صالون الرأي
جلد الذات .. لماذا ؟ (2)
By m kamalفبراير 05, 2026, 13:26 م
324
توقفت حرب الهزيمة فى الخامس من يونيو 1967 بعد أيام ستة من اندلاعها، كما وصفتها إسرائيل – بحرب الأيام الستة – نتج عن هذه الحرب المشؤومة احتلال إسرائيل للقدس والضفة الغربية – على جبهتها مع الأردن _ ومرتفعات الجولان على – جبهتها مع سوريا – وكل شبه جزيرة سيناء ما عدا مدينة بور توفيق الواقعة شرق قناة السويس المقابلة لبورسعيد – على جبهتها مع مصر.. انسحبت قواتنا من شبه جزيرة سيناء من دون أن تقاتل بصورة عملية بعد أن صدرت لها أوامر عشوائية من المشير عبد الحكيم عامر فانسحبت دون أى خطط للانسحاب وخسرنا الكثير من البشر ومن العدة والعتاد، كما أوضحنا سابقًا.. بعد اليوم السادس من الحرب تمكنت القيادة الجديدة لجيشنا من حشد القليل جدًا من قواتنا على الجبهة وقبل أن يمضى شهر يونيو أصدرت القيادة العسكرية الجديدة بعض التوجيهات، التى بلورت فيها عقيدة جيشنا العسكرية الجديدة.. هذه العقيدة.. كانت تنص على إيمانها المطلق بقوة العزيمة وصلابة المحارب المصرى وقدراته، التى لا حدود لها على القتال معتمدًا على الضبط والربط وسمو أخلاقى مع روح قتالية عالية دفاعًا عن الأرض والعرض؛ لاسترجاع كامل أراضينا المحتلة.. بناءً على العقيدة الجديدة أصبح غير مسموح لقواتنا بالانسحاب أو أى ارتداد لأى فرد من الجيش المصرى أو سحب أى عدة أو عتاد من خطوطنا الدفاعية على شاطئ القناة..
لذلك لن يُصْدر من القائد العام أو أى قائد آخر أى أمر بالانسحاب أو الارتداد بل سنموت جميعا فى مواقعنا الدفاعية على الجبهة لكى نحمى أرض مصر الطاهرة.. عقيدة عسكرية كهذه كانت تصحيحا – لابد منه – لما كان سائدًا منذ العدوان الثلاثى على مصر فى عام 1956، التى كانت تسمح بارتداد الجيش فى أوقات الحرب على أن تتولى السياسة تصحيح ما يلزم.. قواتنا المصرية بعد انتهاء الحرب وعلى امتداد الجبهة التى تزيد على 190 كيلو مترًا بذلت قصارى جهودها فى تنظيم دفاعاتها بما تيسّر لها من إمكانيات محدودة.. بعد خسارة معظم عتادها ومعداتها فى شبه جزيرة سيناء؛ لأن الانسحاب العشوائى لقواتنا لم يدع فرصة لجيشنا لكى يدمر معداته أو على الأقل يعطبها قبل أن تقع فى أيدى العدو.. كل ما كان على شط القناة فى ذلك الوقت كان لا يزيد على مائة دبابة إلى جانب حوالى 150 مدفعًا.. بعد ذلك قام الاتحاد السوفيتى بتنفيذ بعض صفقات أسلحة قديمة مع مصر ومع نهاية عام 1967 أى بعد ما يقارب السبع شهور من نهاية الحرب..
استعادت قواتنا كفاءتها القتالية إلى ما يقارب 50% من قدراتها العسكرية قبل حرب يونيو.. وعلى مدار عام 1967 انعقد مؤتمر القمة العربى الشهير فى الخرطوم بالسودان.. هو واحد من أهم مؤتمرات القمة العربية – من وجهة نظرنا – حيث أصدر لاءاته الثلاث الشهيرة ، لا سلام، ولا صلح ولا اعتراف بإسرائيل.. وفيه أيضا قررت الدول العربية المنتجة للبترول الاستمرار فى بيع نفطها لأمريكا وللغرب.. من حصيلة البيع تدفع تعويضات للخسائر التى لحقت بدول المواجهة الثلاث مصر وسوريا والأردن.. كان من المُقرر أن يكون نصيب مصر 120 مليون دولار لكن الأردن اشتكت من أن المبلغ المقرر لها لا يكفى.. فتنازل عبد الناصر حينها عن 20 مليون دولار من نصيب مصر فى الدعم العربى.. الذى كان تعويضًا عن وقف الملاحة بقناة السويس..
لكن فى نظرنا.. النتيجة الأهم لهذه القمة كان فى التصالح بين مصر والسعودية أو بين عبد الناصر والملك فيصل رحمهما الله.. على إثر هذا التّصالح صدر قرار بسحب قواتنا من اليمن لكى تمارس دورها الأصيل فى الدفاع عن تراب الوطن على جبهة قناة السويس.. على امتداد حرب الاستنزاف بذل عبد الناصر، ووزير حربيته الفريق فوزي، ورئيس أركان الجيش الشهيد البطل عبد المنعم رياض وقاده كل الأفرع الرئيسية بالجيش قصارى جهودهم لإقناع السوفييت بضرورة تزويد مصر بأسلحة متطورة بدلا من القديمة.. التى كانت من مخلفات الحرب العالمية الثانية..
ذكريات هذه الفترة أثبتت أن القادة المصريين كانوا يركزون فى اجتماعاتهم مع نظرائهم السوفييت على مقارنات موضوعية وعملية بين أسلحة العدو وإمكانياته المتوفرة لديه بالفعل وبين ما كان يزودنا به الاتحاد السوفيتى من أسلحة، حيث كان بها قصور حين المواجهة مع أسلحة العدو المتطورة.. فمثلا مقاتلات ميج 15 وميج 17 قصيرة المدى وخفيفة التسليح.. لم يكن بمقدورها مواجهة طائرات الميراج فرنسية الصنع والسوبر ماستير بريطانية الصنع وسكاى هوك، بعدها الفانتوم وكلتاهما أمريكية الصنع.. أيضا كان من غير الممكن أن تتصدى الدبابات السوفيتية القديمة من طراز ت 24، التى كانت من مخلفات الحرب العالمية الثانية لدبابات إسرائيل المصنعة حديثا (حينها) من طرازى شيرمان وسنتوريوم، بالإضافة إلى أن إمكانياتنا فى منظومة الدفاع الجوى والإنذار المبكر كانت على حد كبير متخلفة مقارنة بما لدى إسرائيل من هذه المنظومات.. استمرت حرب الاستنزاف إلى حوالى منتصف عام 1970 حين قبل عبد الناصر مبادرة وزير خارجية أمريكا حينها ويليام روجرز، التى قضت بوقف إطلاق النار من كلتا الجبهتين لمدة شهور ستة.. كانت معارك حرب الاستنزاف شاقة وهائلة وكانت بطولات جيشنا فى المعارك لا يجب غض النظر عنها وإهالة التراب عليها وعلى شخوصها وأبطالها.. كان على رأسهم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر كما يحاول البعض حاليا.
وللحديث بقية