https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

ليلة سقوط القانون الدولي

354

صباح السبت قبل الماضي ومع بداية العام الجديد أعلنت واشنطن سقوط القانون الدولي، بعملية عسكرية قامت بها قوات الدلتا التابعة للجيش الأمريكي؛ ففى 3 يناير الجاري تم القبض على الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو» وزوجته «سيليا فلوريس» ونقلهما إلى نيويورك فى مشهد مذل ليمثلا أمام محكمة اتحادية فى منهاتن بتهمة الإرهاب وتجارة المخدرات.

العملية التي قامت بها القوات الأمريكية وخرج عقبها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فى مؤتمر صحفي متحدثًا إلى العالم عن انتصار أمريكي حسب تعبيره، كانت بمثابة رصاصة الرحمة التي أطلقت على القانون الدولي والمنظمات الدولية، لتعلن ميلاد مرحلة جديدة قد يشهدها العالم هذا العام – مزيدًا من البلطجة الأمريكية.

 

مرحلة يعلو فيها صوت انتهاك القانون الدولي، وتصبح القوة الخشنة صاحبة الكلمة، فمن لا يملك القوة لا يملك قراره، بعد أن استبيحت سيادة الدول وحريتها؛ رغم أن ميثاق الأمم المتحدة ينص صراحة على حماية سيادة الدول ومنع استخدام القوة خارج إطار الدفاع الشرعي أو التفويض الدولي.

(1)

إن ما جرى فى فنزويلا يطرح سؤالًا حادًا: هل ما زالت السيادة مبدأً حاكمًا، أم مجرد شعار يُستدعى حين يخدم ميزان القوى؟
فسيادة الدول الصغيرة كثيرًا ما تُترك وحيدة فى غرفة الانتظار، بينما تُحسم القرارات فى عواصم أخرى.

ليفتح الحدث المزلزل فصلًا جديدًا فى العلاقات الدولية والقانون الدولي وأيضا علاقة الولايات المتحدة بأمريكا اللاتينية؛ فى ظل التصريحات التي قالها الرئيس الأمريكي متوعدًا رئيسى كوبا وكولومبيا.
ذرائع أعدت بإحكام للوصول إلى الهدف الحقيقي (النفط) ليعيد للأذهان ما حدث فى المنطقة العربية قبل 23 عاما عندما قررت واشنطن غزو العراق بزعم امتلاكها أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب على إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 عندما أعلنت الولايات المتحدة حربها على الإرهاب.

ما جرى فى العراق عام 2003 وما تشهده فنزويلا اليوم يكشفان نمطًا واحدًا بوجوه مختلفة.

فى الحالتين تحرّكت الولايات المتحدة خارج مظلة الشرعية الدولية، متجاوزة مبدأ سيادة الدول الذي يفترض أن تحميه الأمم المتحدة.
فى العراق كان العنوان «أسلحة الدمار الشامل ودعم الإرهاب»..
فى فنزويلا «الإشراف على شبكة لتهريب الكوكايين تحالفت مع جماعات تمارس العنف والإرهاب»، من بينها عصابتا «سينالوا» و«زيتاس» المكسيكيتان و«رين دي أراغوا» الفنزويلية ومتمردو جماعة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)»؛ لكن النتيجة واحدة، تدخل بالقوة، وتبريرات تتبدل، وسيادة تُنتهك.

نماذج من التهم المعلبة والمعدة سابقا، الفارق أن العراق دُفع إلى حرب شاملة أسقطت الدولة ومؤسساتها، بينما تُدار فنزويلا حتى الآن عبر عمليات خاطفة وضغط سياسي واقتصادي مكثف، فى محاولة لإعادة تشكيل السلطة بأقل كلفة عسكرية ممكنة. ومع ذلك، يبقى القاسم المشترك واضحًا عندما تُقرر واشنطن التحرك منفردة، يصبح القانون الدولي مادة للبيانات لا أكثر، وتتحول الأمم المتحدة إلى شاهد يدين ويشجب ويستنكر فقط.

كما أن الحلفاء فى الحالتين تراجعوا خطوة إلى الوراء وهو على ما يبدو ما تراهن عليه الولايات المتحدة الأمريكية دائما قبل القيام بمثل تلك العمليات.

فلم تستطع القوى الدولية الداعمة للنظام العراقي السابق أن توقف الغزو الأمريكي للعراق واكتفى الجميع ببيانات الإدانة والحديث عن انتهاك السيادة الدولية التي تحميها الأمم المتحدة فى الوقت الذي دمرت فيه القوى العسكرية الأمريكية العراق وسرقت النفط العراقي.

كما هو الحال اليوم فى فنزويلا الجميع أطلق بيانات إدانة حتى القوى الداعمة والمستفيدة من وجود مادورو فى سدة الحكم لم تحرك ساكنا باتجاه ما حدث ولو على سبيل ذر الرماد فى العيون.

المشهد فى فنزويلا عقب أداء «ديلسي رودريجيز» نائبة الرئيس المعتقل اليمين الدستورية كرئيس انتقالي يتطور بشكل متسارع ليس باتجاه مقاومة الاعتداء الأمريكي على سيادة الدولة؛ لكن باتجاه قبول الأمر الواقع. وهو ما حدث عقب تصريحات “ديلسي” منتقدة الهجوم الأمريكي فجاءت تهديدات ترامب بالقيام بعملية عسكرية جديدة تجاه كراكاس إذا لم يتصرفوا بشكل لائق بحسب تعبيره، بل وجه تهديدًا مباشرًا لرئيسة فنزويلا قائلًا “إذا لم تفعل ما هو صواب، فسوف تدفع ثمناً باهظاً، ربما أكبر مما دفعه مادورو”.

هنا تغيرت نبرة رئيسة فنزويلا بالوكالة، فى الوقت ذاته أعلن دونالد ترامب أن الولايات المتحدة ستحصل من فنزويلا على كمية تتراوح ما بين 30 إلى 50 مليون برميل يوميا من النفط، مؤكدا أن بلاده ستظل تشرف على فنزويلا لسنوات.

(2)

لقد تعلمت الولايات المتحدة الدرس جيدا من العراق، فلم تفكر فى غزو مباشر لفنزويلا بل اكتفت بالاستفادة من عناصرها الموجودة على الأرض الذين سلموا لها مادورو مقابل حفنة من الدولارات، ثم أتبعت ذلك بإظهار القوة لفرض الهيمنة دون التدخل العسكري المباشر والكامل على الأرض والذي كلفها الكثير من قبل خلال غزو العراق.

فالهدف محدد قبل بدء العملية الأخيرة بسنوات وهو ضرورة الوصول إلى النفط والمعادن النادرة لدى عدد من البلدان وفق رؤية الإمبراطوريات التي احتلت العديد من الدول ونهبت ثرواتها من قبل؛ فى الوقت ذاته مواصلة العمل لتفكيك دول أخرى لحساب إسرائيل.

فمنذ عام 2019 خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الحالي قدمت عدد من المراكز البحثية الأمريكية العديد من الأوراق البحثية التي تروج لعدد من الدول الفاشلة ومنها فنزويلا، وكوبا، وكولومبيا، وسوريا، وإيران، وهو ما عملت عليه بقوة حتى وصلت إلى اللحظة الحالية.
لكن هل أمريكا قادرة بالفعل على جنى كل تلك المكاسب أم أنها ستواجه عقبات فى فنزويلا؟

الحقيقة أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت فى العالم، أغلبه نفط ثقيل جدًا، والولايات المتحدة تاريخيًا كانت من أكبر المستفيدين منه، لأن مصافى خليج المكسيك مصممة خصيصًا لمعالجة هذا النوع.

لكن هناك معوقات ستقف أمامها للفوز بهذا الكنز كاملا، خاصة أن قطاع النفط الفنزويلي يعاني من تهالك البنية التحتية ونقص الاستثمارات وهجرة الخبرات نتيجة العقوبات الأمريكية المفروضة عليها.

فالنفط موجود بالفعل لكن إخراجه وتكريره يحتاج إلى وقت واستثمارات واستقرار.
كما أن الاستفادة الأمريكية ممكنة وفـــق
3 سيناريوهات:
الأول: رفع أو تخفيف العقوبات مقابل تنازلات سياسية.

الثاني: حكومة فنزويلية موالية أو متفاهمة مع واشنطن.

الثالث: عودة الشركات الأمريكية (مثل شيفرون) بعقود طويلة الأجل.

لكن هذا الأمر لن يكون سهلا فى ظل إصرار واشنطن على أن تظل المستفيد الوحيد بعد أن أعلنت أن عوائد النفط الفنزويلي ستعود إلى كراكاس على هيئة سلع أمريكية فقط، وهنا لن يشعر المواطن الفنزويلي بأثر عائدات النفط، وستزداد الأوضاع سوءا.

(3)

إن ما حدث فى فنزويلا ليس سيناريو لمشهد وحيد إنما سيناريو ينبئ عن مرحلة قد تتكرر فيها المشاهد، خاصة بعد تهديد ترامب لكل من كوبا وكولومبيا، والحديث عن احتلال جرينلاند من جديد.

الأمر الذي قد يكون سببا فى إحداث أزمة بين أوروبا والولايات المتحدة ليست كسابقتها بشأن أوكرانيا، خاصة أن جرينلاند تقع تحت سيادة الدنمارك، وهو الأمر الذي يعد اعتداء على دولة عضو بالاتحاد وعضو بحلف الناتو وهو ما يضع الحلف على المحك.
الرئيس الأمريكي أعلن نهاية الأسبوع الماضي عن أن كافة الخيارات مفتوحة بشأن الجزيرة التي أثرت التغيرات المناخية عليها فأذابت جزءا من ثلوجها، الأمر، الذى جعل التنقيب عن كنوزها والوصول إليها أقرب خاصة أنها تحتوي على احتياطيات كبيرة من الذهب والليثيوم وهو عنصر أساسي فى صناعة البطاريات الكهربائية والسيارات المستقبلية، والنيوديميوم والديسبروسيوم، وهي مكونات حيوية لتصنيع توربينات الرياح والمحركات الكهربائية.

وكذا النحاس والنفط والغاز، تلك الثروات بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية تحرص على تواجدها بالجزيرة وبناء قاعدة عسكرية بها «قاعدة ثول الجوية»، والتي تلعب دورًا أساسيًا فى نظم الإنذار المبكر ضد أي تهديد نووي أو صاروخي، وتضمن تعزيز الوجود الأمريكي فى القطب الشمالي.

بالإضافة إلى مراقبة تحركات البحرية الروسية والصينية فى القطب الشمالي؛ وتعزيز دفاعات الولايات المتحدة الجوية والصاروخية فى المنطقة.
وكذا السيطرة على الممرات البحرية الجديدة نتيجة ذوبان الجليد، والتي أصبحت أقصر طرق شحن بين القارات.
لكن كل ما سبق لا يمنح واشنطن الحق فى الاعتداء على سيادة الدولة.
وهو ما حذر منه الاتحاد الأوروبى، من أنه من غير المقبول تحت مسمى الحفاظ على الأمن القومي احتلال دولة أو الاعتداء على سيادة الدول.
لكن هل تصمد تلك التحذيرات أمام تهديدات الرئيس الأمريكي الذي اعتبر جرينلاند جزءا من الأمن القومي الأمريكي.
إن الواقع لا يؤيد ذلك، فإدارة الرئيس ترامب تعتمد على خرق القانون الدولي واستخدام لغة التهديد، بل
ولا تعترف بالعديد من المنظمات الدولية وقتما شاءت، فقد وقع الرئيس الأمريكي دونالد ‌ترامب إعلانا الأربعاء الماضي بانسحاب ‌الولايات المتحدة من 35 منظمة غير تابعة ‌للأمم المتحدة ‍و31 ‍كيانا ‍تابعا للأمم المتحدة.
إن ما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من خرق للقانون الدولي وانتهاك سيادة الدول يتعارض مع المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة الذى ينص على:
“يتعين على جميع الأعضاء الامتناع فى علاقاتهم الدولية عن التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة.”

هذا يعني أن أي غزو أو تدخل عسكري من دون تفويض من مجلس الأمن يعتبر انتهاكًا مباشرًا لسيادة الدولة.
المادة 51 من الميثاق، تعطي الدول الحق فى الدفاع عن نفسها إذا تعرضت لهجوم مسلح، لكنها لا تمنح أي دولة الحق فى الهجوم الاستباقي على دولة أخرى إلا بموجب تفويض من مجلس الأمن.

إن ما تقوم به إدارة ترامب يأتي نتيجة طبيعية لاستمرار العالم تحت سيطرة القطب الواحد، وترهل المنظمات الدولية وعدم قدرتها على تنفيذ مبادئها أو القرارات الدولية الصادرة عنها لحماية الأمن والسلم الدوليين.
إن القرارات الدولية لا تنفذ سوى على الدول الأضعف والأكثر فقرًا.

فالدول الأضعف ما زلت هي من تدفع الفاتورة، فقبل تأسيس المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة كانت الدول الكبرى أو الإمبراطوريات تستنزف قدرات وموارد الدول الضعيفة لتحقق مزيدًا من النمو وتظل الدول صاحبة تلك الموارد تزداد فقرًا وهو ما عانت منه إفريقيا عدة قرون وبعض دول جنوب العالم.

إن ما حدث يؤكد أن امتلاك الدول للقوة يجعلها قادرة على حماية مقدراتها وسيادتها فى مواجهة مثل تلك التحركات التي لا تعترف بالقانون
أو السيادة.