https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

شرق أوسط يُعاد تصنيعه.. كيف تدار فوضى المنطقة لصالح إسرائيل؟!

376

قبل عدة أيام خلال استقبال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فى منتجع “مارا لاغو” بفلوريدا، أعلن الأول عن بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة، وبدء الإعمار وهو ما حمل العديد من الرسائل المتناقضة؛ خاصة فى ظل الحديث عن رفح الخضراء، رغم الخروقات المستمرة من جانب إسرائيل للاتفاق واستمرارها فى عمليات التدمير والقصف والقتل للفلسطينيين بزعم مطاردة عناصر حماس.

الزيارة التي استغرقت 5 أيام من جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية للولايات المتحدة والتي جاءت خارج نيويورك، التقى خلالها بعدد من المسؤولين الأمريكيين.

جاءت زيارة نتنياهو تحمل معها مشهد يؤكد أن المنطقة تستعد لمخاض مرحلة جديدة من الصراع؛ لا ينبئ أبدًا باستقرارها، بل بمزيد من التوتر مع العام الجديد.

فالحديث عن عودة المواجهات مع إيران كان حاضرا، كما جاء التأكيد على عدم التنازل عن الأراضي التي احتلتها إسرائيل فى سوريا، ويعود الحديث عن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار دون الحديث عن دولة فلسطينية.

فى الوقت ذاته تلهب الأزمات المنطقة العربية وتدفع إسرائيل بنفسها فى جنوب البحر الأحمر.

والمثير للدهشة أن مسار طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي، “جناح صهيون”، تضمن التحليق فوق فرنسا، على الرغم من صدور مذكرة توقيف دولية بحقه من المحكمة الجنائية الدولية فى لاهاي.

 (1)

فى أبريل عام 2002 صدر كتاب “Six Days of War” لـ Michael Oren وترجمه إلى العربية الدكتور إبراهيم الشهابي فى نفس العام.

ميشيل اورين، كاتب يهودي أصبح سفيرا للاحتلال لدى واشنطن لمدة تزيد على 4 سنوات (2009-2013) كانت من أخطر 4 سنوات مرت بها منطقة الشرق الأوسط وما زالت تعاني تبعاتها.

حمل الكتاب الذي احتفت به الصحافة الأمريكية فى ذلك الوقت عنوان ” 6 أيام من الحرب، يونيو 1967 وصناعة شرق أوسط جديد”، وحصل على جائزة أفضل كتاب تاريخي فى العام من اللوس أنجيلوس تايمز.

الكتاب الذي ترجم للعربية قبل ربع قرن تقريبا يبدو أنه يحتاج قراءة من البعض فى اللحظة الراهنة التي تمر بها المنطقة العربية بأثرها ومنطقة الشرق الأوسط.

لأن أحداث الحاضر أحيانا كثيرة تحتاج منا جميعا أن نعيد استذكار أحداث الماضي؛ لندرك حقيقة المشهد ونتعرف على تفاصيله وطبيعته ونستبين مساراته وفق الواقع الصحيح وليس الأحلام المبنية على معلومات غير دقيقة، قبل أن تصبح أضغاث أحلام تتبدد باستيقاظ النائم.

بعيدا عن سيل الكراهية الذي يقطر من بين سطور وكلمات الكاتب عن الرئيس جمال عبد الناصر ومصر والعديد من الدول العربية وتعمده الاستدلال من خلال مصادر تخدم وجهة نظره، وهو يحلل المشهد عقب حرب 1948 حتى حرب الأيام الست حسب تعبيره (5 يونيو 67) والذي توسعت فيها إسرائيل أيما توسع، فاحتلت من المنطقة العربية الجولان وجنوب لبنان وكافة الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية والقطاع) وسيناء، وكان هذا المشهد بمثابة بداية صناعة شرق أوسط جديد بحسب وصفه، ليكشف الكاتب بين سطور كتابه أن المشروع  الذى بدأ فى الأدبيات الغربية أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينيات، أصبح  واقعا عقب هزيمة يونيو 67  ليتحول المخطط إلى واقع  من خلال مصطلح  ناعم وقوة خشنة.

كما روج شمعون بيريز فى أوائل التسعينيات لنفس المصطلح الشرق الأوسط الجديد عقب اتفاق أوسلو فى كتابه “الشرق الأوسط الجديد” وحديث عن السلام مع الدول العربية، والحقيقة أن حديث تل ابيب دائما منقوص فإسرائيل لم تؤمن يوما بمبدأ السلام العادل والشامل، أو حتى الأرض مقابل السلام وهو ما تحدث به قادة إسرائيل لكسب تعاطف المجتمع الدولي؛ لكنها لم تفرط يوما منذ أن وطأ اليهود المهاجرون بأقدامهم الأراضي العربية فى شبرٍ من أرض استولت عليها.

 سوى سيناء التي استردها الجيش المصري، ولولا نصر أكتوبر 1973 لما تنازلت إسرائيل عن سيناء قط.

إنه جزء من العقيدة الإسرائيلية الصهيونية التي بنت مشروعها بالتوسع على حساب الغير.

جاء مصطلح الشرق الأوسط الجديد ليصنع من الكيان الإسرائيلي قوة فى محيط تتقطعه الخلافات والنزاعات والتوترات، ولا يعرف الوحدة إلا فى التصريحات والبيانات الصحفية والداعية والمتمسكة دائما بوحدة العرب؛ أما الواقع، فالمشهد مختلف تماما.

(2)

المشهد الذي صوره “ميشيل أورين” حول الأوضاع فى المنطقة العربية منذ 1948 وحتى 5 يونيو 67 كشف من خلاله أن إسرائيل استطاعت أن تنفذ مشروعها التوسعي على حساب الأرض العربية عقب نجاحها بمعاونة القوى الدولية فى دعم وإذكاء حالة التشرذم والانقسام داخل الوطن العربي رغم أنه فى ظاهر الأمر يبدو متماسكا أمام قضيته وهو تحرير الأرض الفلسطينية.

لقد كانت حالة الانقسام العربي هي أحد الأدوات التي استفادت منها إسرائيل للوصول إلى ما خططت له فى يونيو 67 فأغرقت معظم المنطقة فى توترات عربية عربية.

كانت النتيجة، أصبحت دولة الاحتلال قوة فى المنطقة تعربد فى أراضيها كما شاءت، ويستفيق العرب على مشهد غير مسبوق.

 عقب حرب أكتوبر 1973 لم تكن إسرائيل تتوقع أن تمنى بهزيمة كهذه، فى ظل دعم أمريكي وغربي غير مسبوق لها؛ لكن مصر استطاعت أن تعبر الكبوة وأن تسترد كامل ترابها رغم التحديات، فهي لا تقبل المساس بحبة رمل من ترابها أو تفرط فيها.

من هنا أدركت إسرائيل أن مشروعها التوسعي بات مستحيلا باتجاه مصر لكنه ما زال ممكنا بباقي الاتجاهات الاستراتيجية.

فأزكت نيران الصراعات الداخلية والفتن من خلال أدواتها، وحرصت على تدمير الدول الوطنية من الداخل ليسهل تفكيكها والضغط عليها.

لكن المسؤولية تقع هنا على من يسقط فى فخ ذلك المخطط المسموم؛ دون أن يدرك أن ما يتخذه من مسار ليس سوى خطوة باتجاه تفكيك دولته، وليس الحفاظ عليها وضمان وحدة ترابها الوطني.

إن الأزمة الحقيقية فى المنطقة والتي تتكئ عليها إسرائيل دائما هى الصراعات العربية العربية، وحرص البعض على التدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى مما يشعل الفتن ويحرض على الانقسامات دائما.

إن ما حدث من قبل فى المنطقة العربية كان درسا قاسيا أهدرت فيها أموال عربية بمليارات الدولارات، لتمويل جماعات لضرب استقرار دول عربية، وأخرى من أجل تصعيد فصيل على فصيل آخر لتصبح بيده السلطة، وثالثة لإذكاء حالة مذهبية يكون نتيجتها تفكيك الشعوب وهو ما يزلزل أركان الدول.

 فلو أُنفقت تلك المليارات من أجل تنمية دول المنطقة العربية لجعلت منها قوة اقتصادية يحسب لها ألف حساب.

(3)

ما تشهده المنطقة العربية حاليا يحتاج إلى نظرة متعمقة، فالعديد من دولها تواجه حالة عدم استقرار واندفاع باتجاه التقسيم وبالبحث البسيط خلف تلك الحالة تجد من يقف خلف هذا المشهد الذي تستفيد منه إسرائيل فى المقام الأول والأخير.

فقد استفادت من المشهد العربي قبل 67 بكسب تعاطف وتأييد العالم لها مع بداية الحرب، فقدمت العرب إلى العالم بأنهم من يريدون زوال إسرائيل وعلى العالم ألا يسمح بهذا ويتحمل مسؤوليته ونجحت فى تقديم تلك الصورة، وحصلت بها على دعم عسكري أمريكي وأوربي غير مسبوق.

وأعادت الأمر عقب 7 أكتوبر 2023، وهو ما تعرضت له تفصيلا فى العدد الماضي، وحصلت على مليارات الدولارات الأمريكية والغربية بهذا الشأن واستخدمت تلك الأموال فى حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني الأعزل وسط صمت العالم الذي لم يفق إلا متأخرا، بعد أن أصبحت غزة كتلة من الركام توارى أجساد أبناء الأرض الأصليين.

لقد جاءت زيارة نتنياهو إلى أمريكا بهدف الحصول على صك مساعدة ودعم فى مسار المعركة الجديدة التي يستعد لها تجاه إيران، وعقب الانتهاء منها بحسب المخطط الإسرائيلي رغم صعوبة حسمها؛ ستكون هناك دولة جديدة فى الشرق الأوسط فى الاتجاه الاستراتيجي الشمالي تجرى تل أبيب الاستعدادات لها.

 فبعد أن اقتربت من حدودها بشكل كبير وباتت قواتها فى مرمى نيران مدفعية إسرائيل أصبح التحرك باتجاهها مجرد وقت.

خاصة وأن اسرائيل أعلنت أنها لن تترك منطقة جبل الشيخ أو المناطق التي استولت عليها فى سوريا، فهي بمثابة مواقع استراتيجية تنطلق منها باتجاه هدفها الجديد.

ليأتي إعلان إسرائيل بالاعتراف بأرض الصومال ضمن المناورة الإسرائيلية التي دافعت عنها “تامي بروس” نائبة سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، خلال جلسة مجلس الأمن الطارئة الإثنين الماضي، ليكشف مخطط تل أبيب لتهجير الفلسطينيين إلى أرض الصومال وهو ما قوبل بموجة عارمة من الرفض العربي والدولي.

كما قوبلت كلمة “تامي بروس” فى الجلسة ذاتها برفض كامل بعد أن قارنت بين موقف الدول الرافضة للاعتراف الإسرائيلي بأراض الصومال وموقفها من الاعتراف بفلسطين.

لأن الاعتراف بدولة فلسطين يأتي فى إطار أن فلسطين ليست جزءا من أي دولة. إنها أرض محتلة بشكل غير قانوني، كما أعلنت محكمة العدل الدولية وجهات أخرى”.

“بينما أرض الصومال جزء من دولة عضو فى الأمم المتحدة، والاعتراف بها يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة”

إن محاولات إسرائيل الوصول إلى باب المندب من خلال أرض الصومال سوف يساهم بشكل كبير فى عسكرة جنوب البحر الأحمر وهو ما سيعيد الأزمة أمام التجارة الدولية خلال الفترة المقبلة وهو ما يتطلب موقفا دوليا واضحا فى مواجهة هذا الأمر خاصة أن العالم لم يتعافَ بعد من أزماته المتلاحقة.

إن ما يحدث فى المنطقة العربية خلال الفترة الأخيرة يستوجب على الجميع أن يدرك خطورة المشهد وخطورة الانقسامات فالصراعات العربية العربية لن يستفيد منها أي من الشعوب العربية، لكن تجنى ثمارها إسرائيل فقط.

إننا أمام مرحلة تستوجب من الوطن العربي بأكمله أن يدرك حجم التهديد الذي يواجهه، وأنه لن ينتصر عليه إلا بوحدة عربية حقيقية، ليست وحدة مثل 1963، ففي ظل متغيرات دولية عاصفة لا تعترف سوى بالتكتلات القوية نجد المنطقة العربية إذا ما توافرت لديها إرادة حقيقية تستطيع أن تحقق ذلك.