https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

تونس..حكاية استرداد وطن مختطَف منذ عشر سنوات

رسائل القاهرة من جبال الألب

190

رغم برودة أجواء الشتاء وثلوج جبال الألب السويسرية، كانت مدينة دافوس، الواقعة على ارتفاع نحو 1500 متر فوق مستوى سطح البحر، على موعد مع انعقاد الدورة السادسة والخمسين للمنتدى الاقتصادي العالمي، فى نسخة بدت الأكثر سخونة منذ سنوات، بفعل تصاعد التوترات الدولية وهيمنتها على مجمل النقاشات والجلسات.

انعقد المنتدى فى لحظة عالمية مضطربة، يعاني فيها النظام الدولي من آلام مخاض جديدة، وسط صراعات متشابكة تمتد بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، فيما يرزح العالم تحت وطأة واحدة من أوسع دوائر الفوضى، وأكثرها كلفة إنسانية، مع استمرار مشاهد الإبادة الجماعية وانتهاك القوانين الدولية دون رادع حقيقي.

وكشفت أعمال الدورة السادسة والخمسين عن ملامح مرحلة مختلفة فى السياسة الدولية، تتسم بتآكل منظومة القواعد التي حكمت العلاقات بين الدول لعقود، الأمر الذي دفع أصحاب رؤوس الأموال وصنّاع القرار الاقتصادي إلى إعادة تقييم المشهد العالمي، والبحث عن ملاذات آمنة لاستثماراتهم، فى مرحلة وصفها بعضهم بأنها «ضبابية ومظلمة المعالم».

 

وزادت القرارات الأمريكية غير المتوقعة، وما ترتب عليها من تداعيات مباشرة على الاقتصاد العالمي، إلى جانب تصاعد التوترات والصراعات والمواجهات العسكرية فى أكثر من بقعة، منسوب القلق داخل أوساط مجتمع الأعمال، فى ظل مخاوف حقيقية من انزلاق النظام الدولي نحو مواجهات أوسع قد تعيد إلى الأذهان سيناريوهات الحرب العالمية.

ويبدو العالم اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من التحولات السياسية والجيوستراتيجية والاقتصادية والأمنية، مرشحة لإعادة تشكيل النظام العالمي، فى وقت تتراجع فيه فاعلية المؤسسات الدولية، وتُفرغ المواثيق والقرارات الأممية من مضمونها، مع استمرار انتهاكها دون محاسبة.

وفى خضم هذا المشهد المرتبك، يتردد الحديث عن سلام منقوص، فيما تظل الشعوب هي الطرف الأكثر دفعًا للفواتير الباهظة لتلك التحولات، وسط عالم يتغير بسرعة، وقواعد لم تعد تحكمه كما كان من قبل.

(1)

تأتى الدورة الحالية لتكون بمثابة علامة فارقة فى تاريخ المنتدى الذي تأسس عام 1971 من أجل تنمية وتطوير إدارة الشركات الأوربية وكان حينها يسمى “المنتدى الأوروبي للإدارة، وشهدت دورته الأولى عقد عدد من الجلسات المغلقة بحضور 450 قيادة تنفيذية ومديري شركات كبرى من 31 دولة، ولم يحضره أي من الوزراء أو الرؤساء أو رؤساء الحكومات.

ولم يصدر بيان ختامي للمنتدى الأوروبي للإدارة وعكف على مدى 16 عاما على تنمية وتطوير وتعاون الشركات الأوروبية.

ظل «المنتدى الأوروبي للإدارة» تحت هذا الاسم حتى عدل عام 1987 ليحمل اسم «المنتدى الاقتصادي العالمي».

فى هذه الدورة التي تعد أول نسخة تحمل الاسم الجديد للمنتدى التي عقدت خلال شهر فبراير 1987 وحضرها أول وفد رسمي من الاتحاد السوفيتى، بقيادة إيفان إيفانوف نائب رئيس اللجنة الاقتصادية الخارجية للدولة، كانت بمثابة ذوبان للجليد بين الشرق والغرب، نظرا لمشاركة ممثلين من الجانبين.

كما شارك هانس- ديتمريش جينشر (وزير الخارجية ونائب المستشار الألماني آنذاك)، ورايموند باريه (رئيس وزراء فرنسا)، وبوب هوك (رئيس وزراء أستراليا) وبحضور كلوس شواب (مؤسس المنتدى).

لم يكن مجرد تغيير فى الاسم؛ لقد ساهم المنتدى بشكل غير ملموس فى كسر الحاجز النفسي بين المعسكرين وإنهاء الحرب الباردة بشكل هادئ بعد أن أصبح غرفة آمنة للكلام الذي لم يكن مسموحا به فى واشنطن وموسكو فى ذلك الوقت.

كما روج بقوة لفكرة بسيطة وهي «الاندماج فى الاقتصاد العالمي أفضل من المواجهة الأيديولوجية».

نقل المنتدى مركز الصراع من السياسة إلى الاقتصاد، وأصبح ما لم تحسمه الدبابات، يحسمه زيادة الإنتاج، والتطور التكنولوجي، والقدرة على جذب الاستثمار وأطلق المنتدى عبارته بوضوح: “من لا يدخل لعبة الاقتصاد العالمي سيخرج من التاريخ”.

لم يكن منتدى دافوس بطل نهاية الحرب الباردة، لكنه كان المسرح الذي تعلّم فيه الخصوم كيف ينهونها دون حرب.

وفى الدورة الحالية للمنتدى بلغ عدد المشاركين 3000 مشارك من بينهم ما يقرب من 850 من كبار الرؤساء التنفيذيين (CEOs) ومديري الشركات الكبرى العالمية.

و65 رئيس دولة ورئيس حكومة وأكثر من 400 شخصية حكومية من 130 دولة.

الجميع جاء إما ليكون فاعلا فى المشهد الجديد أو متابعا عن قرب بدايات تشكيله، فى ظل حالة عدم الاستقرار العالمي والأحداث المتسارعة التي تضرب الكوكب سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا ومناخيًا.

المنتدى شهد توقيع ميثاق مجلس السلام العالمي من قبل 25 دولة على رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية.

لكن اللافت للنظر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال كلماته طول فترة المنتدى كانت جميعها تتحدث عن ضرورة إحلال السلام وفى الوقت ذاته كانت عباراته تهدد باستخدام القوة.

 وفى الوقت الذي يتحدث عن نجاح إدارته فى إحلال السلام وجدناه يتحدث عن ضرورة احتلال أمريكا لجرينلاند وهو ما يتناقض مع دعوته للسلام تماما، ثم نجده يهدد إيران باستخدام القوة متحدثا عن تحريك القوات الأمريكية باتجاه الخليج العربي، ثم تجده متحدثا عن فنزويلا التي شهدت أكبر خرق للقانون الدولي زاعمًا أن ما حدث كان بهدف تحقيق الاستقرار ومواجهة تجارة المخدرات وهي فى الحقيقة عملية اغتصاب أمريكية لمقدرات دولة مستقلة ذات سيادة يحميها القانون الدولي؛ الذى انهار على يد الإدارة الأمريكية لتعيدنا إلى حقبة ما قبل عصبة الأمم.

لقد جاء اعتراض كل من الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني على حديث ترامب بشأن جرينلاند محاولة لإثبات أن أوروبا ما زالت حية وليس معنى أنها عضو فى حلف الناتو ستصمت على الخرق الأمريكي للقانون الدولي.

ليأتي رد ترامب مطالبا أوروبا بدفع ثمن حماية الناتو لها.

(2)

لقد شهد المنتدى العديد من الاجتماعات واللقاءات الثنائية بين القادة.

وحظيت الجلسة التي تحدث خلالها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي باهتمام بالغ من كافة المشاركين، كما حظيت الجلسة الحوارية بين الرئيس السيسي ونخبة من قادة الأعمال الدوليين باهتمام كبير، حيث شارك حوالي سبعين من كبار الرؤساء التنفيذيين وقادة المؤسسات المالية والاستثمارية العالمية والإقليمية فى مختلف القطاعات، بما فى ذلك الطاقة، والتحول الرقمي، والنقل، والبنية التحتية، والخدمات المالية فى تلك الجلسة وعبروا عن سعادتهم باللقاء واهتمامهم البالغ بضخ مزيد من الاستثمارات فى مصر، فى إطار الفرص الاستثمارية المتاحة.

جاءت كلمة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الجلسة الحوارية الخاصة بالمنتدى، وما أعقبها من حوار تفاعلي مع رئيس المنتدى والحضور حول تطورات الأوضاع بالمنطقة بمثابة رسائل واضحة من القاهرة إلى العالم، ارتكزت على أهمية إحلال السلام وبذل مزيد من الجهد للتعاون من أجل تحقيق الاستقرار فى منطقة الشرق الأوسط.

جاءت رسائل الرئيس لتؤكد على أن مصر تعد شريكاً فاعلاً فى صياغة مستقبل اقتصادي عالمي أكثر عدلاً واستدامة، فى ظل بناء دولة عصرية قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية العالمية المتسارعة.

  ضرورة تضافر الجهود وتعزيز التعاون والعمل المشترك، بما يمكننا من مواكبة هذه التحولات، واستثمار فرصها، على نحو يحقق الخير والمنفعة لشعوبنا كافة؛ فى ظل التحديات الجسيمة التي تواجه التنمية، وهو ما جعل مصر تحرص على بناء شراكات إقليمية ودولية راسخة، تستهدف تحقيق المنفعة المشتركة، وتعزيز التنمية المستدامة.

  السبيل الوحيد لتحقيق السلام والاستقرار والتنمية يتطلب التمسك بالحوار والتعاون الدولي، وإعلاء مبادئ الاحترام المتبادل والتعايش السلمي، واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

  تسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتجنب التصعيد، وتهيئة المناخ للتوصل لحلول مستدامة لمختلف الأزمات.

  ضرورة البناء على مكتسبات قمة شرم الشيخ، وتثبيت وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة؛ دون قيود مع الإسراع
فى إطلاق عملية التعافى المبكر، وإعادة الإعمار
فى مختلف مناطق القطاع.

  مصر لن تدخر جهدا، فى مواصلة الانخراط مع جميع الأطراف المعنية سعيا إلى إيجاد حل عادل وشامل ودائم لهذه القضية، يقوم على أساس حل الدولتين وقرارات الشرعية الدولية، ويكفل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها “القدس الشرقية”.

  نجاح مصر فى تنفيذ برنامجها الطموح للإصلاح الاقتصادي من خلال حزمة متكاملة من الإجراءات، أثمر عن تحسن ملحوظ فى مؤشرات الأداء الاقتصادي، وارتفاع معدلات النمو، وزيادة تدفقات الاستثمار الخاص إلى جانب إشادة واسعة من مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي فضلا عن قيام مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، برفع التصنيف الائتماني لمصر.

  السوق المصري ملىء بالفرص الاستثمارية فى مختلف القطاعات لاسيما فى مجالات الطاقة الجديدة والمتجددة، وصناعة السيارات – بما فى ذلك السيارات الكهربائية – إلى جانب الصناعات الدوائية واللوجيستية، وقطاعات الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، خاصة تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

  المستثمر الذي يختار العمل فى مصر، لا يقتصر مكسبه على السوق المحلى الواعد، بل ينفتح أمامه أيضا أفق أوسع، عبر شبكة اتفاقيات التجارة الحرة التي أبرمتها مصر، سواء فى الإطار الإفريقي أو العربي بما يتيح له النفاذ إلى أسواق ضخمة قائمة بالفعل، ويضاعف من فرص النمو والتوسع الإقليمي والدولي.

ففى عالم تتكسر فيه سلاسل الإمداد، ويعاد رسم خريطة التجارة، تصبح الدول التي تملك بنية تحتية حيوية قوية، واستقرارًا، وقدرة على التواصل مع الجميع، أكثر أهمية من القوى التي ترفع شعارات المواجهة.

وهو ما تتمتع به مصر، الأمر الذي يجعلها شريكا قويا وفاعلا فى المشهد الاقتصادي العالمي.

لم تعد قناة السويس مجرد ممر ملاحي،
بل نقطة ارتكاز فى الاقتصاد العالمي. ومع تصاعد التنافس الأمريكي-الصيني، تزداد أهمية الممرات الآمنة والمستقرة. هنا، تلعب مصر دور «الضامن» لا «الطرف». هي لا تستخدم القناة كورقة ضغط سياسي، لكنها بإدارتها المستقرة تمنع تحوّل التجارة العالمية إلى رهينة للصراعات، وهو ما تحتاجه القوى الكبرى اليوم.

فالعالم يبحث عن استقرار يمكن الاعتماد عليه.. لا مفاجآت.. لا مغامرات؛ ففى السياسة الدولية، الاستقرار أصبح سلعة نادرة.

مصر لا ترفع شعارات أو تطلق عبارات رنانة، لكنها تمارس دورًا أكثر تأثيرًا يعتمد على تثبيت التوازن فى العلاقات بينها وبين الدول الكبرى، وضمان الاستمرارية، ومنع الانزلاق فى نزاعات
أو تدخلات فى الشئون الداخلية لدول أخرى واحترام سيادة الدول.