صالون الرأينجوم وفنون
أن تصبح قصّتك هي قصيدتك
By m kamalديسمبر 14, 2025, 19:37 م
952
قليلةٌ هي الأفلام التي تجمع بين البساطة والعمق، والسخرية والجدية، توهمك بأنها مجرد حكاية عادية، بينما هي تأمل عميق للأفكار والمفاهيم، ولحياتنا واختياراتنا كبشر .
وهذا الفيلم الكولومبي الألماني السويدي المشترك وعنوانه “شاعر” للمخرج سيمون ميسا سوتو من هذه النوعية النادرة، وقد فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم في قسم نظرة خاصة في مهرجان كان 2025، وعرض في مهرجان الجونة، حيث فاز بالنجمة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، واختارته كولومبيا ليمثلها في مسابقة الأوسكار 2026، وعُرض أيضا في بانوراما السينما الأوربية 2025.
بطل الفيلم شاعر مغترب عن زمنه وعالمه يدعى أوسكار، يبدو من حيث هيئته ومظهره فى حالة اكتئاب وحزن، يعيش مع أمه المريضة، يدمن الشراب، ويحاول أن يسترد أموالا دفعها لرجل أوهمه بأنه سيستثمرها له، ولكن لم يحدث بالطبع. أوسكار أيضا أب فاشل بامتياز، أنجب فتاة تدعى دانييلا تعيش مع أمها، ويزورها أحيانا، ولأنها ستلتحق قريبا بالجامعة، فإن عليه أن يساعدها بدفع بعض المصاريف، ومن هنا، وتحت ضغط أمه وشقيقته، يقرر أن يعمل مدرسا، وأن يقوم أيضا بالتدريس فى مدرسة لموهوبى الشعر، بعد سنوات طويلة من الانقطاع عن العمل، وكان قد اصدر كتابين أو ثلاثة، فاز أحدهما بجائزة وهو فى سن العشرين.

الآن على الشاعر الحزين والحالم، والذى منح نفسه للشعر، والذى يجعل مثله الأعلى شاعر قديم لم يُقدّر إلا بعد مولده، على هذا الشاعر المحبط أن يختبر الحياة من جديد من أجل ابنته، ولكن هذه العودة ستحمل له اختبارا من نوع آخر، يجعله يتغير، ويعيد التفكير فى معنى الشعر، وفى معنى الحياة، وفى مفهوم النجاح أو الفشل.
ما حدث لأوسكار أنه اكتشف شاعرة صغيرة تلميذة له، فقيرة جدا وتعيش وسط عائلة كبيرة، ولكنها تكتب وترسم بالفطرة، وعلى الفور يتبنى أوسكار الفتاة، ويجد فيها شعرا مفقودا، كما أنها تذكره بابنته التى ابتعد عنها، والتى لا تكافىء محبته لها.
وفى حين تبدو الفتاة الشاعرة بسيطة التفكير، وبلا طموح تقريبا فى عالم الشعر، ولا ترى الحياة إلا من خلال عائلتها الفقيرة، إلا أن أوسكار يقدمها لمسابقة الشعر، وبعد حفلة ألقت فيها الفتاة شعرا جميلا، تفرط فى الشراب، ويقوم أوسكار بحملها الى بيتها، وسرعان ما يجد نفسه موضوع شبهة، بعد أن نقلوا الفتاة الى المستشفى، وبعد أن اكتشفوا أن فى جسدها بعض الكدمات، ولذلك تتهمه أسرتها بالاعتداء عليها، ويجد نفسه فى مواجهة أزمة مزلزلة، وخصوصا بعد أن وصلت الحكاية الى ابنته دانييلا.
يجد أوسكار نفسه فى قلب الحياة التى كان يبتعد عنها، وبينما أراد أن يقدم للعالم شاعرة، فإن العالم يريده متهما وربما مغتصبا، وفى أحد أفضل مشاهد الفيلم، يرافق أوسكار صديقاه من مدرسة الشعر للتفاوض مع أهل الفتاة، وينجح صديقه مؤسس مدرسة الشعر فى إقناعهم بقبول بعض المال للتنازل عن الإتهام، ويحاول أن يجعلهم يسجلون فيديو لتبرئة أوسكار، ولكن أوسكار يرفض فكرة الفيديو تماما.
الفتاة تتدخل أخيرة، وترسل خطاب تبرئة لدانييلا ابنة أوسكار، ومع أزمة والدة أوسكار ونقلها الى المستشفى، تعود دانييلا لتحتضن أبيها، بينما نسمع أخيرا قصيدة كتبها أوسكار، يقول فيها إن الشاعر الحزين ينظر الآن الى الحياة ببعض الأمل.
تم تقسيم السيناريو الى أربعة أجزاء، لكل جزء عنوان منفصل، بحيث نبدأ بوصف حال الشاعر المكتئب، وإدمانه الخمر، وعدم رغبته فى العمل، وعصبيته وانفعاله، وعلاقته بأمه وأخته وابنته، وقبوله أخيرا أن يعمل مدرسا، وفى الجزء الثانى اكتشافه لفتاة موهوبة عمرها 15 عاما، ودوره فى تقديمها الى مدرسة الشعر، وفى الجزء الثالث المأزق الذى حدث له مع الفتاة بعد الحفل، وثورة أهل الفتاة، وخصوصا شقيقها الذى قام بضرب أوسكار، وتسوية الأمر بعد ترضية العائلة الفقيرة، ولكن مع استمرار غضب الابنة دانييلا، وفى الجزء الرابع، يستعيد أوسكار سمعته أمام ابنته، كما يستعيد أيضا قدرته على كتابة الشعر.
هنا بناء متماسك وذكي، ولكن الأهم أن المعالجة تجمع بين الضحك والشجن، وتبتعد تماما على الميلودراما، نحن نضحك على حال أوسكار وهيئته وبراءته ومثاليته فى التعامل مع الحياة مثل طفل كبير، ولكننا نرثى له فى نفس الوقت، لأنه رجل نبيل كما يقول له صديقه، بالإضافة الى محبته الصادقة لأمه ولابنته.
اعتمد مخرج الفيلم على الانتقالات والقطعات الحادة، ربما لأنه لايريد اندماجا كاملا، ويريدنا أن نتأمل بقدر ما نتأثر، فالحكاية تخص أوسكار، ولكنها عن علاقة الفنان بالمحيط الذى يعيش فيه، عن عدم تحققه، وعن حيرته بين تكريس نفسه لفنه، أو لكسب الرزق، ولتوظيف شعره فى موضوعات مألوفة، أو يحب الأوربيون أن يُكتب فيها.
أوسكار بطل تراجيدى حائر ومشوش، يتعاطف الفيلم مع حقه فى أن يعتبر الشعر مرآة لذاته الحزينة، وفى أن يكون حرا وحالما، ولكن الفيلم أيضا يراه إنسانا خائفا وربما جبانا كما تصفه أخته، غير قادر من مواجهة الحياة، فيهرب الى قوقعة العزلة، ويلعب دوما دور الضحية الجديرة بالتعاطف.
الشعر فى فيلمنا البديع لا يجب أن يكون بديلا عن الحياة، لأن الشعر يخرج من قلب الحياة، والشعر موجود فى الحياة وليس بعيدا عنها، ولذلك سيسترد أوسكار قدرته على كتابة الشعر، عندما تعود إليه ابنته، وعندما تقوم الفتاة الشاعرة بتبرئة ساحته، أى أن تجربة الحياة قد ألهمته شعرا وتغييرا كان يتمناه منذ البداية.
الفتاة الشاعرة نموذج آخر للعلاقة بين الشعر والحياة، موهوبة هى بلا شك، ولكن اهتمامها بتفاصيل الحياة أكبر من اهتمامها بالشعر، تريد بيتا وطعاما، وتريد أن تساعد أسرتها الكبيرة، وأمها الخادمة، بل إنها ذهبت الى مدرسة الشعر لكى تفوز بجائزة مالية، هى عكس اوسكار فى تفضيل الحياة على الشعر، ولذلك لن تستمر، رغم أن الشعر يحقق لها راحة التعبير عما تشعر به تجاه ظروفها الصعبة.
صديق أوسكار مؤسس مدرسة الشعر نموذج ثالث لعلاقة الشعر بالحياة، مشهور هو وفاز بعدة جوائز، شاعر كبير وهام يؤمن بعظمة هذا الفن، ولكنه يريد أيضا رواجا مع الجمهور، ويطلب من أوسكار أن يكتب فى موضوعات معينة، وقد نجح فى إقناع الهولنديين بتمويل مدرسته، ونراه وهو يحاول تسوية مأزق أوسكار، خوفا على سمعة مشروعه، وبكل الترضيات والوسائل الممكنة، هذا الصديق يمثل الشاعر العملى الذى يريد أن يربح الفن والحياة معا، وليس غريبا أنه فاز بجوائز وشهرة أكبر من أوسكار.
نجح المخرج فى اختيار ممثليه، وخصوصا الممثل الفذ أوبيمار ريوس فى دور أوسكار، هذا ممثل عظيم جدير بأرفع الجوائز، حضوره وأداؤه الكوميدى والجاد من أبرز عناصر تفوق الفيلم، ولا ننسى الممثلة التى لعبت دور ابنته دانييلا، والممثلة التى لعبت دور الفتاة الشاعرة، هذه مواهب حقيقية جعلتنا فى قلب العالم البسيط الواقعى الذى تعبّر عنه الحكاية.
الفيلم اسمه “شاعر” وليس “الشاعر” بالألف واللام، لأنه عن أيّ شاعر أو فنان مأزوم ومغترب لأنه غير متحقق، ولأنه مشوش فى علاقته مع فنه وعائلته وعالمه وحياته ورزقه اليومي، وقصة أوسكار تنتصر للأمرين معا: للشعر أو تلك الموهبة الربانية النادرة التى تعيد اختراع العالم والحياة والمفاهيم والموسيقى والمعنى، وتنتصر أيضا للحياة بكل ما فيها من بشر وأفراح وأحزان ولحظات صعود وهبوط ونجاح وفشل.
يقول الفيلم إن الشعر حقا فى نظرة الشاعر حتى لو كان حزينا، ولكن الشعر أيضا فى قلب التجربة والحياة، ولذلك عاد أوسكار الى الشعر، عندما عاد من جديد الى الحياة.
تصالح الشاعر أخيرا مع نفسه، ومع العالم، ومع فنه، ومع العائلة، ومع الحياة، فصارت قصّته هى قصيدته.