https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

بحجة مكافحة الإرهاب.. ماذا بعد زيادة الوجود الأمريكي في نيجيريا ؟!

443

داليا كامل

بعد أسابيع من إصدار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب أمرا بشن غارات جوية على ما وصفه بأهداف تابعة ‌لتنظيم الدولة الإسلامية فى نيجيريا، جاء الإعلان عن إرسال 200 جندى أمريكى لتقديم التدريب الفنى والمشورة للقوات النيجيرية دون المشاركة فى العمليات القتالية، ليكشف عن تطور لافت فى مقاربة واشنطن تجاه غرب إفريقيا، ويثير تساؤلات حول دوافع واشنطن الحقيقية: هل هى حماية المسيحيين، كما أعلن ترامب، أم إعادة رسم موازين القوى فى الساحل الإفريقى؟!

 

 

وفى تصريحه عن الوجود العسكرى الأمريكى المرتقب، أوضح المتحدث باسم وزارة الدفاع النيجيرية، الميجر جنرال سمايلا أوبا، أن أبوجا طلبت وجودا أمريكيا لتقديم التدريب الفنى والمشورة فى عدة مواقع. وأكد أوبا، أن هؤلاء الأفراد لا يخدمون فى القتال ولن يضطلعوا بدور عملياتى مباشر، مع احتفاظ القوات النيجيرية بالقيادة الكاملة والسيادة فى جميع العمليات.

على الجانب الأمريكى، ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، أن «البنتاجون» ‌يخطط لنشر قواتٍ لتدريب القوات النيجيرية التى تحارب المسلحين الإسلاميين.  وأوضحت الصحيفة، أن القوة الأمريكية البالغ عددها 200 فرد ستُعزز عددا محدودا من العسكريين الأمريكيين الموجودين حاليا فى نيجيريا للمساعدة فى تحديد أهداف الضربات الجوية.

وكان الجيش الأمريكى، أعلن قبل ذلك بأسبوع عن إرسال فريق صغير من العسكريين إلى نيجيريا، دون تقديم تفاصيل، ‌فى أول إعلان رسمى من واشنطن عن وجود قوات أمريكية على الأرض منذ الضربات الجوية التى شنتها واشنطن فى 25 ديسمبر الماضى.

وأفادت وكالة «رويترز» للأنباء، بأن الولايات المتحدة تجرى مهام استطلاع جوية فوق أجزاء كبيرة من نيجيريا انطلاقا من غانا منذ أواخر نوفمبر الماضى.

ويأتى الانتشار العسكرى فى ظل ضغوط أمريكية متزايدة على الحكومة النيجيرية، بعد تصريحات لترامب بأن الدولة الواقعة فى غرب إفريقيا تُقصر فى حماية المسيحيين من هجمات الإرهابيين فى شمال غرب البلاد، بل اتهم ترامب صراحة الحكومة النيجيرية بـ «السماح بقتل المسيحيين» فى منشور على منصته «تروث سوشيال» فى نوفمبر الماضى. كما أعاد ترامب إدراج نيجيريا على قائمة «الدول المثيرة للقلق بشكل خاص» فى ملف الحريات الدينية، مهددا بوقف المساعدات عنها.

من جانبها، تنفى الحكومة النيجيرية وجود استهداف ممنهج للمسيحيين، مؤكدة أن ضحايا العنف من أتباع جميع الديانات، مشددة فى الوقت نفسه على أنها «ترحب بالدعم الأمريكى» فى مكافحة الإرهاب، ومؤكدة أن الضربات الأمريكية الأخيرة جاءت فى إطار مهمة أمنية مشتركة.

جدير بالذكر أن سكان نيجيريا ينقسمون بالتساوى تقريبًا بين المسيحيين والمسلمين، ويتمركز معظم المسيحيين فى ولايات الجنوب والوسط، بينما يتواجد المسلمون فى الشمال، حيث تقع معظم الهجمات التى يشنها بعض المتطرفين.

وتعانى نيجيريا منذ سنوات طويلة من صراعات معقدة، تشمل تمردا مسلحا فى الشمال الشرقى تقوده جماعة بوكو حرام وتنظيم «داعش- ولاية غرب إفريقيا»، إلى جانب صراع مزمن فى مناطق حزام الوسط بين رعاة الماشية من قبائل مسلمة ومزارعين من مجتمعات مسيحية حول الأراضى وموارد المياه الشحيحة، مما أسفر عن اشتباكات دامية متكررة، كما تعانى ولايات الشمال الغربى من نشاط عصابات مسلحة تمارس الخطف الجماعى لأجل الفدية. حسب «بى بى سى».

وأوضحت الشبكة البريطانية فى تقريرها، أن هذه الظروف الميدانية شكلت بيئة خصبة لتقارير تزعم أن المسيحيين فى نيجيريا يتعرضون لاضطهاد دينى ممنهج، وأن ترامب قد استند إلى هذه الروايات لتبرير خطابه المتشدد، لكن مراقبين يرون أن المعطيات على الأرض تُظهر أن العنف فى نيجيريا معقد ومتعدد الأطراف، ويطال ضحايا من مختلف الخلفيات الدينية والعرقية.

وخلص التقرير، إلى أن الرئيس النيجيرى بولا تينوبو، يسعى إلى كبح التصعيد فى الخطاب الأمريكى عبر إظهار استعداد بلاده للتعاون الأمنى مع واشنطن، من دون السماح بتدخل خارجى ينتهك السيادة الوطنية.

وعن نشر قوات أمريكية فى نيجيريا، يرى مراقبون أن هذه التطورات تأتى فى وقت يخوض فيه دبلوماسيون أمريكيون حراكاً واسعاً فى منطقة غرب إفريقيا الغنية بثرواتها، والتى تقاربت بعض دولها مع روسيا فى السنوات الماضية، على غرار النيجر وبوركينا فاسو ومالى.

ويشير خبراء إلى سعى الولايات المتحدة الأمريكية لانخراط أكبر فى المنطقة من بوابة التعاون الأمنى والعسكرى، عبر ترتيبات جديدة مع دول المنطقة، تقوم على احترام السيادة، وفى نفس الوقت منع التنظيمات المتطرفة من كسب مساحات جديدة.

واعتبـــــــر المحلل السياسى المتخصص فى الشئون الإفريقية، إيريك إيزيبا، أن إرسال مائتى عسكرى أمريكى إلى نيجيريا يأتى فى ظل وضع أمنى دقيق فى غرب إفريقيا، تسعى واشنطن لاستغلاله للعب دور أكبر هناك، وتطويق النفوذ الروسى، خاصة مع اهتمام ترامب بالمعادن النادرة فى المنطقة. وأضاف: «لذلك لا أستبعد أن نرى توسع الحضور العسكرى الأمريكى فى المرحلة المقبلة فى غرب القارة».

من جهته، ينظر الخبير الأمريكى المتخصص فى الشئون الإفريقية، جود ديفيرمونت، إلى التحركات الأخيرة كجزء من مراجعة أوسع للسياسة الأمريكية فى إفريقيا، حيث إن توسيع برامج التدريب والتنسيق الاستخبارى يعيد صياغة العلاقة الأمنية بين البلدين، ويرفع مستوى الجاهزية العملياتية للقوات النيجيرية، ويمنح الولايات المتحدة حضورًا دائمًا فى قلب المشهد الأمنى لغرب إفريقيا.

ويشير تقرير لـ «مونت كارلو الدولية» إلى أن الاهتمام الخاص الذى توليه الإدارة الأمريكية بالملف النيجيرى منذ عودة ترامب إلى السلطة قبل عام، مع مطالباته المتكررة بضرورة حماية المسيحيين وزيادة الضغوط على السلطات النيجيرية، ينسجم مع استراتيجية واشنطن لاحتواء الصين، حيث إن بكين تعد أكبر شريك تجارى لنيجيريا، بحجم تبادل تجارى يبلغ 21.9 مليار دولار، ما يمثل نحو 8% من إجمالى تجارة الصين مع إفريقيا. كما تمتلك الصين صفقات استكشاف وتعدين للذهب والنحاس والليثيوم، فضلًا عن دور كبير فى تجارة الأخشاب.

وفى تقرير عن المؤتمر الدولى للمعادن الحيوية الذى نظمته واشنطن مطلع فبراير الجارى بمشاركة دول أفريقية من بينها أنجولا وجمهورية الكونغو الديمقراطية والجابون وغينيا ونيجيريا، قالت مجلة «فورين بوليسى» إن المشاركة الإفريقية كانت ضرورية لجهود واشنطن الرامية لتفكيك قبضة الصين الخانقة على المعادن الحيوية التى تستوردها واشنطن بكميات كبيرة، والتى تشمل التنتالوم، المستخدم بكثافة فى قطاعى الدفاع والطيران، والمنجنيز، وهو أساسى فى صناعة الصلب، حيث يأتى أكثر من نصف إنتاج التنتالوم العالمى من دول أفريقية، من بينها الكونغو ونيجيريا ورواندا، بينما تمتلك جنوب إفريقيا نحو 80% من احتياطيات المنجنيز العالمية، فى حين تُزوّد الجابون الولايات المتحدة بنسبة 63% من وارداتها من المنجنيز.

وأشار التقرير إلى أن نهج الرئيس الأمريكى تجاه إفريقيا يقوم على «الدبلوماسية التجارية». ووفقاً لاستراتيجية الأمن القومى، الصادرة فى نوفمبر، تتمحور المصالح الأمريكية فى القارة حول «مواردها الطبيعية الوفيرة»، مع تجنب «أى وجود أو التزامات عسكرية طويلة الأمد».