https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

صفحتان مهمتان في الحياة الاجتماعية والصحافة المصرية

1949

كان شُيخ الصحفيين الراحل مصطفى أمين يقول إن أهم صفحة فى الصحافة المصرية هى صفحة الوفيات، وكان ينصح الصحفيين فى «أخبار اليوم» بضرورة الحرص على قراءتها يوميًا، باعتبار أن النعى المنشور يتضمن أسماء ووظائف وألقاب الأقارب والأصهار، ومن ثم يمكن التعرّف على شبكة العلاقات الاجتماعية ومن خلالها يمكن كشُف الارتباط بين أطراف هذه الشبكة وبين توزيع وتناول المناصب والنفوذ.
المفارقة هى أن هذه الصفحة التى نصح مصطفى أمين صحفيىّ أخبار اليوم بقراءتها كانت فى جريدة الأهرام.. المنافس الأكبر له، ولقد التزمت أجيال الصحفيين الذين عاصروه وتتلمذوا فى مدرسته الصحفية بهذه النصيحة، بل إن قراءتها صارت تقليدًا راسخًا لديهم ونقله عنه وعنهم أجيال لاحقة حتى وقت قريبا بعد أن تواترت نصيحة مصطفى أمين بين الصحفيين المصريين فى كل الصحف المصرية.
والحقيقة أن صفحة الوفيات بجريدة الأهرام استمدت أهميتها التاريخية التى ترسّخت عبر عشرات السنين من عراقة الجريدة ذاتها ثم باعتبارها الجريدة التى كانت شديدة الرصانة، والتى كانت النُخب من السياسيين والأدباء والمثقفين حريصة على قراءتها يوميًا، ومن ثم فقد كانت هذه النُخب وكبرى العائلات ومعها الطبقة الأرستقراطية تنشر نعى من يتوفى من أبنائها فى «الأهرام»، حتى صارت الجريدة المصرية التى تحتكر صفحة الوفيات.
وبمرور السنين ومع التحولات الطبقية والاجتماعية التى طرأت على المجتمع المصرى.. امتدت العدوى إلى طبقات وفئات كثيرة ارتقت فى السلم الاجتماعى، وقلدّوا العائلات الكبيرة فى نشر نعى موتاهم فى «الأهرام» حتى ضاقت صفحة الوفيات بالأنعية، وصارت صفحتين وأحيانًا ثلاثة.
ثم ظهر تقليد آخر أضيف إلى الصفحة وهو المشاطرة التى يتقدم بها الأصدقاء والمعارف والمسئولون لعائلة المتوفى، والتى تتسع مساحتها أحيانًا كنوع من المبالغة فى المجاملة خاصة بين رجال الأعمال، غير أن بعض هذه المشاطرات تعكس مظهرًا من مظاهر التضامن الاجتماعى وأحيانًا كثيرة النفاق السياسى عندما تكون المشاطرة لمسئول كبير من مرءوسيه أو أصحاب – المصالح مثلما حدث فى واقعة شهيرة عكست هذا النفاق الفج عندما امتلأت صفحة الوفيات بالأهرام بمشاطرات من (طوب الأرض) لأحد الوزراء فى وفاة (عمة سيادته)، والمفارقة هى أن هذا الوزير عندما مات لم ينعه أحد من أولئك المشاطرين فى وفاة عمته!
وعن صفحة وفيات الأهرام ورغم طبيعتها الحزينة فإن ثمة واقعة طريفة ونادرة، إذ ظل الصحفيون يتداولون قصة ذلك النعى الذى جاء فى آخر سطوره وبعد عبارة أسكنه الله فسيح جناته عبارة (إن وجد له مكان)، والجملة الأخيرة كتبها سكرتير تحرير الجريدة (السهران) الذى تلقى توصية بنشر النعى الذى وصل فى اللحظات الأخيرة قبل الطبع، حيث كانت تأشيرته موافقة على النشر إذا كان فى الصفحة متسع لنشره، ولم يلتفت عامل المطبعة إلى هذه التأشيرة وتم جمع حروفها وطبعها فى آخر النعى، إلى أن تم حذفها فى الطبعة الثانية.
وفى السنوات الأخيرة تضاءل الإقبال على نشر النعى فى صفحة وفيات الأهرام حتى تقلصت فى بعض الأحيان إلى نصف صفحة فقط، وليس سرًا أن السبب هو التطور التكنولوجى، وحيث انتقل النعى إلى «النت» وصفحات التواصل الاجتماعى، ومع ذلك لاتزال كثير من العائلات حريصة على نشر نعى موتاهم فى الأهرام حتى الآن، بل لقد طرأ تطور نوعى وجديد.. تزايد مؤخرًا وهو نشر النعى فى مساحة كبيرة ما بين ربع ونصف صفحة وأحيانًا فى صفحة كاملة فى مسلك يعكس مبالغة فى المظهرية والتفاخر.
ثم إنه من الملاحظ أنه رغم تخصيص صحف أخرى مساحات للوفيات إلا أنها لم تستطع منافسة الأهرام ولاتزال صفحة الوفيات بها هى الأهم حتى الآن.
وعن صفحة وفيات الأهرام التى كان أنيس منصور يتحدث عنها مازحًا ويقول إن من لم ينشر نعيه فى الأهرام فإنه لم يمت.. إلى صفحة الأفراح فى مجلة أكتوبر والتى كان يستدرك مازحًا أيضًا بأن من لم تنشر صورة زواجه فيها فإنه لم يتزوج فى إشارة إلى الأهمية التى اكتسبتها هذه الصفحة فى الحياة الاجتماعية المصرية فى ذلك الوقت من منتصف السبعينيات.
صفحة الأفراح التى تحدث عنها أنيس منصور كانت ضمن باب الاجتماعيات (ناس وناس) فى مجلة أكتوبر التى أسسها عام 1976.. كانت أجمل «وأشيك» صفحة أفراح فى كل الصحف المصرية، أما أهميتها فقد استمدتها من مكانة المجلة ذاتها والتى كانت أهم مجلة سياسية عربية فى العالم العربى، وهو الأمر الذى دفع القراء وحتى كبار السياسيين والمسئولين إلى التسابق إلى نشر صور زواج أبنائهم بها.
ومن النوادر التى مازال جيل مؤسسى مجلة أكتوبر يذكرونها حتى الآن هى تلك الواقعة الطريفة التى أكدت أهمية هذه الصفحة وأهمية المجلة ذاتها، فقد جاء شاب وفتاة إلى الأستاذ أنيس منصور لتقديم الشكر له وللمجلة لأنها كانت سببًا فى عودة العلاقات بينهما واستكمال زواجهما، فقد حدث أن صورة الخطبة نشرت متأخرة وبعد أن فسخا الخطبة، فلما شاهدا الصورة منشورة فى المجلة عاودهما الحنين مرة أخرى وقررًا العودة واستئناف الخطبة وإكمال الزواج، وكانت صفحة أفراح أكتوبر سببًا فى ذلك الحدث السعيد.
وتبقى صفحة وفيات «الأهرام» تاريخيًا وصفحة أفراح «أكتوبر» حديثًا.. من أهم وأكثر الصفحات المقروءة من جانب فريق كبير من القراء، ورغم أنهما لا يستهلكان أى جهد صحفى تحريرى، إلا أنهما صفحتان مهمتان فى الحياة الاجتماعية المصرية.
وما بين أحزان الموت وأفراح الزواج.. تبقى هاتان الصفحتين تعبيرًا عن حكمة الموت وفلسفة الحياة. n