رئيس التحرير
مصر وتركيا.. وإعادة رسم خريطة التعاون الإقليمي
By m kamalفبراير 10, 2026, 13:38 م
43
ما شهدته القاهرة نهاية الأسبوع الماضي، كان حدثا مهما ليس على مستوى العلاقات المصرية التركية فقط بل على مستوى المنطقة (الشرق الأوسط)، خاصة فى ظل تطابق الرؤى والتعاون بين دولتين لهما تأثير كبير فى استقرار المنطقة.
فمصر دولة محورية ذات ثقل سياسي واستراتيجي وتمتلك مفاتيح الحل فى العديد من الملفات فى منطقة تشهد حالة من الاضطراب وعدم الاستقرار على مدى عدة عقود وإن كان العقدين الأخيرين هما الأكثر اضطرابا.
كما أن تركيا دولة ذات تأثير فى العديد من الملفات أيضا، خاصة ملف الأوضاع فى سوريا وليبيا وجنوب البحر الأحمر وكذا القضية الفلسطينية.
جاءت الزيارة التي استمرت ليوم واحد فقط لترسم ملامح مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي.
كما تعد استكمالا لمسار بدأ منذ فترة زيارة الرئيس السيسي لأنقرة فى سبتمبر 2024 حيث تم الاتفاق على إنشاء وتفعيل مجلس التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وعُقد أول اجتماع له بحضور الرئيسين، كما تم الاتفاق على رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين وزيادة التعاون الاقتصادي وتوقيع عدد من مذكرات التفاهم بين البلدين فى قطاعات الصحة والتعليم والطاقة والدفاع وغيرها.
تأتى قمة القاهرة والتي تعد نقلة نوعية فى تاريخ العلاقات المصرية التركية وتؤسس لمرحلة مهمة من العلاقات بين البلدين التي تعتمد بشكل أساسي على التعاون.
الاستقبال المصري للرئيس التركي رجب طيب أردوغان والسيدة قرينته عبّر عن ثوابت الدولة المصرية المرتكزة على رؤية واضحة تعتمد على ضرورة الاستفادة من مساحات الاتفاق وتقليل حجم الخلافات والتعاون من أجل مصلحة الشعوب وتحقيق الاستقرار والعمل على إحلال السلام والحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها وعدم التدخل فى شئون الدول وضرورة إحلال السلام وإعلان الدولة الفلسطينية وتأييد الحلول السياسية للأزمات والتعاون فى مواجهة الإرهاب كونه أحد الأسباب الرئيسية فى صناعة عدم الاستقرار فى المنطقة.
(1)
استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وإطلاق المدفعية 21 طلقة خلال الاستقبال بقصر الاتحادية رسالة ذات دلالة على حفاوة الاستقبال وقوة ومتانة العلاقات بين البلدين حيث تواكب الزيارة الاحتفال بمئوية العلاقات بين مصر وتركيا.
وهنا نتوقف عند مرحلة مهمة من العلاقات المصرية التركية والتي شهدت تطورا كبيرا خلال العامين الأخيرين فى ظل تطابق الرؤى بين البلدين بشأن أهمية التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية حيث حرص الرئيس التركي على حضور قمة شرم الشيخ للسلام لوقف إطلاق النار فى قطاع غزة والتي دعت لها القاهرة وشهدت حضورا دوليا كبيرا على رأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار فى غزة فى أكتوبر 2025 لتبدأ المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق، وعقب انتهاء تلك المرحلة تبدأ المرحلة الثانية والتي تشهد التحرك باتجاه إعادة الإعمار وهو ما أكده الرئيس السيسي ونظيره التركي على ضرورة المضي قدما لاستكمال خطة ترامب للسلام فى غزة وتنفيذ المرحلة الثانية دون تعطيل وذلك للحفاظ على أمن واستقرار الإقليم.
خلال القمة المصرية التركية جاءت كلمة الرئيس السيسي مؤكدة على ما أعلنته مصر منذ بدء الأزمة فى الإقليم بشكل عام والمنطقة العربية بشكل خاص وهو ضرورة وقف التدخل العسكري لحل الأزمات واللجوء إلى الحلول السياسية وتقريب وجهات النظر بين أبناء الوطن الواحد والعمل على نبذ الفرقة والتأكيد على وحدة الدول ورفض أي مسار يستهدف تقسيم الدول.
ففي الأزمة الليبية ومنذ بداية تولى الرئيس السيسي السلطة وهو يحرص على ضرورة الوصول إلى حل سياسي وتوحيد ليبيا وإجراء انتخابات موحدة ورفض التدخلات الخارجية وضرورة خروج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.
وضرورة إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية بالتزامن والحفاظ على وحدة ليبيا وسيادتها.
وكذا الوضع بشأن الصومال حيث اتفقت مصر وتركيا على ضرورة الحفاظ على وحدة الصومال ورفض أى شكل من أشكال التقسيم أو التدخل الخارجي فى شئون الصومال والحفاظ على أمن واستقرار البحر الأحمر.
وكذا الأوضاع فى سوريا وترحيب مصر بالاتفاق الموقع بين الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية.
القمة التي على هامشها تم توقيع عدد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات عبرت عن تطور كبير فى حجم العلاقات بين مصر وتركيا واتفاق فى وجهات النظر بشأن أهمية التوصل إلى حلول دبلوماسية لكافة أزمات المنطقة، والبعد عن المواجهات العسكرية أو التدخلات الخارجية التي لم تخلف سوى مزيد من التوتر والدمار وتدفع باتجاه تفتيت الدول.
كما أن دعم الميليشيات لا يساهم فى حل الأزمات داخل الدول بل يساهم وبشكل كبير فى مزيد من الدمار والانقسام وإهدار موارد الدول ولا تجنى الشعوب من ذلك سوى مزيد من الفقر والأزمات.
لقد جاء توقيع الرئيس السيسي والرئيس أردوغان على الإعلان المشترك للاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى بين البلدين، بمثابة إعلان مرحلة جديدة بإن العلاقات الاستراتيجية بين البلدين تشهد ازدهارا ينعكس على شعبي الدولتين، فى ظل التأكيد على ضرورة رفع حجم التبادل التجاري الثنائي الى 15 مليار دولار بحلول عام 2028 وهو موعد انعقاد الاجتماع الثالث لمجلس التعاون الاستراتيجي فى أنقرة.
فقد شهد التبادل التجاري بين القاهرة وأنقرة نموا كبيرا خلال الفترة الماضية حيث بلغ 9 مليارات دولار.
كما ساهمت الاستثمارات التركية فى قطاع الملابس والصناعات النسيجية فى احتلال مصر المرتبة الأولى على مستوى الوطن العربي وإفريقيا فى تصدير الملابس بعد أن كانت فى المرتبة الثالثة وذلك بعد أن تضاعف استثمارات الشركات التركية فى ذلك القطاع حيث بلغ 3 مليارات دولار.
لقد اتفقت الدولتان على ضرورة معالجة معضلة الإرهاب فى منطقة الساحل والصحراء بالتنسيق مع الحكومات المعنية فى إطار حرص البلدين على إعادة الاستقرار لدول الساحل وعودة عضوية الدول الثلاث إلى الاتحاد الإفريقي والتعاون مع الاتحاد الإفريقي لمواجهة الأزمة الإنسانية الحادة بتلك الدول نتيجة تصاعد الأنشطة الإرهابية فيها.
وجاء تطابق الرؤى بين البلدين بشأن أهمية تامين البحر الأحمر واستعادة المستويات الطبيعية للملاحة البحرية العابرة له بمثابة رسالة قوية لكل من تسول له نفسه المساس أو التواجد العسكري على سواحل البحر الأحمر بما يخالف القانون الدولي والأعراف الدولية.
كما أقرت تركيا بالأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لحياة المصريين فى ضوء ندرة المياه بها والتغيرات المناخية التي أثرت على الموارد المائية.
كما جاء حضور الرئيس السيسي والرئيس أردوغان للجلسة الختامية لمنتدى الأعمال المصري التركي تأكيدا على دعم الرئيسين لدفع عجلة التعاون الاقتصادي بين البلدين وتذليل كافة المعوقات امام المستثمرين من كلا البلدين.
الزيارة التي قام بها الرئيس رجب طيب أردوغان للقاهرة واللقاءات الموسعة بين الزعيمين ومذكرات التفاهم والاتفاقيات الإطارية بين البلدين جاءت لتؤكد أن التعاون بين مصر وتركيا يعيد ترتيب أوراق الإقليم مرتكزا على ضرورة إحلال السلام والحفاظ على الدولة الوطنية.
لقد جاءت الزيارة لتعكس إدراك تركيا بأن مصر تظل فاعلا مركزيا لا يمكن تجاوزه فى أي مقاربة جادة لمعالجة أزمات الإقليم أو إعادة صياغة معادلات الاستقرار.
كما تأتى فى إطار إعادة بناء الثقة وتعظيم المصالح المشتركة، وحرص مصر وتركيا على ترجمة التفاهمات السياسية إلى آليات متابعة عملية، سواء فى الملفات السياسية والأمنية أو فى مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري.
كما تعكس إدراكا متبادلا بأن استقرار الإقليم يمر عبر تنسيق جاد بين القوى الإقليمية الرئيسية، وفي مقدمتها القاهرة وأنقرة، بما يسهم فى خفض التوترات وبناء ترتيبات استقرار أكثر استدامة.
إننا أمام مرحلة تتسم بالوضوح وتعظيم المنافع.
(2)
نهاية الأسبوع الماضي تم إعادة فتح معبر رفح من الجانبين وشهدت الأيام الأولى لفتح المعبر عودة عدد من الفلسطينيين إلى قطاع عزة بعد تلقيهم العلاج فى مصر خلال الفترة الماضية.. مشهد عودة الفلسطينيين إلى الأراضي المحتلة عبر معبر رفح رغم أنهم متجهين إلى قطاع دمرته آلة الحرب الإسرائيلية وحولته إلى ركام.. جاء مشهدا كاشفا لصمود الشعب الفلسطيني وحرصه على البقاء داخل أراضيه وأنه سيظل صامدا على أرضه لن تزيحه المدرعات أو المجنزرات أو القذائف الإسرائيلية او إرهاب الحكومة اليمينية المتطرفة التي لا تعرف سوى لغة الدم عن الدفاع عن أرضه.
رسائل الاشقاء الفلسطينيين العائدين للقطاع تجعلك تتوقف كثيرا أمام الشخصية الفلسطينية الحقيقية من الصامدين، فهم يقبلون تراب فلسطين فى معبر رفح رغم أنهم يعلمون أن قدومهم إلى المجهول.
رسائل الشكر التي وجهها العديد منهم إلى مصر، كانت رسائل محبة وامتنان لما قدمته الدولة المصرية للشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية والذي تعتبره الدولة المصرية واجبا تجاه قضيتها المركزية وشعبنا الفلسطيني الصامد.
الوجوه الباسمة من العائدين حملت رسائل قوة يمتلكها أبناء الشعب الفلسطيني.
مفاتيح الديار التي أشار بها البعض وهو يغادر معبر رفح باتجاه العودة إلى غزة تؤكد أن صمودهم إيمان راسخ لن يتزعزع ولن يستطيع أحد أن ينتزعه من صدورهم فهم باقون على أرضهم ما بقيت الدنيا.
إنهم أصحاب الأرض الحقيقيون، أما المعتدى فهو ليس إلا محتل غاصب لا بد له يوما أن يرحل وتعود الأرض لأصحابها.
لقد كانت وصية إحدى السيدات العائدات إلى غزة عبر معبر رفح قائلة «محدش يطلع من غزة وانهارت بالبكاء وهي تردد لا للتهجير …» بمثابة النداء الذي سمعه الغزيون واصفة التضييق الصهيوني على العائدين بأنها حرب من نوع جديد، لإجبارنا على عدم العودة وقالت «البقاء فى غزة ـ رغم الدمار ـ أهون من الغربة القسرية».
لكن عودة فتح معبر رفح من الجانبين قد يكون بمثابة بوابة لتخفيف الآلام عن المرضى والجرحى والمصابين لتلقى العلاج وهو ما تحرص الدولة المصرية على تقديمة من خلال الهلال الأحمر المصري ومنظمات المجتمع المدني، وكافة المؤسسات الصحية بالدولة المصرية.