تنامى ظاهرة الإرهاب فى منطقة الساحل الإفريقى تعد ظاهرة مستجدة على هذا النطاق الجغرافى منذ مطلع الألفية، حيث تشهد تلك المنطقة منذ أكثر من عقدين اضطرابات أمنية متزايدة مازالت قائمة خاصة فى ظل تنافس القوى الدولية الكبرى على السيطرة وفرض النفوذ بتلك المنطقة الحيوية والتى تحظى بالأهمية الجيوسياسية، بالإضافة للثروات الطبيعية، وهو ما أسفر عن اضطرابات سياسية أحدثت تحولات فى شكل الأنظمة السياسية ببعض دول الساحل الخمس مثل مالى وبوركينا فاسو والنيجر، وبالتبعية ساهمت الهشاشة الأمنية بمنطقة الساحل الإفريقى فى إيجاد بيئة مناسبة لنشاط الحركات والتنظيمات الإرهابية المتطرفة، بل إن انتقال عدد كبير من عناصر تنظيم داعش والقاعدة إلى منطقة الساحل الإفريقى قادمين من سوريا والعراق على مدار السنوات الماضية قد أحدث ارتباطا عضويا بين تلك الجماعات الإرهابية المحلية والتنظيمات الأخرى الأكثر انتشارًا مثل داعش والقاعدة، ولعل الأحداث الإرهابية الأخيرة فى دولة مالى والتى يتبناها تنظيم نصرة الإسلام والمسلمين والتابع للقاعدة دليل صارخ على توغل تنظيم القاعدة داخل منطقة الساحل الإفريقى بما يشكل مهدد أمنى خطيرًا قد يفجر الأوضاع داخل مالى ويمتد إلى جوارها الإقليمى القابل للاشتعال.
شهدت مالى على مدار الأيام الماضية تصاعدًا فى الأعمال الإرهابية التى تقوم بها جماعة أنصار الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، ولكن الأخطر أن تلك الجماعة تحالفت مع مجموعة الطوارق المتمردين والتى تسعى للانفصال ببعض أقاليم مالى، وهو ما أحدث تسريعا للأحداث أدى إلى اغتيال وزير الدفاع المالى، ولكن سرعان ما دخل فيلق إفريقيا التابع لروسيا واستطاع السيطرة إلى حد ما على الأوضاع هناك، ولكن بالعودة للطوارق فهم مجموعة انفصالية تسكن شمال مالي بالتحديد فى إقليم أزواد، وقد خاضوا عددا من التمردات منذ استقلال مالى عام 1960 للمطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتى، ومن ثم يتضح أن تلاقى الهدف السياسى للطوارق مع الهدف الأيديولوجى المتطرف لجماعة أنصار الإسلام والمسلمين رغم تباعد الأفكار يشكل خطرًا كبيرًا إذا استمر ومرت التجربة لدول أخرى مثل النيجر وبوركينا فاسو، فهذا سيمهد لفوضى كبرى بمنطقة غرب إفريقيا بالكامل وصولا لمنطقة الصحراء، ما قد يصنع موجة من التطرف والإرهاب كالتى شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين وتكرار سيناريوهات العراق وسوريا التى شهدت تناميا للتنظيمات الإرهابية المتطرفة، حتى فى ظل وجود التحالف الروسى مع تلك الدول وخاصة مالى كبديل عن الحليف الفرنسى القديم الذى تراجع وجوده منذ عام 2021 إلا أن بحث العناصر الإرهابية الهاربة من الشرق الأوسط على ملاذات آمنة يدفعها نحو الاستيطان فى دول الساحل الإفريقى وهو ما يجعل تنامى الظاهرة يحتاج إلى مواجهة جادة عبر تشكيل دعم إقليمى ودولى لمجموعة دول الساحل لمكافحة الإرهاب والمعروفة باسم G5 وتضم دول بوركينا فاسو وتشاد ومالى وموريتانيا والنيجر، حتى يدفن الإرهاب فى قبره الأخير بالساحل الإفريقى.




