رمضان كريم وكل عام وأنتم بخير
اعتدنا أن نلتقى فى الشهر المبارك كل عام مع روحانيات رمضانية نتوقف فيها عند بعض السور والآيات وقصص الأنبياء والرسل، وفى هذا العام شعرت بمجموعة من الكلمات المعبرة الجامعة القاطعة تطن فى أُذني وكأنها ترشدنى للتوقف عندها بالذكر والشرح والتوضيح..
ومنها (غفرانك.. وعفوك.. ورحمتك.. وسترك.. ورضوانك) وهكذا حتى نصل لقمة القدرة الإلهية فى كلمة «سبحانك».
وهى كلمات إن رأيتها أو سمعتها أو نطقت بها، فما عليك سوى أن تغلق فمك وعينيك وتسرح بفكرك فى ملكوت السماء والأرض، وهذه الهندسة الربانية التى جفت معها الأقلام ورفعت معها الصحف!
وكلمة سبحان الله.. تعنى القدرة والكمال والتنزيه عن كل عيب ونفى كل نقصان، وهى من فعل التسبيح للواحد الأحد الفرد الصمد.. الذى ليس له كفوا أحد.
وقد نطق بها الملائكة والرسل والأنبياء والمؤمنون الطامعون فى رضاه أو المنتظرون عفوه.
وهؤلاء هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات وهداهم ربهم، ومن ثم أدخلهم جنته، حيث تجرى الأنهار من تحتهم، ويدعون ربهم بالتسبيح والسلام، ويحمدون الله على ما أنعم به عليهم (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) سورة يونس
وقد ذكرت كلمة سبحانك فى القرآن فى سورة البقرة على لسان الملائكة المنزهين عن العصيان، عندما أخبرهم ربهم بأنه مرسل خليفة له على الأرض، فسارعوا بالاستفسار، أترسل من يفسد فيها ويسفك الدماء، بينما نحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟
فكان جوابه.. إنى أعلم ما لا تعلمون، وبعد أن علم آدم – الذى خلقه من طين – الأسماء كلها، عرضها على الملائكة وطلب منهم أن يحددوا أسماء من عرضهم عليهم، فلم يستطيعوا، حيث هو الخالق القادر العليم، وإنما سارعوا بما يشبه الاستغفار وطلب العفو والسماح، بقولهم «سبحانك» لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، ثم طلب من آدم أن يخبرهم بأسمائهم ليتذكروا ما أخبرهم به من قبل أنه يعلم الغيب وما فى السموات والأرض، وما يظهرونه وما يخفون!
أليس هو الخالق.. الذى يعلم ما فى الصدور!
qqq
وهذا نبى الله ورسوله ذو النون – صاحب الحوت – مناشدًا ربه لإنقاذه من الظلمات الثلاث، ظلمة بطن الحوت، وقاع البحر وظلام الليل، مستغفرا ومعتذرًا بأنه كان من الظالمين !
لقد دعا نبى الله يونس قومه للهداية والإيمان بالله سبحانه وتعالى، ولكنهم لم يستمعوا له ولم يطيعوه، فغضب عليهم وغادرهم على إحدى السفن، التى تلاعبت بها الأمواج وكادت أن تغرق لثقل حمولتها، فقرروا التضحية به لعلهم ينجون، فالتقمه الحوت، ووجد نفسه فى بطنه وتكاد عصارة معدته أن تكسر عظامه، فنادى ربه وهو يعلم قدرته التى لا حدود لها، طالبًا عفوه ورضاه ونجاته مما هو فيه (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِى الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) سورة الأنبياء
فاستجاب الله لدعائه وقبل اعتذاره، ونجاه من الغم الذى كان فيه.
qqq
وتكررت أيضًا مع سيدنا موسى – كليم الله – الذى نجاه من العديد من المواقف والمحن، وناداه وهو فى الوادى المقدس طوى، وأظهر له معجزاته وقدرته، وأرسله وأخاه إلى فرعون ليسمح لهما باصطحاب بنى إسرائيل من مصر والعودة بهم إلى فلسطين أرض أجدادهم من آل يعقوب، فقد طلب – بعد كل ذلك – أن يرى وجه الله، فحذره الله بعدم استطاعته، وأمام إصراره طلب منه أن ينظر إلى الجبل، فإذا استقر مكانه فسوف يراه، ولكن عندما تجلى الله للجبل وليس لموسى، جعله دكا وصعق موسى مما رآه، كيف لهذا الجبل الضخم أن ينهار بتلك السرعة الرهيبة؟! وبعدما أفاق سارعا بالقول «سبحانك» وأعلن توبته وأنه أول المؤمنين بقدرته.
أليس هو القادر على كل شىء!
هنا أخبره الله بما فعله معه، حيث اصطفاه على الناس واتخذه نبيا ورسولا وأنزل عليه الألواح فيها الموعظة والحكمة والتفصيل لكل شىء، فيما موسى.. خذت ما أعطيناك وكن من الشاكرين (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) سورة الأعراف
qqq
ثم جاء الامتحان الأكبر لسيدنا عيسى الذى وصف الله والدته فى سورة التحريم بالتى أحسنت فرجها، وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين، فنفخ الله من روحه فحملت بعسى نبى الله (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ).
ولذلك كانت دهشة واستغراب نبى الله عيسى كبيرة عندما سأله ربه، كيف يا عيسى أن تقول للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله؟! فكان جوابه كلمة واحدة «سبحانك» وهى كلمة جامعة قاطعة تفيد قدرة الله وعلمه بكل شىء، وأيضًا اندهاش نبى الله عيسى ومفاجآته بالسؤال، وذلك سرعان – تأدبًا – ما استدرك بالتوضيح وكأنها «حيثيات» النطق الأولى «سبحانك» بما يعنى أنه ليس من حقه أن يقول للناس إلا ما أمره الله أن يقوله لهم.
ثم يواصل التوضيح بقوله: يا ربى أنت تعلم ما فى الصدور فإن كنت قلت هذا الكلام، فأنت أول من يعلم به، فكيف تسألنى وأنت تعلم ما يدور فى رأسى ولا أعلم ما تعلمه، يارب أنت علام الغيوب، وقد قلت لهم أعبدوا الله ربى وربكم، حيث قدم نفسه فى العبودية عنهم، وكنت أنت شهيدًا عليهم حتى توفيتنى فكنت أنت أعلم بما يفعلونه!
يارب أن تعذبهم فهم عبادك، وأن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، فأنت الخالق والقادر على كل شىء، وبعد انتهاء نبى الله عيسى من جوابه ودفاعه ومرافعته أخبره الله بالنتيجة، وعفوه عنه ورضاءه عليه، وأن ما حدث كان مجرد اختبار صغير، وثبت الصدق الذى ينفع الصادقين وجزاؤهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها، يتحصنون برضاء الله وهو الفوز العظيم.
ونختم سورة الأنبياء بآية جامعة قاطعة (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
qqq
سبحانك يا الله وما أعظم شأنك يارب العرش العظيم، وبحق هذا القرآن الكريم وهذا الشهر المبارك اجعلنا من الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون فى خلق السموات والأرض، سبحانك نعترف ونقر إنك ما خلقت هذا باطلا، ياربنا قنا عذاب النار، فأنت الغفور الرحيم، وسعت رحمتك كل شىء، وامتد كرمك لجميع مخلوقاتك سبحانك أنت القائل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون)، فاعفو عنا واغفر لنا.







