https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

ملاحظات على دراما رمضان (2)

234

اإلى حد كبير استردت الدراما المصرية جودتها في النصف الثاني من رمضان بأعمال مميزة مثل “حكاية نرجس” و”عرض وطلب” و” فرصة أخيرة”، ليضاف ذلك إلى عملين جيدين جدا في النصف الأول من رمضان وهما “صحاب الأرض” و” عين سحرية”.
من مكاسب الدراما أيضا أسماء مثل عمار صبري ومحمود عزت في مجال الكتابة، ومايا زكي وسامح علاء وعمرو موسى في مجال الإخراج، وعمر حسام في مجال التصوير، وإسناد بطولات مستحقة للموهوبين الكبار باسم سمرة وخالد كمال وحمزة العيلي و محمد حاتم.
ونستكمل ما بدأناه من ملاحظات على بعض ما شاهدت من دراما رمضان .

ثلاثة مسلسلات فى النصف الثانى من رمضان كانت الأفضل :”حكاية نرجس” و” عرض وطلب” و “فرصة أخيرة “.
جمع بين هذه المسلسلات عناصر مشتركة :
١- كتابة جيدة تبدأ مباشرة من ذروة الصراع، وفى قلب الحكاية، دون ثرثرة أو مقدمات طويلة.
٢- رسم جيد للشخصيات المحورية بالذات، وتحديد دوافع قوية لها، تفسر سلوكها بشكل واضح.
٣- الصراع محدّد وقوى ومؤثر، ويعمل فى أربعة اتجاهات متكاملة : التشويق، دفع الأحداث دوما إلى الأمام، تعقيد الحبكة وتقاطع الخطوط، وتعميق فهمنا للشخصيات، لأننا لا نعرف الشخصيات إلا عبر أفعالها، والدراما ببساطة هى “أفعال مستمرة ومترابطة فى إطار فكرة ومعنى “.
٤- عناصر تقنية وفنية جيدة، وبراعة فى اختيار الكاست، وأداء الممثلين الرفيع فى الأعمال الثلاثة.
وكل ذلك من عناصر الدراما الناضجة عموما .

الست نرجس

اختيار موفق وعظيم لريهام عبد الغفور فى دور نرجس فى حلقات “حكاية نرجس” كسرت الممثلة الموهوبة قناع البراءة الطبيعى الذى يميز وجهها، تستخدمه فقط عند اللزوم للإقناع بخطتها، أو لكسب ثقة الآخر. وفى لمح البصر تختفى البراءة كأن لم تكن، ويتغير التعبير إلى الانفعال الشرس، تحت وطأة إحساسها بالقهر والمهانة والرغبة فى الرد والانتقام، وعندما تسرق الطفل الرضيع، يمتزج الخوف والحذر بحنان أنثى حرمت إلى الأبد من الأمومة .
من المستحيل أن يتحقق ذلك إلا بأمرين: إحساس قوى وعميق بمشاعر الشخصية، وقدرة مرنة وسريعة على ترجمة هذا الإحساس إلى تعبير.
ريهام فى شخصية الست نرجس قدمت أهم وأصعب أدوارها على الإطلاق.

حمزة العيلي

شخصية عونى فى “حكاية نرجس”، وبأداء المتفرد حمزة العيلي، ستعيش طويلا فى ذاكرة المسلسلات التلفزيونية، وستصبح فى رأيى “نموذجا دراميا”، تماما مثل نرجس، ومثل العديد من شخصيات الدراما المصرية الشهيرة، والعابرة للأجيال.
كان العيلى دوما ممثلا متميزا على تنوع أدواره، ولكن عونى يحتاج الى أداء استثنائي، لأنه عدة شخصيات فى شخصية واحدة، إحساس عميق بالمحبة وبالعجز وبالأبوة المفقودة حد الشعور بالنقص والهوان، ومشاعر معقدة ومتقلبة تجاه زوجته، وشقيقه وأسرته، طيبة وهدوء يخفيان قلقا وبركانا داخليا، وبساطة ممتنعة تخفى عالما من الشجن والأسى والخذلان .
المشخصاتى البارع لا يفلت تعبيرا أو إحساسا، ولا ينزلق إلى مساحات متوقعة من المبالغة، وهذا هو مفتاح الأداء الصعب: شخصية عادية جدا من الخارج، ولكنها ليست كذلك من الداخل، يوهمك بأنه لا يعاني، وأنه ليس هناك أصلا، حتى تجيء لحظة ينفجر فيها التعبير بميزان ممثل كبير.
من النادر أن تكتب الشخصيات بمثل هذا الثراء الإنساني، يصدق ذلك على عوني، مثلما يصدق على كل شخصيات المسلسل .
والحكاية كلها، لو تأملت، عن الإنسان من الداخل، الإنسان ككائن معقد للغاية، والحكاية أيضا عن اختطاف الحلم والأمل والمعنى، واختطاف القيمة والمكانة ، وليست فقط عن سرقة واختطاف الأطفال.

عودة رحمة

لم أستغرب أداء رحمة أحمد الرائع فى حلقات “عرض وطلب” لدور خيرية الممرضة بكل تفاصيلها، لأن رأيى كان دوما أن رحمة ممثلة ممتازة، وأثبتت ذلك بعيدا عن شخصية مربوحة التى جلبت لها الشهرة .
رأيى أيضا أن موهبة رحمة تتجاوز مربوحة بكثير، وأنها أبعد ما تكون عن مبالغات الفارص، اذ تنتمى إلى مدرسة الأداء البسيط الصادق، بملامحها المصرية العادية، وبقدرتها على الانتقال بين الانفعالات والتعبيرات، من الجدية والمأساة إلى خفة الدم الطبيعية.
عندنا مشكلة كبيرة وهى تنميط المواهب إذا قدموا دورا حقق لهم الشهرة، وأنا سعيد جدا لأن رحمة أحمد أفلتت من هذه المصيدة بأدوار مميزة مثل دوريها فى “٨٠ باكو” وفى “عرض وطلب”.

موهبة كبيرة

ومن العجائب أن يكون لدينا ممثل مدهش مثل محمد حاتم ولا تستفيد منه الدراما فى بطولات كثيرة، وفى أدوار متنوعة يستحقها. بينما أتعثر فى المسلسلات فى وجوه أنساها شكلا وأداء بمجرد أن تختفى من المشهد.
تأمل أداء محمد حاتم لدور ثابت فى “عرض وطلب”: نظراته الحزينة، تلوين مستوى الصوت على قدر الانفعال بالضبط وبميزان حساس، سلاسة الانتقال من تعبير إلى آخر، انضباط لغة الجسد مع الموقف دون مبالغات حركية زائدة يغرى بها الانفعال.
هكذا بالضبط يجب أن يكون أداء الممثل: إحساس بالموقف والمعنى والحوار وتعبير عنهم بأبسط طريقة.
يستحق محمد حاتم دوما مكانة دائمة فى بطولات الأعمال الدرامية الهامة.

إجادة

أصعب شيء أن تجد مفتاحا لشخصية شريرة بعد أن قدمت الدراما السينمائية والتليفزيونية طوفانا وألوانا من تلك الشخصيات، ومن خلال أسطوات فن التشخيص. لكن طارق لطفى وجد مفتاحا لشخصية بدر أباظة فى حلقات “فرصة أخيرة ” جعلته مختلفا ومتفردا، بل منحته فرصة أن يقف وجها لوجه، وبكل براعة وكفاءة، أمام مشخصاتى كبير مثل محمود حميدة. مفتاح شخصية بدر فى أنه مزيج معقد من رجل الأعمال وزعيم العصابة، ومن الأب الصارم والأب الحنون، ومن الفتوة وكبير العائلة الراعى والمحافظ على كيانها. ليس شرا للشر، بل إنه فقط يترجم ثروته إلى سلطة، لا أصوات عالية، لأنه ممتليء بالثقة، ولأنه قوى وقادر، يتعامل مع الأزمة مثل صفقة يجب أن يربحها، مثل أى رجل أعمال ناجح، ثم يقوم رئيس العصابة فى داخله بتنفيذ الصفقة، بكل الوسائل والطرق. حالة تقترب جدا من نموذج “الأب الروحي” الذى ذابت لديه الخطوط بين العائلة والعصابة، وبين سلامة أخيه، وسلامة وسمعة أعماله هو. لماذا يصرخ الأقوياء إذا كانوا يمتلكون ثقة بدر أباظة ؟ ولماذا ترتعش نظراته إذا كان واثقا من قوته وقدرته؟ من أفضل أداءات الممثلين فى دراما رمضان.

اللعب مع الكبار

وهذا المسلسل من أفضل ما شاهدت شكلا ومضمونا وفكرة وبناء وتشويقا.
“عين سحرية” تأليف هشام هلال وإخراج السدير مسعود حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية.
ماذا لو اكتشف فنى تركيب الكاميرات ما هو أعمق من الصورة؟ وماذا لو رأى أعماق الفساد وتورط فى لعبة خطرة وغامضة؟
هذا هو الإطار العام البسيط للحكاية، ولكن مغزاها الأعمق فى أحوال عادل، الذى يحاول أن يكون له من اسمه نصيب، والذى يمشى على حد السيف، وهو أيضآ مثل غيره من الغلابة، ويترجم ملامح ظروفهم، والدوامة التى يعيشون فيها كل يوم، وعلى الجانب الآخر يقدم المسلسل نماذج من أهل القمة المزيفين، ليصبح الصراع مستمرا وبلا نهاية، بين الأصليين الغلابة، وبين الكبار من فئة الحيتان.

لا يكتفى المسلسل بذلك، ولكنه يطرح معنى أقوى وأخطر، إذ ينتقل الصراع من منع خطر الزوال والانسحاق، إلى رد الضربة بقسوة، رغم ضعف الأدوات والوسائل نظريا، ورغم الخطر وأثمانه الباهظة المحتملة.

ولكن ما الذى يمكن أن يخسره من تحاصره الحياة فى الزاوية وتكيل له الضربات والصفعات؟
لا شيء سوى أن يضم يديه لحماية وجهه ولتقليل آثار الضرب والصفع، ثم يضرب لو اتيحت له الفرصة، وهذا بالضبط ما سيفعله بطلنا العادى المحاصر.
يأخذنا اللعب والتلصص عبر كاميرات الحجرات، إلى التلصص على المجتمع المفتوح كله، ثم تفكيكه وتشريحه من أعلى إلى أسفل وبالعكس، غلابة وحيتان، ويتم تطوير الفكرة ببراعة من رؤية الصورة من الخارج إلى رؤية ” ما وراء الصورة” من واقع مؤلم، سواء واقع الفقر والحاجة من أسفل، أو واقع الفساد من أعلى .

هذا هو الجد المرير الذى يكمن وراء اللعبة، وهذا هو ” المواطن العادى ” وقد عاد إلينا فى تنويعة جديدة، وفى اختبار معقد وصعب. وإذا كان تحالف حسن بهنسى بهلول مع صديقه على الزهار فى فيلم ” اللعب مع الكبار” يكتفى بالكشف والابلاغ والحلم، فإن تحالف المواطن عادل و ورفيقه عم زكى يحاول أن يضرب ويسحق فى كل الاتجاهات، وينتقل تدريجيا من الخاص إلى العام، ومن التطهير الفردى إلى تطهير المجتمع، ولكن فى إطار الممكن والمتاح.

سبب قوة الدراما فى أنها لعبة جديدة متعددة المستويات والأوجه مع الكبار ، وبتحالف شعبى خالص.
ومع هذا الثنائى البارع عصام عمر وباسم سمرة، وبتلك المساحات الفارغة فى كادرات كثيرة، وكأن كاميرا المسلسل نفسها صارت أيضا عينا سحرية متلصصة، وبايقاع جيد ومناسب، نرى المجتمع بالعمق دون ثرثرة أو ضجيج، ونكتشف تدريجيا ما وراء الصور والشاشات .

تألق شريف

قدّم شريف منير دورا متميزا فى حلقات “رأس الأفعي” من كتابة هانى سرحان وإخراج محمد بكير، والمأخوذة عن وقائع وأحداث وحوادث حقيقية، عشنا وشهدنا بعض تفاصيلها.
الدور مفاجأة من عدة وجوه، أولها تجسيد شريف لشخصية حقيقية، لها صور وتسجيلات فيديو، هى محمود عزت الرجل الغامض والمؤثر فى الجماعة المحظورة، والشخصيات الواقعية مغامرة محفوفة بالخطر، بسبب المقارنة الشكلية، أو نتيجة طبيعة الشخصية التى وقفت راء أحداث العنف والإرهاب، مما يحتاج الى دراسة وفهما عميقا لتكوين الشخصية المتطرفة، بحيث تقدم دون مبالغة أو تهوين، شكلا ومضمونا.
نجح شريف فى ذلك نجاحا باهرا، سواء بالمحافظة على السمات الشكلية، أو الحركية، لرجل طاعن فى السن، ولكنه يمتلك طاقة على العمل، يعتمد أكثر على نظرات العيون، والصوت الهاديء العميق، ولا ينفعل إلا عندما يشعر بالخطر، أو عندما ينازعه البعض السلطة والقيادة.
بدا عزت بأداء شريف المدهش مثل جزء من تاريخ انتهى، ولكنه مازال يتشبه بالقيادة، و يحتكر القرار، ولا يقبل إلا بالسمع والطاعة، بينما هو فعليا خارج الزمن، وأبعد ما يكون عن التقدير السليم، ماكر وصارم، ولكن إدارته لا تخلو من غرور كاذب.
الشخصية تؤمن بالعنف منذ شبابها، وحياتها فى الظل جعلتها مثل زعيم عصابة مطارد، وشريف يترجم كل ذلك بحرفة ممثل كبير فى أحد أفضل أدواره.

مفاجأة روان

حتى قبل إشارة بيتر ميمى إلى صعوبة اختيارها، كانت روان الغابة ممتازة ولافتة جدا فى دور الضابطة الإسرائيلية فى حلقات “صحاب الأرض”.
تصوّرت فى البداية أنها ممثلة أردنية أو فلسطينية، ولكنى عرفت أنها ممثلة ومخرجة مصرية. اشتركت فى مسلسلات وأعمال سابقة، أشهرها دورها فى مسلسل ” بنت اسمها ذات”، حيث لعبت دور ابنة ذات (نيللى كريم)
اختيار رائع فعلا، وشبه كبير مع هيئة وشكل متحدثة جيش العار ، ولكن الأهم هو تجسيد روان للكراهية والرغبة فى الانتقام والصلف وكأنها صفات ولدت بها الشخصية ، ولا شك عندى أن سبب غضب متحدثة العار أنها رأت نفسها من الداخل، وليس من الخارج، بفضل اختيار بيتر، وبأداء روان الاستثنائي.
ما أستغربه ألا تكون روان بموهبتها حاضرة دوما فى أدوار كثيرة مناسبة تستحقها عن جدارة، بينما ندور ونلف مع عدد محدود من الوجوه المقررة والمكررة فى معظم المسلسلات؟!

ذو الوجهين

خالد كمال فى دور أنور فى حلقات “حد أقصى” يقدم ببراعة وجهين لنفس الشخصية: رجل عاشق رقيق ابن بلد مطحون، ثم نكتشف أنه خائن وجشع وشرس عند اللزوم .
لا يفلت منه تعبير أو يهرب منه إحساس، وثنائى أنور بأداء خالد، وصباح بأداء روجينا من أفضل ثنائيات رمضان هذا العام، الاثنان على نفس الموجة والاحتراف، التعبير بالوجه، بنبرة الصوت، بلغة الجسد، والبساطة حاضرة بعيدا عن المبالغة، كلها عناصر منحت المسلسل كله حيوية الواقع وتأثيره.
كان خالد كمال يجعل من كل دور بطولة خاة به، مهما كان عدد مشاهده، والآن جاء وقت القيام ببطولة مسلسلات تستحق موهبته، وتفتح الأبواب لحكايات المصراوية العاديين، الذين يمثلهم خالد بامتياز.

ريتال وعمر

موهبتان رائعتان فى دورين هامين ومؤثرين فى مسلسلات رمضان، وأتوقع لهما مكانة كبيرة فى عالم الدراما، مع تطورهما فى العمر، ومع اختيار الأدوار المناسبة.

الموهبة الأولى هى ريتال عبد العزيز قى دور الابنة فى حلقات “كان يا ماكان”، وهى شخصية صعبة ومحورية، لأنها تتحمل ضريبة طلاق والديها.

المفاجأة أن ريتال تقدم الشخصية ببراعة، وفى تحولات وأمزجة متقلبة، ودون مبالغات أو تصنع، تفعل ذلك بفطرة وموهبة سليمة، وبتوجيه من المخرج كريم العدل، والأهم أنها تؤدى بقوة أمام ماجد الكدواني، الذى يستخدم تكنيكا معقدا، يجعله يبدو بسيطا وتلقائيا، وليس سهلا أبدا أن يكون أى ممثل فى مستوى هذا التكنيك، ولكن كل مشاهد ريتال مع ماجد رائعة وممتازة.

الموهبة الثانية يمثلها عمر شريف فى دور شقيق عادل فى حلقات “عين سحرية”.

الشخصية هامة ومؤثرة ومركبة، إنه متمرد ومريض بالسرقة ومتمرد وحالم بالثراء، يبدو عاديا، ولكن فى داخله ثورة وغضب، ولديه استعداد للعنف أيضت، قبل أن يراجع نفسه وتصرفاته.

ربما يعبر عن معنى كل ذلك الوصف العامى البليغ بأنه “ولد فاقد”، والموهوب عمر شريف يفاجئنا بحضوره وبراعته فى أداء دور هو النقيض من دور الطفل المسؤول، والذى تعتمد عليه أمه فى رعاية أخوته فى حلقات “تحت الوصاية”.
أتمنى أن تجد هاتين الموهبتين الكبيرتين أدوارا كثيرة مناسبة فى قادم الأيام .
أم عادل
على كثرة أدوار الأم فى المسلسلات، يبدو أداء سما ابراهيم البارع لدور أم عادل فى حلقات “عين سحرية ” من أفضل أدوارها، ومن أفضل ما شاهدت فى دراما رمضان.
من الصعب أن نتخيل أن هذه الممثلة التى لعبت دور عمّة الكبير أوى بفوضاها ومساخرها، هى نفسها التى تترجم الغلب الإنسانى ماشيا على قدمين، بل وكأن أم عادل قد صارت عنوانا على كثيرات نراهن فى كل مكان، يعملن فى صمت، ولا يشعر بهن أحد، حتى تسقطن من المرض.
مشاهد كثيرة مميزة لها، منها مثلا مشهد اهانتها وطردها من المصنع : تدخل سعيدة متحمسة، ثم يعبر وجهها بسلاسة عن الصدمة والحزن والألم والخيبة، وكل منها تعبير مختلف، ثم يزول كل ذلك ليظهر الانكسار المهين على الوجه الطيب الحنون.
تفعل سما ذلك بكل هدوء، ودون لحظة انفعال زائدة، أو ليست فى مكانها، وكأنها تمتلك ترمومترا داخليا يضبط لها درجة الأداء.
أم عادل ليست هامشا، ولكنها الوتد الذى يقاوم السقوط، ضحكتها طيبة، وثورتها فى مكانها، الجسد عليل، والروح تقاوم، والحياة لا تمنحها هدنة أو استراحة، فلمت رحلت أبكت وأحزنت الجميع.
هذه الشخصية ببصمة سماء ابراهيم من أفضل الشخصيات المساعدة التى شاهدتها فى مسلسلات رمضان.
بصمة علاء
كان دوما ممثلا مميزا مهما كانت الأدوار التى يقدمها، ولكن دور شهاب الصفطاوى فى حلقات “عين سحرية” منح محمد علاء فرصة أخرى للتألق، وإثبات قدراته كممثل كبير حقا.

مشكلة هذه الأدوار فى “الكليشيه”، أى اللجوء الى سمات مكررة ومعتادة فى الأداء، مع مساحة معتبرة من المبالغة الصوتية، وفى تعبيرات الوجه، وفى حركة الجسد، ولكن علاء يفعل العكس تماما، ليس من باب المخالفة، ولكن من باب دراسة الشخصية، فهذا محام ماكر، تعود على ضبط مشاعره، واستخدام الأقنعة، والسيطرة على انفعالاته، وهو لاعب محترف وسط الكبار، كل تصرف محسوب، يضاف إلى ذلك أنه يريد اكتشاف حدود الاختراق داخل مكتبه، مما يتطلب الصبر والهدوء . دور المخرج السدير مسعود أساسى بالتأكيد فى هذا التناول للشخصية، ولكن محمد علاء عند حسن الظن حضورا وأداء وترجمة مرهفة للحالات المختلفة، مشهده مثلا مع زكى ( باسم سمرة ) لتكليفه بقضية وإعادة كارنيه النقابة يترجم لحظات سيطرة وقوة، ومشهده لاستجواب عادل (عصام عمر) حول ملابسات عمله يترجم لحظات شك ومكر وغضب دفين، ومشهده فى سؤال شقيق عادل يترجم لحظات استرخاء وسعادة باستعادة زمام المبادرة، بعد أن فهم أخيرا أبعاد الحكاية.
أثبت علاء من جديد أن الأدوار ليست بعدد المشاهد، ولكن ببصمة الممثلين فى أدائها.