https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

«الملحد» .. أفكارٌ ترتدي جلبابا وذقونا !

310

شاهدت فيلم «الملحد»، الذي كتبه إبراهيم عيسى وأخرجه محمد العدل وأنتجه أحمد السبكي، فلم أجد ما يبرر منعه ومصادرته، بل وجدته «فيلما دينيا دعويا تعليميا مباشرا» ينحاز للإيمان، ويرفض الإلحاد، بنفس الدرجة التي يرفض فيها التشدد الأعمي، والتنطع في الدين، وكأني وجدت أن مشكلة الفيلم بالأساس فنية درامية، حيث صارت الشخصيات أفكارا عالية الصوت، فأصبحنا أمام مناظرات لا تنتهي، فكأننا أمام تجريد شبه كامل، وتنميط لشخصيات أحادية لا تتوقف عن الكلام والحوار، وكأن المعاني تهبط على الشخصيات، ولا تخرج من نماذج إنسانية حية يمكن تصديقها، وهذه مشكلة من أسوأ ما يمكن أن يعاني منها أي عمل درامي.

صراع الإيمان والإلحاد، ومحاولة تقديمه دراميا ليس جديدا فى ذاته، بل إن السينما المصرية قدمته فى أحد أفضل أفلام السبعينيات وهو فيلم «الأخوة الأعداء» للمخرج حسام الدين مصطفى، والمقتبس عن واحدة من أهم الروايات العالمية وهى رواية «الأخوة كارامازف» للروائى الروسى الفذ ديستويفيسكي، والرواية، والفيلم بدوره، نموذجان رائعان فى إثبات أن المعالجة الفنية الناجحة ممكنة لهذه القضية الشائكة والصعبة، والفيلم لو تذكرنا ينتهى باعتراف الملحد، بوجود الله بعد أن كان ملحدا، ولكن الأفكار كانت تخرج فى «الأخوة الأعداء» من الدراما، ولا تسقط عليها ، والشخصيات، والتى تمثل أيضا أفكارا واتجاهات، كتبت أيضا باعتبارها شخصيات من لحم ودم، وبكل أبعادها، وهو ما يفتقده فيلم «الملحد».

شخصية الملحد عموما كذلك ظهرت فى أعمال درامية سابقة، بل وعرض فيلم مصرى متواضع المستوى فى العام 2014 بعنوان فيلم «الملحد»، من كتابة وإخراج نادر سيف الدين، وبطولة صبرى عبد المنعم وحسن عيد وياسمين جمال، ولدينا فيلم شهير بعنوان «أين تخبئون الشمس؟» للمخرج المغربى عبد الهادى المصباحى، وبطولة نادية لطفى وعادل أدهم، لعب فيه عادل دور الملحد، وكان موضوع الفيلم كله عن الإيمان فى مقابل الإلحاد.

هى إذن قضية هامة، بل وجذابة درامية، لإنها تتضمن أحد أهم عناصر الدراما وهو الصراع، كما تتيح أيضا، إذا كتبت بصورة ناضجة، أن تقدم دراسة نفسية قوية للشخصيات، ودراسة اجتماعية أيضا للفترة التى تتناولها الحكاية، ولكنها من ناحية أخرى قضية شائكة لأسباب دينية، ولأسباب فنية فى نفس الوقت، لأنها دراما أفكار مجردة، ودراما حوارات ومناقشات، وتحتاج الى جهد كبير فى الكتابة، وفى إيجاد المعادل السينمائى لها، صوتا وصورة.

لنرى كيف عالج فيلم «الملحد» قضيته الصعبة؟
بدات المشكلة باختيار هذا الإطار الدينى المغلق للحكاية، بحيث يمكن تصنيف الفيلم باعتباره «فيما دينيا معاصرا»، للتفرقة بينه وبين الأفلام الدينية التاريخية، فالحدث المحورى هو اكتشاف الشيخ حافظ السلفى المتشدد (محمود حميدة) أن ابنه الطبيب يحيى (أحمد حاتم) يجاهر بإلحاده، فيقرر الأب أن يقيم لابنه جلسة استتابة، بنصحه وإرشاده لمدة ثلاثة أيام، فإن لم يعد للدين، يتم قتله، والأحداث كلها تدور حول هذا الحدث المحورى.

فرض ذلك على الكتابة إطارا خانقا، وبناء تجريديا تتراكم فيه الأفكار بلا هوادة، والأعجب أن الجميع يناقشون ويمتلكون الحجج، ويتحدثون ويثرثرون، والجميع يدخلون على خط المناقشات، والأفكار ترتدى جلاليب وذقون، أو فساتين وبدل، ولأن حافظ هو المتشدد فى الدين، وابنه يحيى هو المتشدد فى الإلحاد، فإن المعالجة بالضرورة تعتمد الأبيض والأسود، ولا مجال للون الرمادي، وهو لون الدراما الناضجة، وهكذا عندما يصرخ حافظ وتنتفخ عروقة، يرد يحيى بصراخ مماثل.

لو عدت إلى تأسيس وبناء الشخصيات ستجد لمسات سريعة غير كافية أو غير مقنعة، وستجد ما هو أسوأ حيث يبدو موضوع الاستتابة العلنية، وتهديد الأب حافظ بقتل ابنه أمرا غير معقول ولا يمكن تصديقه، ليس لأن الأب غير متعصب، فهو متشدد إلى حد الجنون، ويمكن فعلا أن يذهب الى أبعد مدى، ولكن لأن من حوله، ومن يرفضون تشدده، وتحديدا شقيقه المستنير كارم (حسين فهمى)، وزوجته إيمان (صابرين)، سيتفرجون مثلنا على طقوس الاستتابة، دون أى محاولة لإيقافها، أو للإبلاغ عن هذا المجنون الذى يهدد بقتل ابنه.

الكل يثرثر، والأم تبكى على ابنها، ولكنها لا تتوقف عن المناقشة، التى هى هدف الحكاية كلها، ولا يهم أن يتحول رفض موقف الشيخ حافظ الى موقف بالإبلاغ عنه مثلا، أو بعلاجه من هذا الهوس، لأن ذلك سيوقف المناظرات المستمرة فى الاستتابة، فلا شيء يعلو فوق صوتها، ولا شيء يوقفها، بل إن الابن نفسه متحمس لها، وكأنه سعيد بالتأهل إلى هذه التصفيات النهائية فى مجال الإلحاد، فيرد على الحجة بالحجة، ويناظر أشخاصا يحتقر آراءهم وأفكارهم، بل ويقبل أن يجعل حياته نفسها على المحك!

فى تأسيس شخصيتى حافظ وابنه أعاجيب أكثر تثبت أن الفكرة وهدف المناظرة كانا أعلى من البناء الدرامى المنطقى، فالابن ألحد ضيقا بسيطرة الأب وتشدده، والابن تورط أيضًا فى طفولته فى جريمة غريبة وسيريالية بسبب تشدد الأب، الإلحاد بالتالى سببه نفسى تمردا على الأب، مما يجعل حجج الابن فى المناقشات بلا معنى، ولكن السؤال هو: كيف لقضية كاملة خطيرة أن تنهض فوق مكايدة ابن لأبيه؟ بل كيف أصلا سارت علاقتهما قبل وصول الصراع الى ذروته؟

أهم تحول فى شخصية الأب لا وجود له، أى تحوله من مسلم عادى إلى مسلم متشدد، وأهم تحول فى شخصية الابن لا وجود له، أى تلك اللحظة التى اكتشف فيها أن إلحاده سيحرره من سلطة والده، بل إننا نرى الطفل يحيى وهو مشروع سلفى قادم، فكيف إذن حدث هذا التحول الذى يؤسس للصراع كله؟

لن تجد إجابة لأن التركيز على الأفكار والمناظرة لا على الدراما، لذلك مثلا لن تجد تفسيرا لبقاء الزوجة إيمان مع زوجها طوال هذه السنوات مع أنها ضد منهجه وتشدده، أما كان أولى بها أن تعقد جلسة خلع أو تطليق مثل جلســــــة الاستتابـــــــة؟ كيف، من ناحية أخــــرى، خرجت شخصية متشددة مثل الشيخ حافظ من نفس البيئة التى خرج فيها شقيقه المتفتح (حسين فهمى)؟

هذه ليست تفاصيل بل هى فى صميم تأسيس الدراما، وفى قلب معنى القضية، والعجيب أن الشقيق المتفتح سيستضيف جلسات الاستتابة على أرضه، وسيبدو ضد تشدد الشيخ حافظ، وضدد تشدد الطبيب يحيى أيضا، ولكنه أخيرا، وبعد طول مراقبة وفرجة معنا على هذه المناقشات، سيتحول بدوره إلى داعية ليساهم فى عودة الطبيب أخيرًا إلى حظيرة الإيمان.

هكذا فرض الموقف الواحد المباشر عالى الصوت سيطرته الكاملة على طيف رقيق من التفاصيل الواقعية، فالكل يتكلم فى الموضوع، بمن فيهم إلهام، أستاذة يحيى، والتى لعبت دورها شيرين رضا، وكذلك خطيبة يحيى التى لعبت دورها تارا عماد، بل ونعرف أن شقيق أستاذة يحيى قد انتحر لأسباب إلحادية، ويظهر طبيب نفسى يلعب دوره أحمد بدير، ينصح يحيى ويحاول أن يثبت له وجود الله.

كان يمكن أن تستمر المناقشات إلى مالا نهاية، لولا اكتشاف مرض حافظ الذى يستدعى نقل الكبد، ولكنه يرفض لضيق أفقه نقل الأعضاء، ويكون موت الأب بداية تحول سريع ومفاجيء وكامل من ابنه، فيعود إيمانه، وهو أمر لا يمكن تصديقه تحت دعوى «وفاة الأب الذى كنت تعانده»، لأن الألحاد فى معناه الرمزى هو تكريس لموت الأب، أو غيابه، أو التحرر من تكاليفه، ولأن يحيى، باضطرابه وتشوشه، أضعف من أن يصلى على من مات وهو يريد أن يذبحه!

لم تكن العناية بالدراما أبدا، بل بالأفكار والأهداف والغايات، وهذا من سمات السرد التعليمى المباشر، ولأن الأفكار فى الدراما تحملها شخصيات ومواقف أسست جيدا، فإن عدم التأسيس الجيد كما أوضحت، ببعض الأمثلة فقط وليس كلها، جعل الأفكار معلّقة فى الفراغ، وجعل الشخصيات أشباحا، وجعل محاولات المخرج محمد العدل لإيجاد معادل بصرى (مثل اللقطات العلوية المتعددة ليحيى والتى تجعله صغيرا وضيئلا وسط الفراغ)، غير قادرة على سد تلك الثغرات الدرامية.

إنك قد تصدق الحجة، ولكنك لن تصدق الشخصية، بل ولن تراها شخصية مثلنا من لحم ودم، وإنما هى مجرد فكرة لها لسان وصوت.

ينطبق الأمر أيضا على أداء الممثلين، وقد كان محمود حميدة وصابرين أكثرهما توفيقا واجتهادا، فمن المستحيل أن يصنع أعظم ممثل شيئا فى شخصية غير مقنعة دراميا، هذا جهد ضائع تماما، والقضية نفسها تخسر كثيرا، فلا هى كتبت كمقال مثلا، ولا هى قدمت عبر دراما قوية، وإن كان يحسب لـ «إبراهيم عيسى» دوما جرأته فى مناقشة وتفنيد كثير من الأفكار المتشددة، والتى يكتظ بها الفيلم، ولكن عليه أن يخلص بنفس القدر للدراما، لأنها الأساس الذى لا غنى عنه.

فى تاريخنا السينمائى فنان متعدد النشاطات هو حسين صدقي، لم يكن تنقصه القضايا التى يدافع عنها، ولا الإخلاص ولا الإيمان، وكان مشغولا بفكرة الدعوة والهداية، بل يمكن اعتباره من مؤسيس الأعمال الدينية المعاصرة، ولكنه كان يفتقد إلى صنعة الدراما، لذلك خرجت أفلامه مع الأسف وعظية مباشرة عوالية الصوت، ولا أظنها خدمت القضايا التى تدافع عنها.

هذا درس الماضى والحاضر والمستقبل: الإخلاص للدراما وإجادتها هو أفضل وسيلة للإخلاص للأفكار والقضايا، بل هو شرط نجاح إخراج الأفكار من دائرة التجريد، إلى دائرة الواقع الذى يمكن تصديقه، وهذا هو أيضا الدرس الذى علّمنا إياه ديستويفسكى العظيم فى روايته الفريدة «الأخوة كارامازوف».