رئيس التحرير
من استعراض الإنجازات إلى بناء الثقة بين المواطن والحكومة هذه حكايتنا
By m kamalأكتوبر 25, 2026, 21:31 م
20
ليست كل الحكايات مجرد استعادة لما مضى، فبعضها محاولة لفهم الحاضر، ومصارحة النفس بما تحقق وما لم يتحقق، ثم البحث عن الطريق الذي يقود إلى المستقبل.
من هنا تأتي أهمية «منتدى مصر 2026»، الذي استمر على مدى 5 أيام لا تقتصر دلالته على استعراض ما أنجزته الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، وإنما تمتد إلى طرح سؤال أكثر عمقًا وتأثيرًا: كيف يرى المواطن هذه الإنجازات؟ وما الذي ينتظره من حكومته؟ وإلى أي مدى تستطيع المصارحة والحوار أن يعيدا بناء جسور الثقة بين الطرفين؟
تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، جاء المنتدى، الذي دعا إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليجمع الحكومة بالخبراء والمتخصصين وممثلي المجتمع المدني والشخصيات العامة والسياسيين والمواطنين، فى محاولة لفتح مساحة أوسع للحوار حول واقع الدولة ومستقبلها.
كانت الرسالة الأهم التي حملتها كلمته الافتتاحية على لسان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أن المنتدى ليس حوارًا من اتجاه واحد، تتحدث فيه الحكومة ويكتفي المواطن بالاستماع، بل حوار متبادل يتحدث فيه المواطن وتستمع الحكومة، وتعرض فيه الدولة ما تحقق، وتواجه فى الوقت نفسه الأسئلة والانتقادات والمقترحات المطروحة أمامها.
وهنا تكمن أهمية عنوان «هذه حكايتنا»؛ فالحكاية ليست حكاية الحكومة وحدها، ولا هي رواية رسمية عن مشروعات وأرقام ومؤشرات، وإنما حكاية وطن شارك أبناؤه فى تحمل أعباء التحولات التي شهدها خلال السنوات الماضية، وحكاية مواطن يتطلع إلى أن يرى أثر جهود التنمية فى تفاصيل حياته اليومية، من التعليم والصحة والسكن وفرص العمل، إلى الأسعار والدخل والحماية الاجتماعية ومستقبل أبنائه.
إن من حق الحكومة أن تعرض إنجازاتها.. ومن حق المواطن أن يسأل.
لا يمكن قراءة المنتدى بمعزل عن طبيعة المرحلة التي مرت بها مصر منذ عام 2014، وما شهدته من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية وإقليمية، بالتوازي مع تنفيذ مشروعات قومية واسعة فى البنية التحتية والنقل والطاقة والإسكان والتوسع العمراني، إلى جانب المبادرات الاجتماعية والصحية وبرامج تطوير الريف.
(1)
لقد قدمت الدولة خلال هذه السنوات روايتها بشأن ضرورة التحرك فى مسارات متوازية، وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمات اليومية، بل بناء بنية أساسية قادرة على استيعاب النمو السكاني، وجذب الاستثمار، وفتح مجالات جديدة للتنمية، وتوسيع الرقعة العمرانية، وتحسين قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.
لكن استعراض ما تحقق لا ينبغي أن يتحول إلى نهاية للنقاش، بل إلى بدايته.
استعراض الحكومة لحجم التحديات والحديث عن تفاصيل الحكاية التى سطرها المواطن المصرى خلال الاثنى عشر عاما الأخيرة من بناء، وكشف تفاصيل المشروع الوطنى المصرى وكيف استطاع أن ينجو من مخطط الفوضى، كان من أهم مخرجات المنتدى.
ومن هنا، مثل المنتدى فرصة للانتقال من مرحلة عرض المشروعات إلى مرحلة تقييم أثرها، ومن تقديم الأرقام إلى تفسيرها، ومن الحديث عن الخطط إلى مناقشة أولويات المواطن الذي يتعامل يوميًا مع نتائج هذه السياسات.
من أبرز دلالات «منتدى مصر 2026» أن الاستماع إلى المواطنين لم يبدأ مع انعقاد الجلسات فقط، بل امتد إلى مرحلة الإعداد من خلال استطلاعات الرأي وجلسات الاستماع والمناقشات الأكاديمية والمجتمعية، وإتاحة منصة إلكترونية لتلقي الآراء والمقترحات.
ووفقًا لما أعلنه رئيس الوزراء، شارك أكثر من 450 مواطنًا فى جلسات استماع بالأكاديمية الوطنية للتدريب، وقدموا نحو 150 فكرة ومقترحًا، كما شارك أكثر من أربعة آلاف أكاديمي وباحث وخبير فى 30 جلسة تحضيرية عقدت فى 28 جامعة مصرية، إلى جانب جلسات بمشاركة مراكز الفكر والمتخصصين.
وأشار أيضًا إلى أن المنصة الإلكترونية سجلت أكثر من 61 ألف مشارك، وقدمت من خلالها أكثر من 16 ألف فكرة ومقترح، وفق الأرقام التي عرضها فى افتتاح المنتدى.
فالمواطن الذي طرح سؤالًا عن جودة التعليم لا يبحث عن عرض إحصائي فقط، وإنما يريد أن يعرف كيف ستتحسن قدرة المدرسة على تقديم تعليم جيد، وكيف سيكتسب أبناؤه المهارات التي يحتاجونها فى سوق العمل وهو ما قدمته الحكومة.
والذي تحدث عن الصحة يريد خدمة متاحة وذات جودة وتكلفة يمكن تحملها وهو ما عرضته الحكومة خلال المنتدى مستعرضة كيف نجحت فى مواجهة التحديات خاصة خلال جائحة كورونا.
والذي سأل عن الاقتصاد أراد أن يفهم كيف سينعكس أي تحسن فى المؤشرات الاقتصادية على دخله وقدرته الشرائية وفرص العمل المتاحة أمام أبنائه.
ولذلك، فإن الاستماع لم يكن مجرد إتاحة الميكروفون للمواطن، بل فهم ما وراء السؤال من احتياجات ومخاوف وتوقعات، ثم التعامل معها بجدية.
فكل سؤال طرحه مواطن يحمل فى داخله تجربة إنسانية، وربما عكس مشكلة تتكرر لدى آلاف الأسر، وهو ما جعل الحوار المجتمعي أداة مهمة لاكتشاف أوجه القصور التي قد لا تكشفها المؤشرات العامة وحدها.
إن أهمية المنتدى تضاعفت عندما أنتقلنا من الأسئلة العامة إلى القضايا التي تشغل الرأي العام وتؤثر بصورة مباشرة فى تقييم المواطنين لأداء الحكومة.
مثل: لماذا اتجهت الدولة إلى إنشاء العاصمة الإدارية الجديدة؟ وهل كان التوسع فى مشروعات الطرق والكباري والمدن الجديدة ضرورة فى توقيت تنفيذها، أم كان من الأفضل توجيه قدر أكبر من الموارد إلى التعليم والصحة؟ وما الرؤية الاقتصادية لما بعد برنامج صندوق النقد الدولي؟
هذه الأسئلة، التي أجاب عنها رئيس الوزراء خلال المنتدى، بشفافية شديدة ودقة توقفت عندها كثيرا وبالتأكيد هناك آخرون استوقفتهم كلمات رئيس الوزراء وهو يتحدث عن حجم الخسارة التى كانت ستتعرض لها الدولة المصرية حال عدم قيامها بتطوير شبكة الطرق. والتى ستبلغ 10 مليارات دولار سنويا بسبب زيادة استهلاك الوقود فى الزحام.
لقد جاء حديث الحكومة ليس تفسيرا لقرارات سابقة، وإنما عرضًا أيضًا لأولويات الإنفاق العام، وترتيب الاحتياجات، ومدى التوازن بين متطلبات بناء البنية الأساسية ومتطلبات الاستثمار فى الإنسان.
إن قيمة الحوار الحكومي لا تظهر عندما تكون الأسئلة سهلة، وإنما عندما تتناول الملفات الشائكة التي تتطلب شرحًا ومصارحة، وعندما تتعامل الإجابات مع مخاوف المواطنين باعتبارها أسئلة مشروعة، لا مجرد انتقادات ينبغي الرد عليها دفاعيًا. وهو ما نجحت فيه الحكومة خلال المنتدى.
(2)
إن من المهم التمييز بين ثلاثة أمور، كثيرًا ما تختلط فى النقاش العام: حجم ما أنجزته الدولة، ومدى رضا المواطنين عن السياسات المتبعة، ومستوى الثقة فى قدرة الحكومة على معالجة المشكلات الحالية والمستقبلية.
قد تنفذ الدولة مشروعًا مهمًا يحقق عائدًا استراتيجيًا طويل الأجل، لكن المواطن لا يشعر بأثره المباشر فى الوقت الحالي. وقد تتحسن بعض المؤشرات الاقتصادية بينما تستمر الضغوط على ميزانية الأسرة. وقد تتوسع الخدمات فى منطقة معينة، بينما تظل مناطق أخرى بحاجة إلى تطوير أكبر؛ هنا ياتى حديث الحكومة ليجعل الرأى العام شريكا وأكثر ثقة فيها.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الإنجاز غير حقيقي، بل يعني أن العلاقة بين الإنجاز وشعور المواطن به ليست تلقائية. إنها تحتاج إلى تفسير واضح، وتوزيع عادل للعوائد، وتحسين مستمر للخدمات، وقياس دقيق لنتائج السياسات.
كما أن الثقة لا تعني الاتفاق مع كل قرار حكومي، وإنما تعني وجود قدر من الاطمئنان إلى أن القرار يستند إلى أسباب واضحة، وأن نتائجه تخضع للتقييم، وأن الأخطاء يمكن الاعتراف بها وتصحيحها، وأن المواطن يستطيع أن يسأل ويحصل على إجابة مفهومة.
وهنا تبرز أهمية منتدى مصر باعتباره فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس أكثر اتساعًا من التواصل الإعلامي التقليدي؛ علاقة تقوم على تبادل المعلومات، وتفسير السياسات، والاستماع إلى النقد، وفتح المجال أمام الخبرات المجتمعية للمشاركة فى اقتراح الحلول.
الحوار فى حد ذاته خطوة مهمة، لكنه ليس الغاية النهائية. فالمنتديات الوطنية لا تقاس فقط بعدد المشاركين أو الجلسات أو الأسئلة التي طُرحت، وإنما بما تنتجه من معرفة تساعد على اتخاذ قرارات أفضل.
ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لمنتدى مصر 2026 يبدأ من اليوم التالي لانتهاء فعالياته.
(3)
هل ستتحول المداخلات والمقترحات إلى خطة عمل؟ هل ستحدد الحكومة أولويات واضحة وفقًا لاحتياجات المواطنين؟ وهل ستكون هناك آلية لمتابعة تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، وقياس أثره، وإعلان ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك؟
إننا ونحن نمثل للطبع كان المنتدى ما زال منعقدا والجلسة الختامية لها ستعقد اليوم السبت لذا نجد أنه من الضروري إنشاء آلية معلنة لمتابعة المقترحات التي يتقدم بها المواطنون، وتوضيح ما تم الأخذ به، وما يحتاج إلى دراسة إضافية، وما تعذر تنفيذه، مع بيان الأسباب. فليس مطلوبًا من الحكومة أن توافق على كل مقترح، لكن من حق أصحاب المقترحات أن يعرفوا كيف جرى تقييمها ولماذا اتُخذ القرار بشأنها.
هذه الآلية ستمنح المشاركة معناها العملي، وستحول المنتدى من حدث حواري إلى وسيلة مستمرة لتحسين الأداء الحكومي، وتعزيز المساءلة، وتطوير السياسات العامة على أساس الخبرة والبيانات واحتياجات المجتمع.
ففي أوقات الأزمات والتحديات الإقليمية والاقتصادية، تصبح الثقة المتبادلة بين المواطن ومؤسسات الدولة أحد أهم عناصر الاستقرار والقدرة على مواجهة الصدمات.
فالمجتمع الذي يفهم طبيعة التحديات، ويعرف حدود الموارد المتاحة، ويثق فى أن القرارات تتخذ وفق أولويات معلنة، يكون أكثر قدرة على المشاركة فى تحمل المسؤولية وتقييم البدائل بصورة واقعية.
لكن بناء هذه الثقة لا يتحقق بتقديم صورة مثالية عن الواقع، وإنما بالمصارحة بشأن ما تحقق وما لم يتحقق، وما يمكن إنجازه فى المدى القريب وما يحتاج إلى وقت، وما تملكه الدولة من إمكانات وما تواجهه من قيود.
وكلما اتسعت مساحة المعلومات الموثوقة، تراجعت المساحة المتاحة للشائعات والتفسيرات المضللة.
فالمعلومة الواضحة لا تلغي الاختلاف فى الرأي، لكنها تساعد على أن يقوم الاختلاف على حقائق يمكن مناقشتها، بدلًا من أن يتحول إلى صراع بين روايات متعارضة.
ومن المهم هنا ألا ينظر إلى النقد باعتباره خصما من رصيد الدولة، أو إلى الأسئلة الصعبة باعتبارها تشكيكا فى كل ما تحقق.
فالنقد المسؤول يمكن أن يكشف خللًا يحتاج إلى معالجة، والسؤال المشروع يمكن أن يدفع إلى تحسين قرار، والمقترح العملي قد يفتح مسارًا أكثر كفاءة لتحقيق الهدف نفسه.
إن الدولة القوية ليست التي لا تسأل، بل التي تستطيع أن تجيب، وتشرح، وتتعلم من التجربة، وتصحح مسارها عند الضرورة.
والحكومة الواثقة من عملها لا تخشى الحوار، بل تستفيد منه فى تطوير أدائها وتعزيز قدرتها على تحقيق النتائج.
إن «هذه حكايتنا» ليست مجرد عبارة تصلح عنوانًا لمقال أو شعارًا لمنتدى، وإنما فكرة تعكس حقيقة أساسية: إن الوطن لا يُبنى بجهد الحكومة وحدها، ولا تنفصل فيه مسؤولية الدولة عن دور المجتمع، ولا تكتمل فيه مسيرة التنمية من دون مشاركة المواطنين فى تحديد الأولويات وتقييم النتائج.
الحكومة مسؤولة عن التخطيط والتنفيذ وتوفير الخدمات وإدارة الموارد، والمواطن شريك فى الحوار وتقديم المقترحات ومراقبة النتائج، والخبراء والمتخصصون يقدمون المعرفة والتحليل والبدائل التي تساعد على اتخاذ القرار. وعندما تتكامل هذه الأدوار، يصبح الحوار وسيلة لتقريب وجهات النظر وتحويل الاختلاف إلى فرصة للتطوير.
ومن هذا المنطلق، ينبغي أن يكون المنتدى بداية لمسار مستمر من التواصل، لا محطة استثنائية تنتهي بانتهاء فعالياته.
إن أهم ما يمكن أن يخرج به المجتمع من هذه التجربة ليس مجرد معرفة ما أنجزته الدولة خلال السنوات الماضية، وإنما إدراك أن المستقبل مفتوح للنقاش والتقييم والتطوير، وأن ترتيب الأولويات يمكن أن يستفيد من خبرة المواطن، وأن تحسين الأداء الحكومي مسؤولية مستمرة لا تتوقف عند إعلان النتائج.
فى النهاية، لقد نجح «منتدى مصر 2026» فى جمع مختلف أطياف المجتمع حول طاولة واحدة، واستطاع فتح ملفات مهمة وقدم إجابات عن تساؤلات شغلت الرأي العام كثيرا.
فالمواطن لا يقيس علاقته بالحكومة بما يسمعه فى المناسبات وحدها، وإنما بما يلمسه فى حياته: خدمة أفضل، وفرصة عمل حقيقية، وتعليم أكثر جودة، ورعاية صحية أكثر كفاءة، وسياسات اقتصادية واضحة، وقدرة أكبر على مواجهة أعباء المعيشة، وشعور بأن صوته مسموع وأن احتياجاته تؤخذ فى الاعتبار.
هذه حكايتنا.. حكاية وطن لا يكتفي بأن يتحدث عن ما أنجزه، بل يراجع حاضره، ويصغى إلى أبنائه، ويعمل على أن يكون المستقبل أفضل.
فالثقة لا تُطلب من المواطن، وإنما تُبنى معه، ولا تُصنع بالكلمات وحدها، بل بالمصارحة والإنجاز والوفاء بالوعود. وعندما يرى المواطن أن صوته مسموع، وأن سؤاله يجد إجابة، وأن مشاركته تترك أثرًا، يصبح شريكًا حقيقيًا فى كتابة الحكاية، لا مجرد متلقٍ لفصولها.