محمد أبو السول
«أن تكون طبيباً ماهراً فهذا إنجاز، ولكن أن تؤمّ الآلاف فى أعرق منابر العالم الإسلامى «الجامع الأزهر» فهذا اصطفاء. هو صاحب الحنجرة الذهبية التى زلزلت جنبات الميدان العريق، وجذبت القلوب قبل الآذان.
فى حوارنا مع الأزهرى الشاب محمد عبد النبى جادو، الطالب بكلية الطب بجامعة الأزهر، والذى أمّ المصلين فى الجامع الأزهر لأكثر من مرة فى رمضان، نتحدث عن هيبة الوقوف فى محراب الأزهر، وعن سرّ القبول الذى جعل الآلاف يلتفون خلفه فى مشهد مهيب، وعن رسالته لكل شاب يطمح للجمع بين العلم الدنيوى والتميز القرآني.
متى وكيف بدأت رحلة حفظ القرآن؟
البداية كانت من كُتَّاب البيت؛ والدى إمام وخطيب، ووالدتى معها ليسانس كلية الدعوة الإسلامية، فكانت بداية الحفظ مع والدى فى البيت. وبداية الرحلة كانت فى كُتَّاب المنزل مع والدى حتى ختم القرآن، وبعدها بدأت رحلة تنقل على بعض المشايخ؛ كلٌ له اسمه، مثل الشيخ عبد الهادى فى مرحلة الصوت وصغر السن وترسيخ الصوت.
بعدها بدأت مرحلة تعلم التجويد فى مكتب اسمه «الأترجة» على يد الشيخ علي، ثم مرحلة توثيق الحفظ والبحث عن الإجازات مع الشيخ السيد وجيه، ثم مرحلة القراءات مع الدكتور طارق الباشا، ومن بعده الشيخ أحمد حامد طعيمة، وكان ذلك خلال مرحلة الكلية، وأخيراً الشيخ ياسر السبري. هذه باختصار رحلتى مع حفظ القرآن؛ من الحفظ ثم الصوت ثم التجويد ثم علم القراءات.
من كان صاحب الأثر الأكبر فى تشجيعك؟
الأثر الأكبر فى التشجيع كان لجدى رحمه الله، وعمى مصباح؛ فكان عمى يأخذنى لأصلى معه صلاة التهجد رغم صغر سنى (أقل من 12 سنة)، ويطلب من المشايخ أن أدخل لأصلى ولو ركعتين. وبالتأكيد أهلى كان لهم الأثر الأكبر، وكذلك مدرسو المعهد الأزهرى الذين شجعونى على دخول الإذاعة فى طابور الصباح.
بمن تأثرت من قراء الرعيل الأول؟
أنا محب جداً للشيخ محمد رفعت، والشيخ محمد صديق المنشاوي، وأعشق الشيخ كامل يوسف البهتيمي، والشيخ محمود خليل الحصرى فى الدقة والإتقان. وعندما أبحث عن «المزاج العالي» أسمع للشيخ طه الفشنى والشيخ محمد رمضان. وبالطبع الباقون كلهم أباطرة؛ الشيخ مصطفى إسماعيل، والشيخ محمود على البنا، وكلهم بلا استثناء.
هل تميل إلى مدرسة معينة فى التلاوة؟
أنا أميل دائماً لمدرسة الخشوع والتعايش مع الآيات والإحساس بالمعنى، وتغليب المعنى على المقام وليس العكس، لذا أميل دائماً للشيخ المنشاوى لأنه كان يقرأ بقلبه. وفى المرتل، لا أسمع لأحد خارج مصر سوى الشيخ محمد أيوب رحمه الله، فقد كان يقرأ بقلبه أيضاً.
كيف جاءت فرصة إمامتك للمصلين فى الجامع الأزهر؟
كانت رحلة كبيرة؛ بدأ الأمر بإعلان على الإنترنت خاص بالجامع عن مدرسة تلاوة لطلبة الجامعة، فامتحنا فى القرآن ثم القراءات، ثم عُرضنا على وكيل الأزهر الذى اختبرنا مرة أخرى مع الشيخ حسن عبد النبى عراقي، ثم اختبار آخر أمام لجنة من الإذاعة ولجنة مراجعة المصحف، إلى أن تم اختيارنا لإمامة القبلة. خضعنا بعدها لتدريب فى الجامع الأزهر على علم القراءات والتجويد والمقامات، وفى أول رمضان بدأوا يخبروننا فى نفس اليوم الذى سنصلى فيه.
وما قصة البشرى التى بشرتك بها والدتك؟
رأت والدتى مناماً أن شيخاً يصحبنى من يدى إلى القبلة، ولم تخبرنى به، لكن أختى أرسلت لى صباحاً تسأل إن كان قد حدث معى شيء فى الأزهر، وفى نفس اليوم اتصلوا بي، وحينها علمت برؤيا والدتي.
كيف كانت مشاعرك فى المرة الأولى التى صعدت فيها لإمامة المصلين فى الجامع الأزهر؟
كانت المشاعر مختلطة؛ فرح وفخر ومسؤولية وخوف من ألا أكون على قدر هذه المسؤولية، فإمامة المحراب مسzولية كبيرة أقامنى الله فيها، وكان همى الأكبر هو هل أنا على قدرها أم لا.
ما الفرق الذى تشعر به عند الصلاة فى الجامع الأزهر مقارنة بأى مكان آخر؟
الجامع الأزهر هو قبلة العلم، ومسؤولية كبيرة جداً أولاً، هناك ناس حلمها تدخل تصلى فى الجامع مجرد صلاة بس، أو تزور الجامع، فما بالك بأن تصلى أماما، فإحساس طبعاً مختلف وشعور مختلف ومسؤولية كبيرة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أداء هذه الأمانة، وهى أمانة إن العالم كله ينظر للأزهر، على عكس أى مسجد تاني، وإن كان الله سبحانه وتعالى مطلع عليك فى كل مكان، ولكن المسئولية تزيد.
الآلاف يأتون للاستماع لصوتك؛ كيف تستعد نفسياً وروحياً قبل الصلاة؟
أحضّر جيدا وأراجع ما أحفظ والقراءة التى سأقرأ بها، وأقرأها على المشايخ، ولكن الأهم أننى أتذلل لربنا وأتوسل إليه وأطرق بابه فى إن هو يعطينى ويوفقني، وأبدأ بالصلاة على النبى والاستغفار، وأسأله إنه لا يمنع عنى خير ما عنده بسوء ما عندي.
وصراحةً ربنا سبحانه وتعالى أعطانى كثيرا ولكن لابد أن ندخل من باب الذل والافتقار والحاجة، لأنه سبحانه وتعالى فى غنى عنا ولكن نحن فى حاجة إليه سبحانه وتعالى، أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني، فنسأله بغناه وفقرنا أن يعطينا.
ما هى طريقتك الخاصة فى مراجعة وتثبيت الحفظ؟
على قدر الإمكان الصلاة بالحفظ، وأصلى بالقرآن كاملاً دون انتقاء مواضع، بمعنى أننى أختم القرآن فى الصلاة، بحيث يساعدنى ذلك فى تثبيت الحفظ، هذا إلى جانب ضرورة أن أقرأ على شيخ، فلا يصح أن يحفظ الشخص مع نفسه، فلابد من قراءة ورد ثابت على شيخك.
كيف ترى تجربة برنامج «دولة التلاوة»؟
دولة التلاوة مشروع عظيم ونشكر فيه أولاً السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى على الدعم والدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، مشروع جميل جداً، ولاحظنا المواطنين على المقاهى ينتظرون برنامج قرآنى، وليس مباراة كرة قدم، فكان هناك جو روحانى فى شوارع مصر، وشجعت شباب وشجعت الأهالى فكان الناس يهتمون بلاعب الكرة مشهور، الآن أصبح قارئ القرآن مشهورا.
من هو القارئ الذى لفت نظرك فى البرنامج والأقرب إليك؟
كلهم أفاضل وعلى قدر وثقة، وبالنسبة لى الشيخ إيهاب علي، هو أولاً لأنه من بلدة شقيقة لقريتي، وحفظ على نفس شيخي، وهناك الشيخ أحمد علي، والشيخ محمد كامل، والقلّاجى وعمر والشيخ عبد الله، هؤلاء الشباب الذين أثاروا النفوس، وبلال سيف، والشيخ محمد أحمد حسن، جميعهم أفاضل وممتعين، والشيخ العتمونى والطريقة المنشاوية التى أثارت الإعجاب فى قلوب الناس، فالبرنامج أبدع وأمتع.
وكل الشكر للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى أتاح الفرصة للشباب، وتكريمه لشباب دولة التلاوة ليلة 27، حفاوة عظيمة بأهل القرآن.
هل تخطط المشاركة فى النسخة المقبلة من «دولة التلاوة»؟
أتمنى المشاركة، وأن تكون الظروف تسمح بذلك، وسأستشير من هم أكبر مني، وحسب الشروط المحددة للمشاركة فى المسابقة، وإذا كان لى نصيب سأشارك.
هل تشعر أن لقب «قارئ الجامع الأزهر» يضع عليك ضغطاً إضافياً إذا قررت المشاركة فى البرنامج؟
طبعاً، ضغط مضاعف، فإمام الجامع الأزهر لابد أن يكون علمه غزير، وحالياً أتعلم يمين وشمال وأكلم الشيوخ والعلماء وأستقصى المعلومات لأنك أصبحت وجهة للناس، فلابد أن يكون عندك نوعاً ما من المعلومات، مع الوضع فى الاعتبار أنه لا حرج فى أن يقول الإنسان «لا أعلم».
أين يرى محمد جادو نفسه بعد التخرج؟ هل سنرى «الطبيب القارئ» الذى يجمع بين العيادة والمنبر؟
أتمنى أن أكون طبيبا ماهرا، أساعد الناس وأعالجهم وأداوى آلامهم بفضل من الله سبحانه وتعالى، وأقف إلى جانبهم، وكذلك أتمنى أن يكون القرآن معى طيلة حياتى وحتى عند موتى ويكون معى فى قبرى وعندما ألقى الله سبحانه وتعالى، فأريد أن أجمع بين الحسنيين يعنى الطب والقرآن، وأتمنى أن ألتحق بالإذاعة والتلفزيون، أريد أن يعنى يكون صوتى فى شتى أنحاء العالم، حتى أترك أثرا باقيا.
كلمة أخيرة توجهها لكل من يطمح للوقوف فى محراب الأزهر يوماً ما.
لا تجعل المحراب هو الهدف، اجعل حفظك للقرآن وتقربك لله سبحانه وتعالى الهدف، وإن حفظت وأتقنت ستجد أن الله ربنا سبحانه وتعالى يعطيك فوق ما تتخيل، ولا يكون همك أنك تحفظ لتدخل محراب الأزهر، فأنت تحفظ لله وتسعى إليه، فأنا لم يكن فى حسبانى شيء من ذلك، لكن هى تيسيرات من ربنا سبحانه وتعالى.
رسالة شكر توجهها لمن؟
أشكر د. الضوينى والشيخ حسن عبد النبى على تعبهما وجهدهما وإتاحة الفرصة لنا، كذلك فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وكل من ساعدنا فى المسجد الدكتور هانى عودة، والدكتور عبد المنعم فؤاد، وأئمة القبلة.







