فيها تعليق ما وصفه بـ «يوم الجحيم»، بل كان فى جوهره تتويجًا لملحمة دبلوماسية معقدة وشديدة الحساسية، دارت رحاها فى صمت مطبق، بعيدًا عن صخب الكاميرات وضجيج التصريحات، وبقيادة حكيمة ورشيدة من الدولة المصرية التى أثبتت مرة أخرى أنها لا تبيع الشعارات الزائفة، بل تصنع الاستقرار الحقيقى وتحمى مقدرات الأمة.

لقد كانت المنطقة، ولعدة أيام مضت، تقف على شفا حفرة من حرب شاملة، حرب لا تُبقى ولا تذر، وكان هناك من يدفع بكل ثقله فى اتجاه الصدام المباشر – وعلى رأسهم القوى التى تقتات على الفوضى – ولكن الحكمة المصرية كانت وستظل حاضرة وتدخلت فى الوقت القاتل لتعيد ترتيب الأوراق وتفرض منطق الدولة على منطق الميليشيا، ومنطق السلام على لغة الرصاص.

حين أعلن السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي متابعته الدقيقة لاتفاق وقف إطلاق النار، لم يكن يتحدث بصفة المراقب أو المتابع للحدث من بعيد، بل كان يتحدث بصفته «مشارك رئيسي» وضع اللبنات الأولى لهذا الجدار المانع من الانهيار الإقليمي، الدور المصرى هنا يتجاوز فكرة «الوساطة التقليدية» بمراحل، إننا نتحدث عن «دبلوماسية إنقاذ» انطلقت من رؤية استراتيجية مفادها أن انفجار المنطقة يعنى ضياع عقود من التنمية وتبديد أحلام الشعوب فى حياة كريمة.

ما كشفته تقارير المنصات الصحفية العالمية، وعلى رأسها موقع «أكسيوس» المقرب من دوائر صنع القرار فى البيت الأبيض، يؤكد أن مصر كانت هى «البوصلة» التى وجهت الجهود الدولية، فبينما كانت باكستان تمثل الواجهة الدبلوماسية المقبولة لدى واشنطن وطهران، كانت القاهرة هي من يملك «مفاتيح التواصل» الحقيقية والقدرة الفنية على سد الفجوات، لقد لعبت مصر دور «الميزان» الذى حافظ على توازن القوى ومنع الانزلاق نحو الهاوية، مستغلة علاقاتها المتوازنة وقدرتها الفريدة على مخاطبة الجميع بلغة واحدة، وهى لغة العقل والمصلحة المشتركة.

العالم اليوم يتساءل بذهول، كيف استطاعت الدبلوماسية المصرية الوصول إلى تفاهمات مع قيادات إيرانية قيل إن التواصل معها «صعب للغاية» ؟.. الإجابة تكمن فى قوة واحترافية مؤسسات وأجهزة الدولة المصرية، التي أثبت للعالم أجمع معنى «الاحترافية الصامتة».

فقد أدارت الدولة المصرية فى توقيت بالغ الدقة، كافة التفاصيل الدقيقة خلف الكواليس، وأدارت الملفات الشائكة التى تتعلق بتأمين المعلومات والتواصل مع كافة الأطراف، لقد كان أداءً احترافيا، ينم عن بصيرة سياسية نافذة وقراءة دقيقة للمستقبل.

مصر لا تنقل رسائل فحسب، بل حاولت صياغة «حلول» عملية، و«ترجمة» المطالب الأمريكية والإيرانية إلى صيغ تراعى المتطلبات الأمنية المشروعة للأشقاء فى دول الخليج العربى والأردن والعراق، هذه الثوابت المصرية هى التى جعلت من «هدنة الأسبوعين» حقيقة واقعة، بعد أن كان الجميع يستعد لساعة الصفر.

إن الموقف المصرى الذى عبر عنه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بوضوح لا لبس فيه، حين أكد دعم مصر الكامل وغير المشروط لدول مجلس التعاون الخليجى والأردن والعراق، هو تجسيد حي لعقيدة «الأمن القومى العربى»، وتأكيد على أن مصر لا تتحرك من أجل مصلحة ضيقة، بل تتحرك كونها «شقيقة كبرى» تدرك أن استقرار الرياض وأبوظبى والكويت وعمان وبغداد وكل العواصم الخليجية والعربية
هو من استقرار «القاهرة».

فى الوقت الذى كان البعض يشكك فى الدور المصرى أو يسأل بجهل عن موقعها من الأحداث، كانت الدولة المصرية تخوض حربًا دبلوماسية ضروسًا لتأمين المنطقة، ومصر يحكمتها وقدرتها على اتخاذ القرار الجرىء، كانت تدير هذه الخيوط بعيدًا عن «بروباجندا» الإعلام، مؤمنة بأن النتائج هى التى تتحدث عن نفسها، وبالفعل، أثلجت نتائج هذه الجهود صدور الملايين، وأثبتت أن مصر هى حائط الصد الأول والأخير ضد محاولات تفتيت المنطقة أو جرها إلى صراعات دولية بالوكالة.

لقد استطاعت القاهرة، عبر تنسيق رفيع المستوى مع واشنطن، أن تثبت أن الحلول الدبلوماسية ممكنة إذا
ما توفرت الإرادة والوسيط النزيه، القوة المصرية فرضت واقعًا جديدًا، مفاده أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يُبنى على أنقاض الدول، بل عبر تفاهمات تحترم السيادة وتراعى المصالح، وبذلك، تحولت موازين القوى من لغة الصدام المباشر إلى لغة «المصالح والتفاهمات» التى ربما لم تكن تخطر على بال أحد قبل أيام قليلة.

لا يمكننا أن نغفل تلك الشهادات الدولية التى جاءت لتنصف الدور المصرى، فحين يخرج مراسل «أكسيوس»، المقرب من دوائر صنع القرار الأمريكى، ليؤكد أن مصر كانت «عنصرًا أساسيا» فى وقف إطلاق النار، فإننا لا نتحدث عن رأى عابر بل عن اعتراف دولى بمكانة مصر.

وحين يشهد إعلاميون ومراسلون من قلب طهران، بأن مصر كانت تدير عملية الوساطة باحترافية كبيرة بعد أن انغلق باب المفاوضات أمام الآخرين، فإن هذا يؤكد أن مصر تملك «مفتاح الحل» الذى لا يملكه غيرها، إن هذا الإنصاف الدولى، رغم محاولات بعض الوسائل الإعلامية تجاهله، يضع مصر فى مكانتها الطبيعية كقائدة للسلام الإقليمى وراعية للاستقرار العالمى.

إننا الآن أمام مرحلة «اختبار النوايا».. الهدنة التى تم التوصل إليها لمدة أسبوعين هى «طوق نجاة» للعالم بأسره من أزمة اقتصادية خانقة وكارثة إنسانية محققة، ولكن، ماذا بعد؟

فقد كان من أهم الملامح التى كشفت عنها الساعات الأخيرة، هو الاختفاء المفاجئ لإسرائيل من مشهد المواجهة، بعد أن كانت هى المحرك الرئيسى والمحرض الأول لسيناريو «يوم الجحيم»، هذا الاختفاء لم يكن صدفة، بل كان نتيجة مباشرة لنجاح المقاربة المصرية التى عزلت «دعاة الحرب» وأبرزت «دعاة السلام».

مصر تدرك جيدًا أن هناك أطرافًا لن يهدأ لها بال إلا بعودة الاشتعال، وعلى رأسهم اليمين المتطرف فى إسرائيل الذى يرى فى الحرب بقاءً له، لذلك، فإن التحرك المصرى فى المرحلة المقبلة سيركز على تحويل الهدنة إلى اتفاق دائم، من خلال الضغط الدبلوماسى المستمر لضمان عدم عودة العمليات العسكرية، وضمان الأمن الخليجى والعربى، من خلال التأكيد على أن أى اتفاق نهائى يجب أن يتضمن ضمانات حقيقية لأمن أشقائنا فى الخليج، وسيركز أيضًا على إعادة الإعمار والتنمية، من خلال توجيه البوصلة نحو تحقيق تطلعات شعوب المنطقة فى الازدهار، بعيدًا عن سباقات التسلح والدمار.

ستظل مصر، تحت قيادة الرئيس السيسي، تعمل بنفس العقيدة، «نحن لا نبحث عن الصدارة الإعلامية، بل نبحث عن حياة الشعوب»، إن النفوذ المصرى الحقيقى يظهر فى لحظات الخطر، وحينما يعجز الجميع، تتدخل القاهرة لتضع كلمة الفصل.

وأقولها بكل فخر، إن ما حققته مصر فى هذه الأزمة هو انتصار للعقل، وانتصار للدولة الوطنية، وانتصار لكل مواطن عربى كان يخشى على مستقبله ومستقبل أبنائه، لذا يجب على الجميع أن يدرك أن قوة مصر هى قوة للعرب، وأن استقرارها هو صمام أمان للمنطقة،
وما قام به فريق العمل من وزارة الخارجية ومؤسسات الدولة المصرية المختلفة، ومن خلفهم شعب واع ووطنى، هو ملحمة يجب أن تُدرس فى كيفية حماية الأمن القومى وسط نيران مشتعلة.

إن الهدنة قد تكون مؤقتة، لكن الدور المصرى هو الثابت الوحيد والدائم، وستستمر القاهرة فى بذل كل جهد صادق لإنهاء الصراعات وإرساء السلام العادل والشامل، وكما قال الرئيس السيسي، ستظل مصر دائمًا «داعمة لأمن واستقرار ورخاء أشقائنا»، ولن تتأخر يومًا عن أداء رسالتها المقدسة فى حفظ السلام العالمى.

حفظ الله مصر، وحفظ قيادتها الحكيمة، وحمى أمتنا العربية من كل سوء، إن غداً لناظره قريب، والمستقبل لمن يصنع السلام لا لمن يشعل الحروب.