لم يكن إعلان مصر عن نتائج مشروع «الجينوم المرجعي» مجرد سبق بحثي يُضاف إلى سجلات الجامعات المصرية، بل هو إعلان رسمي عن استقلال مصر «جينيًا» وتحررها من تبعية المراجع الطبية الغربية التي طالما فرضت معاييرها العلاجية على أجسادنا دون مراعاة لخصوصيتنا الوراثية، نحن أمام مشروع «أمن قومي» بامتياز، استثمرت فيه الدولة نحو مليار جنيه لفك شفرة 7 آلاف عام من التراكم الوراثي، واضعةً يدها على الخريطة الجينية لـ 1024 مواطناً من 21 محافظة كبداية للوصول إلى 25 ألف عينة.
الأرقام التي كشف عنها المشروع، أثبتت أننا كنا ضحايا لـ «التهميش الجيني»، حيث تبيّن أن الاعتماد على المقاييس الأوروبية كان يضلل الأطباء بتصنيف 83% من المصريين كمرضى محتملين للسكتة الدماغية، بينما كشف الجينوم المصري أن النسبة الحقيقية لا تتجاوز 10%، والأهم من ذلك، هو رصد 17 مليون تباين جيني فريد لم تُعرف عالميًا من قبل، مع وجود مكون وراثي مصري خالص بنسبة 18.5%، وهو ما يفسر أخيراً لماذا تنجح بعض الأدوية في أوروبا وتفشل في بيوتنا، ولماذا تهاجمنا أمراض معينة بشراسة تختلف عن بقية العالم.
هذا المشروع لا يحمي الحاضر فقط بتوفير «طب شخصي» يُصمم العلاج فيه وفقاً لبصمة الفرد، بل يحمي المستقبل أيضاً؛ فبقدرته على التنبؤ بإصابة 6600 مولود سنوياً بحمى البحر المتوسط، يمنح الدولة أداة استباقية للتدخل الوقائي قبل وقوع الكارثة.




