https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

التنظيم الإرهابي والمال الحرام

529

الشهر الماضي كشف ناشط فلسطيني عن فضيحة مدوية؛ وما أن أطلقها حتى أشعلت النار في تنظيم الإخوان الإرهابي، خاصة وأن الفضيحة كانت استغلال ونهب أموال التبرعات الموجهة لقطاع غزة والتي تجمعها جمعية “وقف الأمة”. الفضيحة هزّت الساحة الإنسانية والسياسية في العالم العربي.

دخلت حركة حماس على الخط كعادة التنظيم الإرهابي في التبرؤ عندما تُكشف أمام العالم الفضائح الإنسانية للتنظيم، كما فعل البنا من قبل عقب حادث مقتل النقراشي باشا وأعلن قائلا: «ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين» يقصد من قتلوا النقراشي بعد أن ثبت انتماؤهم لجماعة الإخوان، فسارع بالتبرؤ منهم، هكذا فعلت حماس معلنة عدم تلقيها التبرعات من جمعية «وقف الأمة» في تركيا التي بلغت 500 مليون دولار وأنها تبرأت من تلك الجمعية وثلاث جمعيات أخرى تعمل في تركيا منها: «منبر الأقصى، وكلنا مريم» بهدف جمع الأموال لصالح سكان غزة .

الفضيحة لم تصب الجمعية وحدها كونها إحدى أذرع جمع التبرعات والعمل الإنسانى للتنظيم الدولى لجماعة الإخوان؛ بل امتدت أثرها للجماعة بأسرها والجمعيات التابعة لها فى كافة أنحاء العالم لتكشف النقاب عن فضيحة أكبر امتدت على مدى أكثر من 97 عاما منذ تأسيس التنظيم الإرهابى عام 1928 وحتى الآن.

الفضيحة المالية انتشرت انتشار النار فى الهشيم لتعيد للأذهان كيف استطاع التنظيم الإرهابى تحت زعم جمع تبرعات باسم دعم شعب مثل الشعب الفلسطيني، أو أى من الشعوب التى تواجه أوضاع إنسانية مأسوية كعمليات إبادة أو مواجهة جائحة مثل ما حدث فى أفغانستان فى الثمانينيات، وما حدث فى البلقان فى التسعينيات بالإضافة إلى القضية الأم، القضية الفلسطينية.
عندها تفتح الجمعيات التابعة للتنظيم أبوابها وصناديقها وحساباتها المالية لتلقى التبرعات ليدفع بها التنظيم الإرهابى فى مسارات أخرى تخدم أغراضه وأفكاره، كأن تبنى كيانات اقتصادية ضخمة تنفق من عوائدها على التنظيمات الإرهابية التابعة.

(1)

لقد وجدت جمعية «وقف الأمة» التى تتخذ من إسطنبول مقرا لها نفسها فى قلب اتهامات صارخة بالاستيلاء على أموال ضخمة بلغت 500 مليون دولار لم تُنفق فى مسارها المعلن.
الاتهامات نشأت بعد كشف فساد داخلى وتسريب رسائل وكشوف حسابات ولقطات من هواتف تلقى الضوء على شبكات مالية معقدة مرتبطة بعناصر من جماعة الإخوان الإرهابية، تُستخدم كقنوات لتجميع وتوجيه الأموال بعيدًا عن أهداف الإغاثة.

وجاءت هذه الاتهامات بعد تصريحات من مصادر سياسية وإعلامية تفيد بأن الأموال لم تصل للفئات المستهدفة فى غزة، بل تم امتصاصها داخل دوائر تنظيمية وأذرعها، مما جعل القضية تتحول من حملة تبرع إنسانية إلى أزمة ثقة عامة تجاه العمل الخيرى ذاته.

الصدمة الأكبر لم تكن فى مجرد جمع الأموال، بل فى الكشف عن أن جزءًا كبيرًا من هذه التبرعات جُمعت عبر شبكات فى تركيا والأردن وأخرى مرتبطة بجماعات وشخصيات محسوبة على «الإخوان»، دون إشراف أو شفافية معترف بها من منظمات دولية للإغاثة، مما أثار انتقادات واسعة من مؤسسات مراقبة ومجتمع مدنى وحتى من داخل بعض الفصائل الفلسطينية نفسها.

جمعية «وقف الأمة» كأحد أذرع الجماعة الإرهابية على مدى العقد الماضي، أطلقت آلاف الحملات، صوّر العديد منها على أنها جهود إغاثة عاجلة لغزة أو القدس.

وقد سوّقت حملاتها الأخيرة باعتبارها الأكبر على الإطلاق للقطاع منذ بدء الحرب، مدعومة برجال دين مشهورين وفرق تسويق رقمى منسقة.
لكن تلك القضية لم تكن الوحيدة بل هناك العديد من القضايا التى تكشف فساد التنظيم المتدثر بالفضيلة وهى منه براء.

كما فرضت وزارة الخزانة الأمريكية فى يونيو 2025 عقوبات على مؤسسة “فلسطين وقفّى – Filistin Vakfı”، وهى جمعية خيرية أخرى مقرها تركيا، متهمة إياها بجمع أموال لصالح الجناح العسكرى لحركة حماس عقب هجوم 7 أكتوبر 2023.

وقالت الوزارة إن رئيس الجمعية “أدار جهود جمع التبرعات تلك، مستغلًا موقع تركيا كمركز للعمليات المالية السرية الخاصة بحماس”.
وقد فجّرت فضيحة جمع التبرعات المرتبطة بجماعات مثل وقف الأمة موجة غضب وانعدام ثقة.

فقد صرّح رجل أعمال فلسطينى عمل داخل وقف الأمة قبل نحو سبع سنوات، إن الممارسات الداخلية للمؤسسة كانت تناقض تمامًا صورتها العلنية كجهة خيرية.

وقد تحدث بشرط عدم الكشف عن هويته، خوفًا من ملاحقات قانونية أو تأثيرات سلبية على أعماله فى تركيا.
قال إن المؤسسة كانت تعمل تحت شعار “دعم القدس”، لكن طريقة إدارتها للأموال لم يكن لها أى علاقة بالشفافية.
فالمشروعات التى أعلن عنها الوقف لم تكن موجودة على أرض الواقع. وعلى الرغم من أن الجماعة جمعت عشرات الملايين من الدولارات باسم القدس، فإن جزءًا كبيرًا من تلك الأموال انتهى فى الحسابات الشخصية لأفراد داخل الجماعة.

وأضاف أن بعضهم تمكن من الالتفاف على الرقابة التى يمارسها مجلس الأمناء وهيئة الوقف عبر أذرع استثمارية وشركات، حيث جرى تحويل الأموال لشراء وبيع العقارات لتحقيق مكاسب شخصية، مع اقتطاع عمولات من كل صفقة.

كما أن المشروعات التى روجوا لها فى القدس لم تكن سوى أكاذيب، وأن المعلومات المنشورة على موقع الوقف لم تكن دقيقة؛ بل كانت معتمة بالكامل.

ووصف وجود قنوات متعمدة لغسل الأموال، إذ قامت الجمعية بإنشاء شركات كواجهات، ثم أعلنت إفلاس بعضها لاحقا لإخفاء المسار الحقيقى للأموال، بينما استمرت التحويلات إلى الحسابات الخاصة داخل المؤسسة.

وأشار رجل الأعمال الفلسطينى إلى أن المؤسسة كانت تُراوغ دائمًا بشأن الأسئلة المتعلقة بالمشروعات فى القدس. فعندما كان أى شخص يسأل عن تلك المشروعات، كانوا يقدمون أعذارًا تتعلق بالاحتلال والتحديات الأمنية، ويدّعون أن الأموال تمر عبر جمعيات لا يُكشف عنها. بينما فى الحقيقة، كانت الجماعة تتولى إدارة جزء كبير منها داخليًا أو تحوّلها إلى حسابات شخصية بعيدًا تمامًا عن أى رقابة رسمية.
موضحا أن كل شيء كان يحدث خلف الستار؛ فالجمهور كان يسمع خطابات عاطفية عن القدس، بينما ما يجرى داخل المؤسسة كان مختلفًا تمامًا.

تصريحات رجل الأعمال الفلسطينى وعضو الوقف السابق كشفت حجم الجريمة التى يرتكبها التنظيم الإرهابى من خلال ما يعرف بأذرعه الخيرية.

إن التعاطف العالمى وقنوات التبرع غير الرسمية قد خلقت ظروفاً مثالية للاستغلال.
حيث ترتبط هذه القضية ارتباطاً وثيقاً بموجة التعاطف الشعبى العالمي، وخاصة فى المجتمعات المسلمة، مع القضية الفلسطينية ومع المدنيين فى غزة. وغالباً ما تُقدّم التبرعات بحسن نية، سواء كانت نقدية أو عينية، دون إيصالات أو أى وثائق تُثبت عملية التحويل”
القضية تدعونا للتوقف قليلا مع التنظيم الإرهابى والمال الحرام وكيف يحول أموال المتبرعين التى جمعت من أجل هدف نبيل هو تخفيف المعاناة عن الشعوب إلى أموال يدفع بها فى قنوات ومسارات تستهدف القتل والتدمير وتخريب وهدم الأوطان.

“هناك أموال أكثر بكثير نهبت والمطلوب محاسبة التنظيم الإرهابى وأذرعه المالية وحجز كافة حساباته والشركات والمؤسسات التابعة له عربيا وإقليميا ودوليا”.

(2)

فى يوليو الماضي، كشفت السلطات الأردنية تحقيقات واسعة شملت أنشطة مالية غير قانونية ارتبطت بجماعة الإخوان المحظورة فى البلاد.
وفقًا لنتائج التحقيقات الرسمية، أدارت الجماعة شبكة مالية ضخمة ومعقدة اعتمدت بشكل أساسى على جمع تبرعات عبر جمعيات تنشط فى هذا المجال خارج نطاق القانون.

وجُمع أكثر من 30 مليون دينار أردنى (أكثر من 42 مليون دولار تقريبًا) خلال السنوات الثمانى الماضية، دون شفافية أو رقابة واضحة.
التحقيقات أشارت إلى أن الأموال لم تُستخدم فقط فى مساعدات إنسانية، بل صُرفت على أنشطة سياسية داخلية فى الأردن عام 2024، بهدف زعزعة الأمن داخل الأردن، بالإضافة الى تمويل ما وصفتها السلطات بـ «الخلايا والفعاليات» المرتبطة بالجماعة، إضافة إلى استثمارات شخصية وأصول عقارية فى إحدى الدول الإقليمية تبلغ عوائدها السنوية 3 ملايين دولار تقريبا.

التحقيق كشف أن الجماعة استغلت حرب غزة لجمع التبرعات بشكل غير قانوني، بدعوى مساعدة المتضررين، عبر شُعب وجمعيات تابعة لها تعمل سريًا وعلنيًا، دون إعلان عن مصادر الأموال أو آليات إنفاقها.

ما كشفته التحقيقات يشير إلى أن ما أرسل رسميًا للإغاثة يمثل نسبة ضئيلة من إجمالى ما جُمع.
لفهم أعمق للطريقة التى وظّف بها هذا التيار جمع التبرعات، من الضرورى العودة إلى “التسلسل التاريخي” الذى يبيّن كيف أصبحت قضايا كبرى كالفلسطينية والأفغانية والبوسنية والسودانية وغيرها أدوات مالية وجماهيرية لجمع الأموال ثم الدفع بها فى شرايين التنظيم الإرهابي.
منذ تأسيس جماعة الإخوان فى مصر عام 1928، صاغت الجماعة العمل الخيرى و«الدعوي» مخفية العمل العسكرى الذى حمل اسم التنظيم السرى جزءًا من هويتها المؤسسية، كما وفّرت غطاء اجتماعيًا وسياسيًا لتوسيع بنيتها التنظيمية.

القضية الفلسطينية كانت دومًا من أكثر القضايا التى استُخدمت لجذب الدعم المالي. مما ساهم فى خلق شبكات دعم وتبرعات واسعة. فى الثمانينيات، على سبيل المثال، وثّقت تقارير أن جماعات مرتبطة بالإخوان كانت تجمع ملايين الدولارات عبر حملات فى المساجد والندوات والفعاليات لدعم ما عرفتهم المجاهدين الأفغان وهو نموذج مشابه تمّ استخدامه لاحقًا لدعم الفلسطينيين.
على الرغم من أن هذا الدعم كان ظاهرًا فى البداية كجهد إغاثى أو تضامني، إلا أن التحقيقات لاحقًا كشفت أن جزءًا كبيرًا من هذا التمويل انحرف نحو شبكة أوسع من العلاقات التنظيمية والخدمات غير المعلنة.

خلال حرب البوسنة فى تسعينيات القرن الماضي، ظهرت شبكات لجمع التبرعات باسم دعم المدنيين المسلمين فى البلقان. إلى جانب العمليات الإنسانية، تشير تقارير غربية إلى أن بعض تلك القنوات استخدمت لتمويل مجموعات مسلحة أو تسهيل أنشطة تنظيمية، وهو ما أثار تساؤلات حول الصلات والتداخلات بين العمل الخيرى والتمويل لأغراض أخرى.
ويُنظر إلى هذه الحالة لاحقًا كجزء من تاريخ طويل لاستغلال الحملات التضامنية كوسيلة لجمع موارد مالية غير شفافة تُوظَّف فى سياقات سياسية.
فى السودان، لعب الإخوان دورًا مهمًا فى المجال السياسى والاجتماعى خلال السبعينيات والثمانينيات. وقد تحول الكثير من العمل الخيرى الذى ارتبط يومًا بالتبرعات والمساعدات إلى جزء من منظومة دعم مؤسسية ساعدت فى تثبيت نفوذ تنظيمات وشخصيات سياسية ومالية داخل البلاد.

(3)

الفضائح المالية الأخيرة ومنها فضيحة السويد التى اتهم فيها عدد من العناصر المنتمية لتنظيم الإخوان بنهب 100 مليون دولار عبر منظومة المدارس الخاصة وهو أحد الأنشطة التى يحترفها تنظيم الإخوان فى العديد من الدول التى يعمل بها. كما أظهرت طرق جمع واستغلال التبرعات تطورات عبر الزمن وأصبحت أكثر تعقيدًا، لتشمل: فتح جمعيات متعددة ومتداخلة وإنشاء جمعيات ومؤسسات عديدة بأسماء متقاربة بغرض خلق قنوات متعددة لجمع التبرعات دون رقابة واضحة.

وكذا قنوات تحويلية معقدة باستخدام حسابات بنكية داخل وخارج الدول، شركات وسيطة، وتحويلات متعددة تجعل تتبع المصادر والمصارف أمرًا صعبًا.

بالإضافة إلى غياب الشفافية وقلة أو انعدام نشر تقارير مالية دقيقة تُفصّل مصادر التبرعات وكيفية إنفاقها.
وكذا توظيف القضية الإنسانية فى سياق سياسي، والإعلان عن جمع التبرعات باسم قضايا إنسانية حساسة للتأثير عاطفيًا على الجمهور، بينما تُستخدم الأموال فى أغراض تنظيمية أو سياسية.

فضيحة «وقف الأمة» ليست حادثة منفصلة؛ بل هى حلقة حديثة فى ظاهرة أوسع تمتد عبر عقود، حيث استُخدم جمع التبرعات كأداة مالية وسياسية تتجاوز إطار العمل الإنساني. من فلسطين إلى البوسنة، ومن أفغانستان إلى السودان، يمكن تتبع نماذج متعددة توضح كيف يصبح العمل الخيرى غطاءً لمصالح تنظيمية.
فى نهاية المطاف، يبقى الدرس الأهم أن تنظيم الإخوان الإرهابى ما زالت هناك أوراق خبيثة لديه لم تكشف بعد أمام المجتمعات.