“ما يحدث فى أيام قد يفوق ما يحدث فى سنوات”.. عبارة نسبها البعض إلى أدولف هتلر ، والبعض الآخر نسبها إلى لينين ، لكن لم يثبت بدقة نسبها إلى أي من الطرفين؛ لتبقى معبرة عن مراحل مهمة فى عمر الشعوب والدول، فقد تشهد أيام وأسابيع قليلة تغيرات وأحداث تؤثر على شكل ومشهد منطقة بأكملها ، لم تشهد مثلها على مدى سنوات.
ففى الوقت الذى تلملم فيه 2025 أوراقها الأخيرة راحلة، تحمل معها العديد من الأحداث والألم، والتغيرات الجيوسياسية فى المنطقة وعلى مستوى العالم، تاركة آثارها وندوبها ، وأجزاء من جراحها ممتدة فى عام 2026، يلوح فى الأفق أن العام القادم سيشهد متغيرات كبرى على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري، والجيواستراتيجى، ليصبح بمثابة ميلاد مرحلة جديدة تحمل أحداثا سلبية لدى البعض وإيجابية لدى البعض الآخر ، فى ظل صراع القوى الكبرى، ومحاولة إعادة تقسيم مناطق النفوذ وفق رؤية مغايرة تمامًا عما بنيت عليه عملية التقسيم فى التاسع عشر.

المشهد الذى بدت بشائره نهاية القرن العشرين وأوائل القرن الحادى والعشرين، بات ينذر بمخاض جديد له وفق رؤية تنفيذ تعتمد بشكل أكبر على تدمير” الدولة الوطنية”، التى كان مهندسو المشهد من قبل يطلقون عليها الدولة القومية فى مرحلة إعادة تفتيت الإمبراطوريات، من أجل إحكام السيطرة والنفوذ.
المحتوى الزائف والمنشور على المنصات مستهدفا القوات المسلحة لم يبث صدفة، ولم يكن توقيته عاديا، كما لم يكن وليد اللحظة.
(1)
هنا لا بد أن نتوقف قليلا قبل أن نفند تفاصيل ما يحدث خلال الفترة الأخيرة أو بالتحديد السنوات الخمس الأخيرة كي نقف على حقيقة المشهد الحالي ونتعرف على ما يعد للمنطقة وليس لمصر وحدها خلال الفترة المقبلة؛ فإذا لم تدرك الشعوب حقيقة ذلك وتظل إرادتها هي الصخرة الصلبة المحافظة على تماسك الدولة الوطنية، فستشهد المنطقة أكبر عملية إعادة تشكيل جديدة تعيد خرائط حدود الدم للواجهة.
الإعداد للمشهد الحالي بدأ قبل عقدين تقريبا ومر بمراحل عدة كُشفت أوراقه وتفاصيل تقاطعاته أحيانا؛ فجعل منفذيه يبحثون عن خطط بديلة من أجل تحقيق الهدف وهو ما سنتعرض له تفصيلا.
فقد ثبت أن الدول الوطنية أو القومية، أصبحت حجر عثرة أمام المنهجية الجديدة المستهدفة لإعادة السيطرة على الشعوب.
بات النظام العالمي يحتاج إلى دول هشة يمكن السيطرة عليها وفرض نفوذه فى الوقت المناسب الذي يتطلب ذلك.
من هنا كان التحرك نحو ما سمى بشرق أوسط جديد من أجل تفكيك تلك المنطقة وإعادة رسم خريطتها، وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بداية لتفكيك المنطقة عندما سقطت أول دولة وطنية فى الشرق الأوسط عقب حرب ألبستها واشنطن لباس الشرعية تحت مسمى الحرب على الإرهاب، فاحتلت العراق، لتدخله فى فوضى لم تنتهِ آثارها بعد.
ثم جهزت بقية دول المنطقة بعيدا عن الآلة العسكرية بشكل أكثر هدوءًا من خلال تدريب العناصر على العنف ولأول مرة أطلق فى 2006 مصطلح حرب اللاعنف، إنها حرب من نوع جديد استهدفت تدمير الدول من الداخل بأيدي الشعوب.
وتم مواصلة العمل على إضعاف الدول فظهر نموذج الدولة الفاشلة، وتم العمل عليه بقوة ليدفع بالمشهد فى 2011 باتجاه إسقاط 6 دول فى المنطقة.
وتسقط 5 دول وتنجو واحدة (مصر)، رغم التكاليف الباهظة التي تكبدتها اقتصاديا، فقد انهار الاحتياطي النقدي من 36 مليار دولار فى يناير 2011 ليصل الى 13.6 مليار دولار فى يناير 2013 لتفقد مصر خلال عامين فقط أكثر من 63% من حجم الاحتياطي النقدي الأجنبي.
واستطاعت بعض الدول أن تعبر تلك المرحلة الصعبة بشكل متباين بقوة مؤسساتها المركزية، من هنا كان التحرك الجديد.
فالمشهد قبل 2011 كان يستهدف إسقاط الأمن الداخلي لإحداث الفوضى وتغرق الدول فى التشرذم عقب ذلك، وهو ما فشل تنفيذه فى مصر، خاصة فى ظل وجود قوة صلبة، قوة لا تحركها أيدولوجيات أو انتماءات سياسية أو حزبية أو عقائدية أو قبلية، لكن المحرك الأساسي لديها هو الحفاظ على الدولة الوطنية وهو ما جعلها قادرة على الحفاظ على الدولة فى الأوقات الصعبة لأنها مؤمنة بأن تلك هي مهمتها المقدسة؛ إنها القوات المسلحة المصرية.
لقد بات وجود الدولة الوطنية والحفاظ عليها لا يتوافق مع مصالح رأس المال العالمي المتحوّل الذي بات أكثر عولمة، وأكثر حاجة إلى كيانات مرنة وقابلة للاختراق السياسي والاقتصادي.
فالدول الوطنية بعقليتها وحفاظها على حدودها ومقدراتها تعد عائقا أمام المشروع الجديد، الذي يدفع نحو نماذج جديدة تتجاوز النموذج القومي لنماذج أكثر ليبرالية وانفتاحاً ومرونة على شاكلة دول أصغر من الموجودة حاليا، نماذج يسهل السيطرة عليها، بزعم الحفاظ على الاستقرار؛ بعد أن صدر واضعو تلك الخريطة الجديدة المسمومة أن الدول بوضعها الحالي وحدودها الحالية هي أحد أسباب استمرار النزاعات وتولد الصراعات وعدم الاستقرار.
فبدلاً من انكفاء هؤلاء المخططين على وضع رؤية لبناء دول قوية، يجري اليوم تشجيع الانقسامات الأهلية والطائفية والإثنية، وإعادة توزيع السلطة بما يسمح بإنتاج كيانات سياسية ضعيفة، قابلة للاختراق، ومنسجمة مع تدفّقات رأس المال العالمي بهدف السيطرة عليها عند الحاجة.

من الواضح أن ما يُطرح اليوم فى الشرق الأوسط ليس نظاماً جديداً بالمعنى التاريخي، بل إطارًا وظيفيًا لإدارة المناطق الساخنة، وصناعة أنظمة محلية مرنة، والتأسيس لجيوسياسية قابلة للتعديل كلّما تطلّبت مصالح رأس المال العالمي ذلك، وما يؤكّد هذه الحقيقة هو أنّ جميع المشاريع المطروحة اليوم من قبل الدول المؤثّرة فى وعى المنطقة (سواء اتّخذت شكل كيانات قومية جديدة، أو نظم لا مركزية، أو ترتيبات أمنية) هي مشاريع لا تستند إلى احتياجات الشعوب، بل إلى ما يخدم مصالح القوى الكبرى وحدها، مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير ومشروع الفوضى الخلّاقة الأمريكي، والشرق الأوسط الجديد، ويليها مشروع صفقة القرن – اتفاقية ابراهام الإسرائيلي، ومشروع الميثاق الملّي- العثمانية الجديدة التركي، والهلال الشيعي الإيراني، ومشروع الإسلام السياسي السلفي.
(2)
خلال السنوات الخمس الأخيرة كانت منهجية تشويه مشروع الحفاظ على الدول الوطنية ليس مسار فقط بل عقيدة ثابتة لدى قوى الشر لتدمير الدول الوطنية فى المنطقة، حتى لا تكون كيانات قوية فى مواجهة خطط التفكيك.
تم العمل من خلال التأثير على العقول لدى الشباب فى ظل سيطرة أجيال ( Z وألفا) على المشهد؛ وهى الأجيال المرتبطة بشكل كبير بالتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي وهى أجيال تعتمد على الثورة الرقمية، وتناصب الأحزاب السياسية العداء، وتتجاوز الأيديولوجيات، كما أن جزءا منها ليس بالقليل لا يؤمن بالدولة الوطنية.
واستغل مخططو المشروع الجديد هذه الثغرة لإضعاف الدول الوطنية من الداخل وتحويلها إلى كيانات صغيرة يسهل السيطرة عليها، وقد كانت المغرب نموذجا فى 2025 على كيفية إدارة الشارع ضد الأنظمة من خلال جيل يعتمد على الثورة الرقمية.
ويكون الهدف الظاهر هو المطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية ثم سرعان ما تتسرب عناصر إلى المشهد تدفع به إلى مسار تدمير الممتلكات العامة والخاصة وإشعال الفوضى والتغطية على مشهد الهدم الداخلي ليتم المطالبة بإسقاط الأنظمة.
ولأن المشهد المعد للمنطقة تُجرى عمليات التجهيز للدفع به إلى السطح خلال هذه الفترة، من أجل أن تحصل إسرائيل على مبتغاها، فتصبح القوة الأكبر فى المنطقة والذى بدأت علامات مخاضه عقب 7 أكتوبر 2023، وما تلاها من عمليات تدمير كامل لقطاع غزة بدعوى ملاحقة حماس، ثم قطع أذرع إيران، ثم التوسع فى الأراضي السورية لتحتل إسرائيل مناطق استراتيجية (جبل الشيخ) بالإضافة للجولان ويعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، الخميس الماضي، أن قواته لن تترك جبل الشيخ فى سوريا والموافقة على إنشاء 19 مستوطنة جديدة فى الضفة الغربية المحتلة .
فى الوقت ذاته كانت هناك عمليات محكمة تدور رحاها على السوشيال ميديا لخلق حالة من الوعي الجمعي ترسم بدقة، ودون أن يدرك المتلقي أنه وقع فى الفخ وهي الحروب الأقل تكلفة والأكثر فتكا.
فقد بلغت تكلفة الحرب الأخيرة منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى الآن 112 مليار دولار أنفقتها إسرائيل وقامت واشنطن خلالها بتقديم دعم عسكري
لتل أبيب بلغ 22 مليار دولار.
هذه الأرقام الضخمة جعلت من حرب السيطرة على العقول مسارًا يجرى استخدامه بقوة لتنفيذ عملية إعادة إنتاج الفوضى فى الشرق الأوسط من جديد، فتنشر السلبيات وتقدم على أنها حقائق مدعومة بنماذج رسمت باحترافية وتقدم كوثائق لكسب مزيد من المصداقية لدى المتلقي.
واقعة تداول صورة زائفة لوثيقة منسوبة للقوات المسلحة ليس مجرد واقعة عادية، خاصة أن عملية استهداف تشويه صورة القوات المسلحة هو هدف منذ أن استطاعت أن تقف كحجر عثرة أكثر من مرة أمام عملية استكمال مشروع تفكيك المنطقة، فواجهت مخطط الفوضى الأمنية فى مصر ولم تسمح بسقوط الدولة فى أصعب مراحلها الاقتصادية خلال الفترة من 2011 وحتى 2013 وتدخلت القوات المسلحة بضخ ما يقارب من 9 مليارات دولار كانت وديعة لدى البنك المركزي من حرب الخليج لصالح الخزانة العامة.
كما نجحت القوات المسلحة فى مواجهة الإرهاب وهو أحد أدوات قوى الشر الأقل تكلفة والأكثر تأثيرا فى تفكيك الدول من الداخل.
الأمر الذي جعل من القوات المسلحة المصرية هدفا للكتائب الإلكترونية لقوى الشر على السوشيال ميديا.
لقد تم استخدام حسابات زائفة لعناصر بالخارج، بعض تلك الحسابات أُعدت قبل 5 سنوات، والبعض الآخر أُعد خلال العامين الماضيين، منها ما ظهر مقدما نفسه داعما للقوات المسلحة ثم سرعان ما كشف عن وجهه القبيح فى تلك الواقعة، وآخرون أطلقوا على أنفسهم منصات تحقق فى دقة المعلومات وهى فى الحقيقة منصات لنشر المحتوى الكاذب، منها ما يسمى “صحيح مصر” و”حزب تكنوقراط مصر” والأخير هو أحد الكيانات الجديدة، التى لم يمضِ على إنشائها سوى عامين وكانت فى حالة كمون كامل حتى شهدت نشاطا ملحوظا لنشر الأكاذيب والترويج لها ضد الدولة المصرية ومؤسساتها وتقديم صورة غير دقيقة عنها.
مجموعات العمل الإلكترونية لا تتوقف لحظة، لإعادة إنتاج المشهد القديم من جديد؛ مشهد الفوضى فى المنطقة عبر تغذية حالة الغضب الشعبي وتزييف الواقع وإشعال الانقسامات الداخلية لكي يتم التمكن من الوصول للهدف المنشود، تحويل المنطقة إلى دويلات صغيرة تكون الغلبة فيها لصالح إسرائيل وسط عملية سقوط ممنهجة للدول الوطنية وهو ما تحذر منه مصر وتؤكد ضرورة الحفاظ على الدول الوطنية فى مواجهة أى محاولات لتقسيم الدول أو تدمير مؤسساتها.




