رئيس التحرير
بتوجيهات رئاسية.. الاستفادة من كنز مصر
By m kamalيناير 18, 2026, 16:46 م
277
خلال اجتماع الحكومة الأسبوع الماضي قرر مجلس الوزراء تعديل اسم المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي إلى «المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة»
لم يكن الأمر مجرد تعديل لمسمى المجلس، ولكن دعوني أتوقف عند هذا القرار الذي أنطلق من خلاله للحديث عن كنز الدولة المصرية الذي وجه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة الاستفادة منه (الشباب) خاصة إذا علمنا أن عدد الشباب من سن 20 إلى 35 سنة بلغ 31 مليون نسمة بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عام 2019.
فى هذه النقطة أيضا سوف أتوقف عند أمر مهم وهو كيف أن الدولة المصرية حرصت على الاستفادة من قدراتها التي تعد أحد أهم التحديات فى مواجهات التنمية، لتحول التحدى إلى فرصة.
قرار مجلس الوزراء جاء استجابة واتساقا للمعايير العالمية الحديثة بعد أن قام الأمين العام للأمم المتحدة بتحويل مبعوث التكنولوجيا إلى مكتب الأمم المتحدة للتكنولوجيات الرقمية والبازغة.
هذا التحول الذى يعكس قناعة دولية بأن الحوكمة يجب أن تشمل طيفًا واسعًا من التقنيات وليس الذكاء الاصطناعي فقط.

جاء التغيير لتوسيع نطاق عمل المجلس ليشمل العديد من النطاقات والحزم، منها الحوكمة الشاملة والمسئولة، من خلال وضع أطر تنظيمية وأخلاقية للتكنولوجيات البازغة وليس الذكاء الاصطناعى فقط، بجانب تحقيق الاستجابة التشريعية المرنة وتوطين الابتكار وريادة الأعمال عبر دعم الشركات الناشئة والمشروعات البحثية فى مجالات الحوسبة الكمية، والبيوتكنولوجى، كما يعزز من التنافسية الدولية، ويسهم فى رفع ترتيب مصر فى المؤشرات الدولية مما يساهم فى جذب المزيد من الاستثمارات والشركات الأجنبية وتسريع بناء القدرات الوطنية التقنية من خلال تبادل الخبرات ونقل المعرفة فى مجالات دقيقة كالحوسبة الكمية.
لم يكن المجلس الذي أنشئ فى 21 نوفمبر 2019 مجرد كيان قامت الدولة بإنشائه فقط، لكنه استهدف تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي لتعزيز بناء قدرات مصر الرقمية وتسهيل تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية ليعود بالنفع على جميع المصريين ويمنح مصر فرصة مهمة فى مجال الذكاء الاصطناعي الذى يمنحها الريادة فى المنطقة العربية لتطوير نموذج أساسى وطنى.
كذا تطوير الصناعات التكنولوجية والخدمات الرقمية، وقد ارتكزت الاستراتيجية الخاصة بالذكاء الاصطناعي على ستة محاور رئيسية شملت الحوكمة، والاستخدام الأخلاقي والمسئول، وجودة الحياة، وكفاءة القطاعات، وإمكانية الوصول للبيانات ومشاركتها وبناء بنية تحتية قوية للذكاء الاصطناعي قابلة للتوسع وتوفير خدمات سحابية، وابتكار نماذج أساس رقمي جديد لتطوير صناعة الذكاء الاصطناعي.
لقد ساهم تطوير البنية التحتية فى قطاع الاتصالات خلال السنوات الماضية فى توسيع قاعدة المهارات والكفاءات، وفى 2023 أطلقت مصر النموذج المصري للذكاء الاصطناعى الذى يستند إلى مبادئ توجيهية وضعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية واليونسكو ومنظمة الصحة العالمية ومعهد مهندسى الكهرباء والإلكترونيات والاتحاد الأوروبي بالإضافة إلى الدول الرائدة، وتصبح هذه الوثيقة بمثابة محاولة تفسير مصر لمختلف المبادئ التوجيهية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي والمسئول.
يرأس هذا المجلس وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ووزراء ورؤساء هيئات معنية عدة.
من هنا انطلقت الدولة المصرية بتوجيهات رئاسية للاستفادة من السوق العالمية الضخمة، التى بلغت حجم عوائدها 4.8 تريليون دولار فى عام 2025 هذه السوق التى تعتمد فى الأساس على القدرة البشرية المدربة، بالإضافة إلى بنية تحتية قوية تجعل الدولة منطقة جاذبة لمثل هذه الصناعة المستقبلية (الكنز)، صناعة الخدمات التكنولوجية. والتي تعد بمثابة الكنز الحقيقي.
فى ظل ثورة رقمية عالمية أثرت بشكل كبير على حجم الوظائف التقليدية، اختفت العديد منها وظهرت وظائف أخرى تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الرقمية.
هنا كان القرار ضرورة الاستفادة من هذه الثروة البشرية الهائلة التى ظلت لسنوات ولا تزال تمثل أحد تحديات التنمية نظرا للزيادة السكانية الضخمة التي بلغت 2.4 فى 2014 ثم شهدت انخفاضا خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، لكنها لا تزال وبلا شك تحديا يواجه الحكومة خاصة إذا لم يقابل الزيادة السكانية زيادة فى الإنتاج.
فالزيادة السكانية غير المنضبطة دائما ما تلتهم الأخضر واليابس فعلى سبيل المثال حال قيام الدولة بوضع خطة لتخفيف كثافة الطلاب فى الفصول الدراسية والعمل على تنفيذها تجد الزيادة السكانية تلتهم أي زيادة فى عدد الفصول، لتظل حائلا دون قدرة الدولة على مواجهة هذا الأمر.
وهو أيضًا ما ينطبق على قطاعات عدة منها الإسكان والصحة فتلتهم الزيادة السكانية أي ثمار للتنمية وتظل الفجوة بين العرض والطلب وتصبح هذه الأزمة غير المتوقفة ككرة الثلج التي يزداد حجمها حال انزلاقها على المنحدر.
من هنا كان الاتجاه إلى ضرورة تحويل هذه الأزمة إلى فرصة للاستفادة من هذه القدرة البشرية الضخمة.
فعلى مستوى البنية التحتية تم إنشاء مراكز ضخمة للبيانات وتطوير هائل لشبكات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
لتصبح تضاهى المستوى العالمي الذي تمتلكه الدول الكبرى. فأنشأت مصر أكبر ٣ مراكز للبيانات والحوسبة السحابية فى الشرق الأوسط والذي أطلق عليه «العقل الإلكتروني للدولة» ليمثل بنية رقمية ضخمة لتخزين وتحليل البيانات الحكومية الضخمة وفق أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
مما يساهم فى توطين التكنولوجيا وتأمين المعلومات ويساعد متخذ القرار بالدولة فى التخطيط لمستقبل أفضل.
كما يحافظ على الإنفاق الحكومي وتقديم خدمات ذات مستوى عالٍ للمواطنين.
تم إنشاء مركز البيانات الرئيسي الموحد للدولة فى موقع محصن بأحدث الأنظمة الإلكتروميكانيكية التي تضمن استمرارية الخدمات على مدار الساعة، ويقدم الخدمات لمختلف وزارات وهيئات الدولة من أجل تنفيذ استراتيجية التنمية المستدامة «رؤية مصر 2030» والتي تتضمن بناء مجتمع رقمي لدعم وتعزيز الكفاءة فى العمليات الحكومية.
لم تكن تلك الخطوة سوى تأسيس لرؤية متكاملة تستهدف الاستفادة من هذه السوق العالمية التى تقترب من 4.8 تريليون دولار عام 2025 بما يعادل أكثر من 54% صادرات الخدمات فى العالم.
كان التحرك لاستكمال المسار المصري للحصول على حصة من هذه السوق.. سوق الصادرات الرقمية التي تشهد مسارا تصاعديا على مستوى العالم.
فتم تدريب وتأهيل الشباب المصري بعد اختبارات أجريت لهم وفق نظام علمي دقيق فأطلقت وزارة الاتصالات عددا من المبادرات للاستفادة من كوادر شبابية مؤهلة لدخول هذا السوق وبالفعل تم العمل على هذا الاتجاه وذلك بالتعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والأكاديمية العسكرية لتخريج دفعات من الرواد الرقميين، ليكونوا بمثابة النواة لتلك الصناعة الواعدة.
وقد شهد الأسبوع الماضي توقيع العديد من مذكرات تفاهم بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و30 شركة محلية وعالمية لتكنولوجيا المعلومات فى إطار تنفيذ المبادرة الرئاسية “Digilians. “
تشمل المبادرة مجموعة واسعة من المسارات الأكاديمية للمتقدمين للاختيار من بينها، فى مختلف التخصصات المتعلقة بالتكنولوجيا، مثل تطوير البرمجيات، والذكاء الاصطناعي (AI) وعلوم البيانات، والشبكات، والبنية التحتية التكنولوجية، والأمن السيبراني، والأنظمة المدمجة، والأنظمة الإلكترونية، والفنون الرقمية.
تتكون المبادرة من الدبلوم المكثف لمدة أربعة أشهر، والدبلوم التخصصي لمدة تسعة أشهر، والماجستير المهنى لمدة 12 شهرا، وماجستير العلوم لمدة 24 شهرا.
تم توقيع مذكرات التفاهم مع ممثلين عن 30 شركة محلية وعالمية لتكنولوجيا المعلومات والاتصال، تعمل كشركاء فى الصناعة للمبادرة. وتشمل هذه الشركات EMC Egypt Service Center Limited Dell، فورتينيت، جوجل، هواوي مصر، آي بي إم مصر، مايكروسوفت، شبكات بالو ألتو، فودافون مصر، الأهلي ممكن، برايتسكيز، كلاودفلير، اتصال إنترناشيونال، فوري، استشارات بصمة، 5DVR، حلول ثابتة، Geidea، GrowAxis، iConcept، حلول رقمية مبتكرة، (IDS، iHomeFuture، InnerWin Interface Tech، International for Informa تيون تكنولوجي، ITechPro، مطلوب، MTS Enterprise، النظام، أنظمة 2B، والرؤية (VGN SEC).
وتستهدف المبادرة تطوير المهارات التنافسية للشباب المصرى من مختلف الشرائح العمرية والعلمية فى أسواق العمل المحلية والعالمية فى مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطبيقاتها الحديثة.
تنمية المهارات الشخصية والحياتية والقيادية للشباب تحقيقاً لمتطلبات القرن الواحد والعشرين.
بناء الشخصية المصرية وتعزير الانتماء من خلال الأنشطة العلمية والثقافية والرياضية والاجتماعية.
توسيع قاعدة الاستفادة من كل مسارات تكنولوجيا المعلومات لتمكين الشباب فى مختلف الأعمار حتى 32 عاما ومن مختلف الخلفيات العلمية.
تطوير مهارات الشباب القيادية واللغوية والتكنولوجية لتمكينهم ولتحقيق النجاح فى مختلف بيئات العمل للمساهمة فى تنمية المجتمع.
بناء شراكات طويلة الأجل مع الشركات الدولية والجامعات المتخصصة لإتاحة فرص بناء خبرات عالمية.
ويحصل الخريج عقب انتهاء البرنامج على فرصة عمل عن بعد فى إحدى الشركات العالمية ويتراوح دخله الشهرى بين 10 آلاف إلى 20 ألف دولار.
لقد ارتفعت صادرات مصر الرقمية من 3.6 مليار دولار 2019 إلى 7.4 مليار دولار عام 2025 على أن تصل إلى 20 مليار دولار عام 2030 بما يعكس نموًا يقارب 456% خلال 10 سنوات تقريبا.
تعتمد الصادرات الرقمية على البنية التحتية الرقمية المستقرة وإنترنت فائق السرعة وكوادر بشرية متعددة اللغات والنظم المالية المرنة، جميعها كانت بمثابة تحديات أمام الحكومة المصرية واستطاعت الدولة التغلب عليها، للحصول على حصة مناسبة من السوق العالمية التي تقترب صادراتها السنوية من
5 تريليونات دولار.
واستطاعت مصر أن تصل إلى المرتبة رقم 15 من بين 60 دولة على مستوى العالم فى مؤشر الخدمات العالمية الصادر عن مؤسسة “كيرني” للاستشارات العالمية.
استند التقرير فى تقييمه إلى 47 مؤشراً ضمن أربعة محاور رئيسية: الجاذبية المالية، مهارات الكوادر البشرية وتوافرها، بيئة الأعمال، والصدى الرقمي.
حيث يقوم تصدير الخدمات الرقمية على بيع خدمات غير ملموسة تسلم عبر الانترنت وتتم التحويلات المالية من الخارج.
ويشمل ذلك البرمجيات والتطبيقات، والحوسبة السحابية وخدمات البرمجة والدعم الفني والاشتراكات الترفيهية والإعلانات الرقمية وحقوق الملكية الفكرية.
أما الحوسبة السحابية فتُعد أحد أكثر بنود الصادرات الرقمية ربحًا عالميًا إذ لم تعد الشركات تشتري خوادم ضخمة داخل مقارها بل تستأجر قدرات تخزين ومعالجة من مزودين مثل Amazon AWS وGoogle Cloud وMicrosoft Azure، المدفوع بالتحول الرقمي معتمدا على الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد من أجل خفض التكاليف وتعزيز الكفاءة التشغيلية والوصول إلى الكفاءات العالمية.
تعد هذه السوق فرصة مهمة للدولة المصرية فى ظل ما تشهده من نمو متسارع، فقد استطاعت الهند أن تستفيد منه وأيضا الصين وتتصدر هذه السوق الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا ولا تزال هناك فرص للدول التي تمتلك القدرة على الدخول إلى هذا المجال والذى يعد بمثابة فرصة مهمة للاقتصاد المصرى وأيضا التنمية البشرية.
إن دخول مصر لتلك الصناعة الواعدة والمعتمدة على الكوادر البشرية التي تتميز بها مصر يجعل أمامها فرصة أكبر لتحقيق نمو فى هذا القطاع يجعله متفوقا على القطاعات الأخرى فى حجم الصادرات.
لكن إذا ما كانت الدولة قد قامت بدورها من إنشاء بنية تحتية عالمية وتوفير فرص تدريبة للشباب الراغب فى الالتحاق بمثل تلك المسارات العملية بالمجان وتحملها لكل النفقات للدارسين؛ يبقى هناك دور مهم للأسرة والإعلام فى ضرورة أن نلفت نظر أبنائنا من الشباب لمثل تلك المسارات الوظيفية الواعدة ذات الدخل المرتفع والعائد الاقتصادي الكبير فيكفى أن يبلغ دخل الخريج من العمل الحر عن بعد بهذا المجال فى المتوسط 15 ألف دولار شهريا وقد يصل إلى 20 ألف دولار فى مجال الحوسبة السحابية.