4 دول تمثل أقطاب الثقل الإقليمى والإسلامى فى منطقة الشرق الأوسط، اجتمعت على مستوى وزراء الخارجية، مرتين خلال شهر مارس الماضى، المرة الأولى فى الرياض عاصمة المملكة السعودية، والثانية فى إسلام آباد، عاصمة باكستان.. ماذا يعنى هذا؟.
حين تجلس مصر والسعودية وتركيا وباكستان على طاولة واحدة، خلال الظرف الحرج الذى تمر به المنطقة، والعالم، فنحن لا نتحدث عن بروتوكولات دبلوماسية عابرة، بل نتحدث عن “كتلة حرجة” من القوة البشرية، العسكرية، والاقتصادية، بدأت تتحسس طريقها نحو صياغة معادلة جديدة للأمن فى منطقة الشرق الأوسط.
سئلت فى مداخلة تليفزيونية عن التوقيت والمغزى لهذا الاجتماع الرباعى، وإجابتى تلخصت فى أن التوقيت غاية فى الأهمية، أما المغزى فتعكسه قراءة الواقع بعيدًا عن الأمنيات؛ أو الإحساس الكاذب بالأمان لأى دولة فى المنطقة، حتى ولو لم تمسك النيران بذيلها.
وأضفت: نحن حتى اللحظة أمام “بذرة تكتل” لم تصل بعد إلى مرحلة الاكتمال، والنضج الكافى، وأرى أن مستقبل هذا المسار يتأرجح بين بقائه كإطار تنسيقى سياسى (وهو الأرجح حاليًا)، وبين تطوره إلى “محور أمنى مرن” يتبادل المعلومات والاستخبارات، وهو سيناريو تفرضه طبيعة الأزمات المتلاحقة التى تحيط بالمنطقة، ودولها العربية والإسلامية.
.. وهل يقلق هذا – التقارب – تل أبيب؟.. من قراءتى للمشهد، بالطبع يقلق هذا بشدة تل أبيب التى اعتادت طوال العقود الماضية التعامل مع جغرافيا ممزقة، وأطراف متفرقة يسهل الاستفراد بها، أما أن تظهر “كتلة إقليمية مستقلة” تضم القاهرة وأنقرة والرياض وإسلام آباد، فهذا يعنى ببساطة كسر نمط “التفوق المنفرد” الذى تفاخرت به إسرائيل طويلاً.
وهذا التنسيق الرباعى، فى ظنى، يخلق هامش حركة واسعًا للدول المنخرطة فيه بعيدًا عن “الوصاية” الدولية أو الارتهان للضمانات الأمريكية وحدها، والأخطر فى نظر إسرائيل، أن هذا التقارب يعيد الاعتبار لـ “المركزية الفلسطينية”
فى معادلة الأمن الإقليمى، وهو ما ينسف المسارات التى حاولت عزل القضية عن محيطها.
وفى هذا الحراك – أيضا – محاولة جادة لإنتاج نموذج “أمن من الداخل”، فبدلاً من استيراد الحلول والتحالفات من وراء البحار، تسعى هذه العواصم الأربع لإنشاء “توازن ردعى” يقلل من فرص المغامرات العسكرية الطائشة لأى طرف كان.. نعم، قد تزداد حالة الاستقطاب، وقد تتباطأ سرعة اتخاذ القرار نظرًا لتعدد مراكز القوة، لكن النتيجة النهائية ستكون منطقة أكثر توازنًا وأقل خضوعًا للإملاءات الخارجية.
وأكاد أسمع من يقول إن هذا التقارب الرباعى، والنتيجة المرجوة من تطويره يحتاج إلى وقت، وإنه على المدى القريب
لن يغير كثيرًا، أو سريعًا، من قواعد اللعبة، لكننا نرى أنه – على الأقل – يضع اللبنة الأولى لمستقبل قد تختلف فيه موازين القوى تمامًا، والعبرة ليست فى الصور التذكارية والبيانات الختامية للاجتماعات والمجتمعين، بل فى قدرة هذه العواصم على تحويل تلك الاجتماعات وتطويرها إلى آليات فعلية تتجاوز الخلافات البينية لصالح الأمن القومى المشترك، وردع عدو تغول، ولم يعد أحد فى المنطقة آمنا من غدره وخسة أطماعه.
ورسالتنا للعواصم الأربع: إنها البداية، ولو حتى أتت متأخرة.. لكن السؤال الحرج: هل تملك الأطراف الأربعة النفس الطويل لإكمال الطريق؟.




