صالون الرأي
هل نسقط مع الغرب فى فخ “مادية” الوجود ؟!
By m kamalيناير 07, 2026, 13:29 م
480
عاطف عبد الغنى
تُعرَّف الحضارة الغربية تقليديًا بكونها وريثة المكون “اليهودي- المسيحى”، لكن السؤال الوجودى الذى يفرض نفسه اليوم: هل ما زال هذا الإرث الروحى يقود دفة التطور، أم أننا أمام تغول مادى حوَّل التقدم العلمى إلى آلة جافة تفتقر لروح وفطرة التحضر الإنساني؟ وهل يعكس هذا الانفجار المعرفى رقيًا بشريًا حقيقيًا، أم أن الفجوة قد اتسعت بين “عبقرية الاختراع” و”سمو الأخلاق”؟
واستكمالاً لما طرحناه فى مقال سابق حول غياب الوعى لدى مستوردى أيدلوجيات ونظريات الغرب المعلبة، نجد أن “العلمانية الغربية” (بكسر العين نسبة للعالم لا العلم) قد صدَّرت لنا قوالب جاهزة للعلاقة بين الدين والحياة، كما صدّرت نماذج اللا دينيون المنكرون لرسالات السماء، هؤلاء الذين شنوا – ولا يزالوا – حربًا شعواء على أديان السماء ورسالاتها، واصمين إياها تارة بأنها أحد أسباب التخلف عن ركب الحداثة، وتارة بالعداء للمرأة تحت مسمى “الذكورية”؛ هذا المصطلح الذى بات مثل “اللبانة” فى أفواه أدعياء الليبرالية العرب، وللأسف، لم تلامس حداثة هؤلاء الأدعياء جوهر التقدم الغربى، بل انحصرت فى قشور مثل التحرر الجسدى؛ فاعتبروا “الحرية” هى نزع غطاء الرأس عن المرأة (الحجاب) أو تجاوز محرمات الأديان، وصولاً إلى الانغماس فى فوضى جنسية مطلقة تشرع “الزنا” و”المثلية”، وراحوا يبنون قواعد ونظريات لها تحت عناوين مثل “الجندر” و”النسوية”، وبالتبعية استورد أدعياء الثقافة، هذه المفاهيم، وغذوا بها مؤسساتنا الثقافية والحقوقية التى قبلتها دون تمحيص، متجاهلة غاياتها الأخيرة التى تستهدف تفكيك “الفطرة الإنسانية” وتجاوز الدساتير الإلهية التي نظمت بقاء الإنسان، وعمارة هذا الكون.
وما كان نزوع الليبراليين العرب لتبنى هذه الأفكار التى عكست صدىً للثورة الفرنسية فى حربها ضد الكنيسة الغربية قبل قرون، التى انتهت بابتكار ما يمكن تسميته “دين العقل”، وهذا المعتقد، لا مكان فيه إلا لما تلمسه اليد أو تراه العين؛ ومن ثم تلاشت “الماورائيات” واختفت الأسئلة الوجودية الكبرى: من أين جئنا؟، وإلى أين المصير؟، واستعيض عنها بتفسيرات مادية جافة مثل “الانفجار العظيم” أو المقولات الدهرية التي تبحث عن راحة عقلية مؤقتة بعيدًا عن كدح الإيمان.
وهنا لا بد أن نتذكر دائمًا أن النهضة الغربية لم تولد من عدم، بل شُيدت فوق أعمدة الحضارة العربية التى نُهبت إنجازاتها ونُسبت لغير أصحابها. وبقوة السلاح والاستعمار، ثبّت الغرب أقدامه، وراح يعيد تصدير بضاعتنا المحدثة إلينا، بأثمان غالية جدًا، وأورث انتصار الغرب “الليبراليين العرب” فى طبعاتهم الحديثة إحساسًا مزمنًا بالهزيمة النفسية.
وانتهى بهم المطاف إلى خضوع تام لثقافة تناصب العداء للأديان، وخاصة الإسلام والمسيحية الشرقية، ظنًا منهم أن الانسلاخ من الجذور هو ثمن الالتحاق بركب الأمم والحداثة.