صالون الرأي
مواجهة المحتل بالعكاز
By mkamalديسمبر 10, 2018, 16:05 م
1883
من قادته الأقدار إلى الحياة وسط الصحراء وحيدًا، ثم تسرب إليه اليأس، كمن استسلم للموت مبكرًا، وإذا حاول التفكير فى البحث عن طريق للنجاة، فقد يجد نفسه لاهثًا وراء سراب على رمال الصحراء، وفى هذه الحالة لابد أن يساوره الشك فى أنه سيلقى نفس المصير، وهنا يقول لنفسه: مواجهة البلاء خير من انتظاره، فلماذا أموت جالسًا كالقرفصاء لعلى أجد وسط الظلام ضوءًا؟ وعندما يقف على قدميه ويتحدى واقعه المر، قد يؤسس لحياة جديدة ينعم معه آخرون، فعليه أن يبحث عن سر الحياة بين الصخور المنحدرة، أو يتتبع أسراب الطيور وخط سير الحيوانات.
وهذا ما يشبه مشهد محمد الطفل الفلسطينى وهو يسير بعكازين إلى مدرسته النائية، ويتحدى إعاقة بتر إحدى ساقيه على إثر إصابته برصاصة من جنود الاحتلال الإسرائيلى، ليواصل دراسته فى رحلة يومية شاقة فى مخيم الجباليا.
وفى مشهد ثان يتحدى 30 فلسطينيًّا متضامنًا معهم عددًا من الأجانب قمع المحتل، وأقاموا قرية جديدة فى منطقة الأغوار الفلسطينية الواقعة قرب حدود نهر الأردن، وأطلقوا عليها قرية العودة، ونصبوا خيامهم على أراضيها بأقصى سرعة عندما حل الليل، ليفرضوا قريتهم كأمر واقع، بعد أن اقتلع المحتل الصهيونى أشجارهم وبيوتهم، ومازال يتوسع فى الاستيطان وفى سلب وجودهم، ونرى أيضا فى الصورة مجموعة من الشباب الفلسطينى فى غزة ممن فقدوا أطرافهم، لم يستسلموا لعجزهم، وشكلوا فريقًا لكرة القدم، ونظموا مباريات ولعبوا الكرة وهم يجرون على عكازين، وبذلك يبعثون الأمل من جديد فى صدورهم، وتعطى إحساسًا بالرعب والفزع للمحتل، وتشعره أن الفلسطينيين صامدون، وأنهم لن يخضعوا للضعف ومستمرين فى المقاومة.
وشاهدنا مجموعة أخرى من الشباب الفلسطينيين، لم ينل اليأس منهم رغم شح الموارد وندرة المواد الخام وتضاؤل الخبرة فى طرق التصنيع، فقد حققوا إنجازًا كبيرًا كما وصفته جهات علمية عديدة، وبدأوا بتجميع قطع الغيار من سيارة قديمة، ثم شرعوا فى ابتكار سيارة حديثة، وقاموا بتنفيذها خطوة تلو الثانية بعد إجراء تجاربهم، وفى النهاية تمكنوا من صناعة سيارة متقدمة بالجهود الذاتية تعمل بالحقن الإلكترونى، واشتركوا بمشروعهم هذا فى مسابقة دولية تعقد فى بريطانيا، وفى مشهد التحدى للفلسطينيين نرى كثيرًا منهم بعد تدمير منازلهم، يتكافل بعضهم البعض ويسارعون فى إعادة بنائها، ونراهم حينما أقام العدو الكتل الأسمنتية والسواتر الترابية على الطرق الرئيسية، لكى يمنعهم من التنقل للعمل وتزاور آبائهم وذويهم، استخدموا الونش لرفع سيارتهم ودرجاتهم فوق الحواجز الخرسانية.
ووسط الخناق والدمار وشظف العيش، لم يخنعوا للإحباط أو للاكتئاب، بل يمارسون الغناء فى أفراحهم، ويحرصون على تشكيل الفرق الغنائية، وإقامة الاحتفالات، ولا يقتصر نشاطهم على هذا فيبادرون بإنتاج الأفلام التسجيلية والروائية، ويشاركون ببعضها فى المهرجانات السينمائية الدولية، وأقاموا فرقًا لتمثيل المسرحيات على مسارحهم المتواضعة، ولا يزال أطفالهم وشبابهم يمارسون كل ألوان النشاطات الثقافية والرياضية، ومنهم يمارسون رياضة التزلج، ليعلنوا للجميع أنهم مثل أى شعب يتمتع بالحرية، ونفس تلك النشاطات يمارسها اللاجئين داخل مخيماتهم، التى تنعدم فيها سُبل الحياة والخدمات، وأماكن إقامتهم ما هى إلا عششًا من الصفيح، ويكمن سر سُبل تعايشهم هذه فى أنها رسالة شديدة اللهجة إلى المحتل، تقول إن الشعب الفلسطينى بكل طوائفه متمسك باسترداد كافة حقوقه، حتى أن مفكرين وعددًا من المنظمات اليهودية تطالب زعماءهم بإقامة الدولة الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية.
ومعاناة الشعب الفلسطينى لم تقف عند انتهاكات المحتل الإسرائيلى المتواصلة منذ 48، فاليوم 58 مخيمًا فلسطينيًا يشهد أسوأ الظروف المعيشية، منها 19 مخيمًا فى الضفة الغربية و8 مخيمات فى قطاع غزة، غير أعداد متفرقة فى سوريا والأردن ولبنان، وذلك بعد تقليص الدعم الأمريكى لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا»، وحذت دولا أخرى حذو أمريكا وسحبت دعمها، وتمثل نسبة سكان المخيمات أكثر من 66% من مجموع الشعب الفلسطينى البالغ 13 مليونا، مما اضطر العديد من اللاجئين الخروج من المخيمات بحثا عن الرزق، ولا تعنى تلك الضغوط القاتلة أن أبناء المخيمات أبدوا موافقتهم على قرارات ترامب والحكومة الإسرائيلية، بل إنهم يتصدرون الصفوف الأولى أمام ممارسات جنود جيش المحتل، مع أن تاريخ قمع سكان المخيمات الفلسطينية يشهد هجمات شرسة من وقت لآخر.
وفى عام 1992 وقعت مذبحة صبرا وشاتيلا، التى أدت إلى استشهاد 3 آلاف فلسطينى ولبنانى، وفى السنوات الأخيرة حدثت نكبات لمخيمات الفلسطينيين فى سوريا نتيجة الضربات المستمرة، ورغم هذا يحافظ أهالى المخيمات على صورتهم المشرفة النضالية، وهناك من يستغل أوضاعهم ليتاجر بها خدمة لأجنداته الخاصة.
على الجانب الآخر يصدر المحتل صورة مشوهة عن الفلسطينيين ونضالهم، فى حملة خبيثة يشنها فى الخارج، وتجد دعمًا من مؤسسات دعائية أجنبية تناصر الصهيونية، والآن أصبح واضحًا للجميع أن فارق القوة والسلاح ليس السبيل لفرض سياسة الأمر الواقع، فالمعادلة تغيرت والأجيال الحالية للشعب الفلسطينى أصبحت أكثر ثباتًا، وظهر تصاعد لأكبر حركة مقاطعة دولية BDS، وينضم إليها يومًا بعد يوم العديد من المتطوعين من حول العالم، ونجحت فى تحقيق الكثير من أهدافها، مما أثارت قلق ومخاوف الدولة الإسرائيلية، ودفعت أكبر بنكين أوروبيين فى سحب استثماراتهما فى عدة بنوك إسرائيلية، وأعلنت شخصيات عالمية من ممثلين ورجال أعمال ومفكرين مقاطعتهم لإسرائيل، فقد حان الوقت أن تتخذ الدول الداعمة لإسرائيل موقفًا عادلاً للفلسطينيين.