https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

“على بلاط صاحبة الجلالة”: (1) الحب الأول.. اللقاء الأول

9

كان ذلك قبل أربعين عاما تقريبا.. فى يوم صائف من أيام شهر يونيو عام 1985 وبينما أخطو خطواتى الأولى داخل المبنى رقم (1119) المطل على كورنيش النيل عند منطقة ماسبيرو، أمنى نفسى بلقاء أستاذي الأول فى مملكة الكلمة والحرف، أنيس منصور؛ كان صراعا يدور فى عقلى المزدحم بخيالاتٌ وأفكارٌ ساذجة ترسم سيناريو وهمياً عن اللقاء المرتجى.. ماذا سأقول للأستاذ حين ألتقيه؟ وكيف أترك لديه انطباعاً إيجابياً فى اللقاء؟! الأستاذ صاحب أول كتاب قرأته كاملاً وأنا فى الصف الثالث الابتدائي، وكان فى أدب الرحلات وعنوانه: «غريب فى بلاد غريبة»، ووقعت بعدها فى غرام القراءة وكتب أنيس منصور، وكان أحدث كتاب قرأته له يحمل عنوان: «فى صالون العقاد كانت لنا أيام» (نشره حلقات مسلسلة فى مجلة أكتوبر)؛ يقدم فيه الأستاذ نفسه للقارئ، ويحكى عن حياته، عُقَدِهِ، أوجاعه، طموحاته، اعترافاته، وعلاقته بأستاذه صاحب «العبقريات» محمود عباس العقاد؛ ويضم هذا السفر البديع سجالات حوارية دارت بينهما، وفى الغالب تصورها خيال الأستاذ.. وتمضى العبارات الرشيقة العقاد يقول وأنيس يعقب، وبين القول والتعقيب دروسٌ فى الفلسفة والتاريخ والإبداع والأدب.

وتم قبولي متدربا فى مجلة «وادي النيل» التي كانت تصدر فى هذا التاريخ (1985) عن دار المعارف وتعكس مشروع التكامل السياسي والاقتصادي بين مصر السادات وسودان جعفر النميري، وأُوكلت إلى الأستاذ أنيس مهمة إصدارها ورئاسة تحريرها بعد تركه مجلة «أكتوبر» التي أسسها عام 1976، وقد رشحنى أستاذي فى كلية الإعلام د. محمود علم الدين لأتدرب بها، بعدما طلب الأستاذ منه اثنين من طلبته ليتدربا تمهيدا لضمهما إلى الفريق الصحفى الذي يصدر المجلة، التى ينفذها صحفيو «أكتوبر».

لم أكذب خبرا وما أن انتهيت من امتحان السنة النهائية بكلية الإعلام، حتى توجهت فى اليوم التالى أنا وزميل لى، وقابلنا سكرتير التحرير، وانتظمنا فى العمل ومضى نحو شهر كامل دون أن تُتاح لنا فرصة مقابلة الأستاذ، فى حجرة مكتبه المجاور، وما أن أسمع عبارة سكرتيره الخاص للفراش: “هات الأسانسير” حتى أسرع فأختلس النظر من خلف باب الحجرة لأرى الأستاذ وهو يغادر مكتبه منصرفا ويتجه إلى باب المصعد الذي ينتظره.

وبعد يأس رسمتُ وزميلي خطة، انتهزنا فرصة أن سكرتير التحرير فى مقابلة بشأن العمل عند الأستاذ وانتظرناه فى حجرة السكرتير، وما أن خرج سكرتير التحرير من حجرة مكتب الأستاذ حتى وجَدَنا أمامه نطلب فى شبه إصرارٌ أن يدخلنا للأستاذ.

.. المفاجأة أننا وجدنا الأستاذ ينتظرنا واقفاً فى منتصف حجرة مكتبه الواسعة، وفى هذه اللحظة رأيته شخصيةً أسطورية خرجت لتوها من كتب الأساطير الإغريقية!.. مد يده فصافَحَنا ودعانا للجلوس وجلس إلى مكتبه، وسريعا ما كسر صمت خجلنا بإدارة حوار بسيط، سألنا عن أحوال كلية الإعلام، ومن يكون عميدها، ومناهج التدريس فيها، وكان يعقب بعبارات تشبه رشقات عناوين موضوعاته وكتبه، وأحيانا محملة بسخرية لذيذة، وآثرت أن التزم الصمت وأترك الكلام لزميلى، وقد قررت أن أفعل هذا خشية أن أتحدث فأخطئ، وفى ذهني حكايته التى قرأتها وغويتها عن شيخ غريب ذي هيبة، ذهب يحضر مجلس أبي حنيفة النعمان واستحى العالم الجليل أن يمد ساقه المريضة فى حضرة الشخص المهيب، حتى سأل الأخير سؤالاً غاية فى التفاهة، فسقطت هيبته، فمد العالم قدميه مطمئنا وهو يردد مقولته الخالدة: «آن لـ أبي حنيفة أن يمد رجليه!».

.. رنّ جرس الهاتف الأرضي إلى جواره، رفع السماعة، وبعد قليل من الكلام عرفنا أن الأستاذ محمد عبد الوهاب هو المتحدث على الطرف الآخر! ودار الحديث بينهما عن أغنية «فى يوم وليلة» التى شدت بها وردة فى حفل الليلة السابقة من ألحان عبد الوهاب، وكان الأستاذ بين الحين والآخر يغطي بوق سماعة الهاتف بيده، ويبدى ملاحظة أو يعلق موجها الكلام لنا: «أكبر داعية لمحمد عبد الوهاب هو محمد عبد الوهاب!».. أيما سعادة تلك التى شعرت بها والأستاذ يبدى اهتماما، وإكبارا لنا.. فهل تعلم هذا من أستاذه العقاد؟ ..

للذكريات بقية