https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

القاهرة .. «توازنات جديدة» في إفريقيا

28

لم تعد التحركات المصرية فى القارة الإفريقية تُقرأ باعتبارها مجرد نشاط دبلوماسى تقليدى أو حضور بروتوكولى فى قمم إقليمية، بل أصبحت تعكس توجهًا استراتيجيًا متكاملا لإعادة بناء النفوذ المصرى فى دوائرها الحيوية، وفى مقدمتها حوض النيل والقرن الإفريقى، وفى هذا السياق جاءت جولة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة إلى أوغندا وكينيا، لتكشف بوضوح عن ملامح مقاربة مصرية جديدة تقوم على الربط بين الأمن القومي والتنمية، وبين الحضور السياسى والتكامل الاقتصادى، بما يضمن حماية المصالح السيادية المصرية فى بيئة إقليمية شديدة التعقيد.

القراءة المتأنية للزيارة تؤكد أن القاهرة تتحرك وفق استراتيجية تتجاوز منطق «رد الفعل»، إلى محاولة صياغة توازنات جديدة داخل القارة، فى ظل تصاعد التنافس الدولى والإقليمى على النفوذ، وكما يقول أهل السياسة، لا تقاس أهمية التحركات بعدد الاجتماعات أو البيانات الرسمية، وإنما بالرسائل التى تحملها، والتوقيت الذى تأتى فيه، وما تعكسه من تغير فى طريقة التفكير وإدارة المصالح، ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة جولة الرئيس السيسي الأخيرة فى إفريقيا، والتى شملت أوغندا وكينيا، باعتبارها واحدة من أهم التحركات المصرية فى القارة خلال السنوات الأخيرة.

الزيارة لم تكن مجرد مشاركة فى قمة دولية أو لقاءات بروتوكولية مع قادة أفارقة، بل بدت أقرب إلى إعلان مصرى واضح بأن القاهرة قررت العودة بقوة إلى عمقها الإفريقى، لكن هذه المرة بأدوات مختلفة، ورؤية أكثر واقعية، تعتمد على الاقتصاد والتنمية والشراكات طويلة المدى، إلى جانب الحضور السياسي التقليدى.

ربما كانت المحطة الأهم فى الجولة هى أوغندا، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافى فى قلب منطقة البحيرات العظمى، ولكن أيضًا لأنها تمثل دولة مؤثرة داخل معادلة حوض النيل، وخلال السنوات الماضية، أدركت القاهرة أن التعامل مع ملف المياه لم يعد ممكنًا بالعقلية التقليدية القديمة، أو من خلال الخطاب السياسي وحده، وإنما يحتاج إلى حضور فعلى داخل دول المنابع، قائم على المصالح المشتركة.. من هنا، بدا واضحًا أن المباحثات المصرية – الأوغندية تجاوزت فكرة «احتواء الخلافات» إلى بناء شراكة أوسع فى مجالات الزراعة والرى والطاقة والبنية التحتية، مصر تدرك أن التنمية فى دول حوض النيل أصبحت قضية لا يمكن تجاهلها، وأن أى محاولة للتعامل معها بمنطق الرفض أو التخوف فقط لن تحقق نتائج حقيقية.

لكن فى المقابل، كانت الرسالة المصرية واضحة أيضًا، القاهرة ليست ضد التنمية، لكنها ترفض أن تتحول مشروعات المياه إلى أدوات ضغط سياسى أو تهديد مباشر لحقوقها المائية، ولهذا ركزت التحركات المصرية على تقديم نموذج مختلف يقوم على التعاون وليس الصدام.

مصر تعرف جيدًا أن الفراغ فى إفريقيا لا يبقى فارغًا، هناك قوى إقليمية ودولية تتحرك بقوة داخل القارة، بعضها يبحث عن النفوذ السياسي، والبعض الآخر يستثمر فى الأزمات والخلافات، ولذلك فإن التواجد المصرى لم يعد رفاهية دبلوماسية، بل جزءًا أساسيًا من معركة حماية المصالح الاستراتيجية المصرية، ولفترة طويلة، تعاملت قوى دولية كثيرة مع إفريقيا باعتبارها ساحة خلفية للصراع على الموارد والنفوذ، لكن السنوات الأخيرة أثبتت أن القارة أصبحت لاعبًا رئيسيًا فى الاقتصاد والسياسة العالميين، خاصة مع ما تمتلكه من ثروات طبيعية ضخمة وأسواق واعدة وموقع جغرافى يتحكم فى عدد من أهم الممرات البحرية فى العالم، ومصر تبدو مدركة لهذه الحقيقة بشكل واضح، لذلك، لم يكن غريبًا أن تحمل كلمة الرئيس السيسي فى قمة» إفريقيا – فرنسا» فى نيروبى نبرة مختلفة، ركزت على ضرورة إعادة النظر فى شكل العلاقة
بين العالم المتقدم والدول الأفريقية.

القاهرة تحدثت بصراحة عن أزمة الديون، وعن صعوبة حصول الدول النامية على التمويل، وعن الأعباء التى تتحملها الاقتصادات الإفريقية نتيجة الأزمات العالمية المتلاحقة، لكن اللافت أن الخطاب المصرى لم يقتصر على عرض المشكلات، بل حاول تقديم تصور مختلف يقوم على الشراكة الحقيقية ونقل التكنولوجيا وتعزيز التصنيع داخل القارة، فى هذا السياق كانت مصر تتحرك باعتبارها دولة إفريقية لديها تجربة تنموية تسعى إلى نقلها، وفى الوقت نفسه باعتبارها طرفًا يسعى لحماية مصالحه داخل قارة تتزايد أهميتها يومًا بعد يوم.

قد تبدو بعض الملفات بعيدة عن إفريقيا ظاهريًا، لكنها فى الحقيقة مرتبطة بها بشكل مباشر، فعندما تتحدث مصر عن استقرار البحر الأحمر أو أمن الملاحة الدولية، فهى تدرك أن ما يحدث فى القرن الإفريقى ينعكس فورًا على قناة السويس وحركة التجارة والطاقة، ولهذا، لم يكن الربط بين استقرار إفريقيا واستقرار الشرق الأوسط مجرد حديث سياسى عام، بل تعبيرًا عن فهم مصري لطبيعة التهديدات الجديدة، فالصراعات الممتدة، وانتشار الجماعات المسلحة، والتنافس الدولى على الموانئ والممرات البحرية، كلها عوامل تجعل من شرق إفريقيا منطقة شديدة الحساسية بالنسبة للقاهرة، فالأمر لا يتعلق فقط بالأمن العسكرى، وإنما أيضًا بالاقتصاد، فأى اضطراب فى البحر الأحمر أو باب المندب ينعكس مباشرة على حركة السفن والإيرادات المرتبطة بقناة السويس، وهو ما يفسر اهتمام مصر المتزايد بتوسيع حضورها السياسى والاقتصادى فى تلك المنطقة.

أما «القلق الصامت» فى السودان والقرن الإفريقى.. فقد كان حاضرًا أيضا، فخلف التصريحات الرسمية الهادئة، هناك قلق مصرى واضح من حالة السيولة الأمنية فى عدد من دول الجوار الإفريقى، خاصة السودان والصومال وبعض مناطق القرن الإفريقى، القاهرة تدرك أن استمرار الفوضى فى هذه المناطق يفتح الباب أمام تهديدات ممتدة، سواء من خلال الهجرة غير الشرعية أو انتشار السلاح أو تنامي نفوذ الجماعات المتطرفة، لذلك، فإن جزءًا مهمًا من التحرك المصرى فى إفريقيا يرتبط بمحاولة منع انهيار الدول الوطنية أو تفكك مؤسساتها، ولهذا تكرر القاهرة باستمرار الحديث عن أهمية الحفاظ على وحدة الدول ورفض التدخلات الخارجية ودعم الحلول السياسية، هذه الرؤية لا تنطلق فقط من اعتبارات مبدئية، وإنما أيضًا من حسابات الأمن القومى المباشرة، فالدولة المصرية تعرف أن أى فراغ أمنى كبير فى محيطها الجنوبى ستكون له انعكاسات مباشرة عليها، مهما بدا بعيدًا جغرافيًا.

ولأن الاقتصاد هو السلاح الأهم فى معركة النفوذ، كان من اللافت فى التحركات المصرية الأخيرة أنها لم تعتمد فقط على الخطاب السياسى، وإنما ركزت بصورة واضحة على الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية، اللقاءات التى عقدها الرئيس السيسي مع مسئولى شركات عالمية كبرى، ومنها مجموعة «CMA-CGM» الفرنسية، عكست إدراكًا بأن النفوذ فى إفريقيا لم يعد يبنى بالشعارات، وإنما بالمشروعات والموانئ والطرق والاستثمارات.

القاهرة تراهن حاليًا على موقعها الجغرافى وقدراتها اللوجستية لتصبح مركزًا رئيسيًا يربط إفريقيا بأوروبا وآسيا، ومن هنا تأتى أهمية تطوير الموانئ المصرية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشبكات النقل الحديثة، فالفكرة الأساسية هنا أن مصر تريد أن تتحول إلى البوابة الاقتصادية الأهم للقارة، وهو ما يمنحها ثقلاً سياسيًا واستراتيجيًا أكبر، ويجعل استقرارها جزءًا من مصالح دولية أوسع، كما أن هذا التوجه يفتح أمام الشركات المصرية فرصًا كبيرة داخل الأسواق الإفريقية، خاصة فى مجالات التشييد والطاقة والدواء والبنية التحتية، وهى قطاعات تمتلك فيها القاهرة خبرات متراكمة خلال السنوات الأخيرة.

والمتابع والمتتبع  لتحركات مصر الاخيرة خاصة فى إفريقيا، سيلاحظ أن ما يميز التحرك المصرى الحالى فى إفريقيا أنه يبدو أقل صخبًا وأكثر عملية، فالقاهرة لم تعد تعتمد على الشعارات الكبيرة أو الخطابات الحماسية، وإنما تتحرك وفق حسابات دقيقة ترتبط بالمصالح المباشرة وبناء النفوذ التدريجى.

هناك إدراك واضح داخل الدولة المصرية أن العالم يتغير بسرعة، وأن الحفاظ على المصالح يحتاج إلى حضور دائم فى دوائر التأثير، وليس فقط التحرك وقت الأزمات، ولذلك، تبدو السياسة المصرية الحالية أقرب إلى إعادة تموضع شاملة داخل القارة الإفريقية، وفى الوقت نفسه، تحاول القاهرة الحفاظ على توازن دقيق بين الانفتاح على القوى الدولية المختلفة، وبين حماية استقلال قرارها السياسي، فهى تتعاون مع شركاء غربيين وشرقيين، لكنها تحرص على أن تبقى أولوياتها مرتبطة بحساباتها الوطنية أولاً.

فما يحدث الآن ليس مجرد عودة مصرية تقليدية إلى إفريقيا، وإنما محاولة لبناء علاقة جديدة مع القارة، تقوم على المصالح المتبادلة والتنمية والتكامل الاقتصادى، إلى جانب التنسيق السياسى والأمنى، والقاهرة تعرف أن التحديات كبيرة، وأن المنافسة داخل إفريقيا أصبحت أكثر تعقيدًا، لكن الواضح أيضًا أنها لم تعد تنظر إلى القارة باعتبارها ملفًا ثانويًا أو هامشيًا، بل باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها ومستقبلها الاقتصادى والسياسى.

ومن خلال هذا التحرك الواسع، تحاول مصر أن تقول إنها لا تتحرك بدافع القلق فقط، وإنما انطلاقًا من قناعة بأن مكانتها الإقليمية الحقيقية لا يمكن ترسيخها من دون حضور قوى ومؤثر داخل إفريقيا، وفى عالم يتغير بسرعة، يبدو أن القاهرة اختارت أخيرًا أن تتحرك إلى الأمام، لا للدفاع عن مصالحها فقط، بل لمحاولة المشاركة فى رسم التوازنات الجديدة داخل قارة أصبحت اليوم واحدة من أهم ساحات التأثير فى العالم.