في لحظات التاريخ الفارقة، لا تُقاس قوة الدول وقدرتها على البقاء بعدد رؤوسها النووية أو بحجم ترسانتها العسكرية فحسب، بل بقدرة قيادتها على «قراءة المسكوت عنه» في دفاتر القوى الكبرى، واتخاذ قرار جريء يقلب الطاولة قبل أن تشتعل النيران وتأتي على الأخضر واليابس، ما نتابعه اليوم من حراك مكوكي تقوده مصر، ليس مجرد «تكتيك دبلوماسي» عابر أو مناورة سياسية محدودة، بل هو إعلان صريح ومدوٍ عن نهاية عصر «الوكالة» وبداية عصر «الأصالة العربية» في إدارة أزمات الشرق الأوسط المعقدة.
لقد سئمت المنطقة العربية، من مشرقها إلى مغربها، من كونها «ساحة مفتوحة لتصفية حسابات» القوى الدولية، أو مجرد «محطة وقود» لمشاريع جيوسياسية كبرى لا ترى في إنسان هذه الأرض وفي مقدرات شعوبها سوى حطب لحرائقها الممتدة، إن الصبر الاستراتيجي العربي قد نفد تجاه حلول واشنطن المعلبة التي أثبتت فشلها، وتجاه أوهام نتنياهو الذي يقتات سياسياً وعسكرياً على تمزيق الجار بجاره وإشعال الفتن الطائفية والعرقية.
التحرك العربي، والذى تقوده القاهرة والرياض، لم يأتِ من فراغ أو نتيجة صدفة عارضة، بل جاء ليرسل رسالة واضحة وصادمة لكل عواصم القرار العالمى مفادها: «أمن البيت الإقليمى يقرره أهله، وحلولنا تنبع من مصالحنا الوطنية لا من إملاءات الخارج»، ولن نسمح باستدراج المنطقة بأسرها إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، حرب مصممة لتلتهم الميزانيات وتقتل أحلام التنمية وتدمر البنية التحتية التى بُنيت بجهد ودماء.
وكعادتها، وفى القلب من هذه التحركات، تبرز مصر كـ «حجر الزاوية» وضمانة الاستقرار وحائط الصد الأول والأخير، والكلمة التى ألقاها السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى عبر «الفيديو كونفرانس» أمام القادة الأوروبيين لم تكن مجرد خطاب بروتوكولي، بل كانت «روشتة إنقاذ» وطنية وقومية واضحة المعالم، فحين يشدد الرئيس السيسي، ومن خلفه ثقل الدولة المصرية بمؤسساتها العريقة، على أن الأمن القومى العربى «كتلة واحدة لا تتجزأ»، فإنه يضع الخطوط الحمراء العريضة أمام أى محاولة، سواء كانت إيرانية أو إسرائيلية أو دولية، لتفكيك وحدة الموقف العربى أو الاستفراد بدولة دون أخرى.
إن القاهرة والرياض تنسقان «درعاً دبلوماسياً وأمنياً» يحمى المنطقة من جنون التصعيد الذى يقوده اليمين المتطرف فى إسرائيل، والموقف المصرى والسعودى الموحد، الذى يرفض بشكل قاطع استخدام الأراضى أو الأجواء العربية منطلقاً لأى عدوان على طهران، ليس دفاعاً عن الأيديولوجيا الإيرانية، بل هو دفاع استراتيجى عن «الجغرافيا العربية» التى ستكون أول من يحترق بشظايا أى مواجهة كبرى، نحن أمام محاولة «لجم» حقيقية لنتنياهو الذى يسعى يائساً لجر واشنطن – خاصة مع عودة ترامب – إلى مواجهة شاملة ومدمرة يخرج منها هو الرابح الوحيد سياسياً، بينما تغرق العواصم العربية فى دوامات الفوضى والدمار.
لا يمكننا، ونحن نقرأ هذا المشهد المعقد، أن نغرق فى وردية مفرطة أو تفاؤل ساذج، فالمخاطر ما زالت قائمة والكمائن منصوبة فى كل زاوية، والكواليس الاستخباراتية تشير إلى أن طهران، عبر قيادتها الجديدة المتمثلة فى مجتبى خامنئي، تحاول اللعب على أوتار التفرقة داخل البيت الخليجي، حين ترحب إيران بالتحركات السعودية وتبدى مرونة تجاه الرياض، بينما تضع الإمارات فى خانة الاستهداف أو التهديد، فهى تمارس سياسة «فرق تسد» القديمة المتجددة.
وهنا يأتى الدور المصرى والسعودى الحاسم والمشترك لرفض هذا «الفخ المخابراتي» بوضوح، إن أمن الخليج العربى هو وحدة عضوية لا تقبل القسمة على اثنين، واستثناء أبو ظبى أو المنامة أو أى عاصمة عربية من مظلة التهدئة والضمانات الأمنية هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً فى عُرف القاهرة والرياض، الرسالة العربية الصارمة لمرشد إيران الجديد كانت حازمة: «لن نكون خنجراً فى يد ترامب أو نتنياهو لضربكم، ولن نسمح بسقوط إيران فى فخ التمزق الذى سيؤذينا جميعاً، لكننا فى المقابل لن نسمح أبداً بأن تكون أراضينا أو أشقاؤنا هدفاً لمغامراتكم الإقليمية أو أذرعكم المسلحة».
ومن تابع الظهور الأخير للفريق أحمد وصفي، قائد الجيش الثانى الميدانى الأسبق، واستمع الى حديثه سيرى أنه وضع يده على الجرح حين تحدث عن ضرورة تشكيل «المربع الأمنى والاقتصادي» الذى يضم (مصر – السعودية – تركيا – إيران)، هذا المحور الرباعي، رغم كل ما بين أطرافه من تناقضات تاريخية وأيديولوجية، يمثل اليوم القوة الوحيدة القادرة على إيقاف «قطار التقسيم» الذى يسعى لتحويل المنطقة إلى «فسيفساء» من الدويلات العرقية والطائفية .
إن الولايات المتحدة، كما يخبرنا التاريخ وكما أكد الفريق وصفي، لا تهاجم أبداً الكيانات المتكاملة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، هى تبحث دائماً عن «الثغرات»وعن الدول المنهكة بالحصار والنزاعات الداخلية، ومن هنا تكمن العبقرية فى الرؤية المصرية السعودية الحالية، فهى تسعى لبناء «تكامل مصالح» يمنع القوى الكبرى من إيجاد ثغرة تنفذ منها لتدمير المنطقة، إن التحرك نحو بناء جبهة أمنية ومخابراتية واقتصادية بين هذه القوى الإقليمية الكبرى ليس خياراً دبلوماسياً، بل هو «طوق نجاة» لمنع وصول النيران إلى نقطة اللاعودة حيث لا ينفع الندم.
نحن اليوم أمام ثلاثة سيناريوهات السيناريو الأول هو «اتفاق الضرورة»، والذى فيه نجاح الضغط المصرى السعودى المشترك على واشنطن لوقف آلة الحرب، مقابل تعهد إيرانى ملموس بوقف التصعيد وتجميد الطموحات النووية مؤقتاً، وهو ما سيمثل الضربة القاضية لمشروع نتنياهو التوسعي، وسيناريو «فخ التفكيك»، وهو أن تنجح القوى الخارجية فى إحداث شرخ بين العواصم العربية، مما يسمح بالاستفراد ببعض الدول وضرب استقرارها الاقتصادي، وهو السيناريو الذى تعمل القاهرة والرياض ليل نهار على إحباطه، أما السيناريو الثالث فهو سيناريو «الدرع العربى المشترك»، وهو الطموح الأكبر، بأن يكون هذا التقارب بداية لتدشين قوة عربية إقليمية تفرض «قواعد لعبة» جديدة، تجبر إسرائيل وإيران معاً على احترام السيادة العربية والالتزام بالقانون الدولي.
صديقى القارئ «العربي» .. إن ما يحدث اليوم فى كواليس القاهرة والرياض، وما سمعناه من الرئيس السيسى فى اجتماعه مع القادة الأوروبيين، هو تعبير أصيل عن «صحوة عربية» متزنة وعاقلة ولكنها «مشرطية» فى حسمها، نحن لا نبحث عن عداء مجانى مع أى طرف، ولكننا فى الوقت ذاته لم نعد نقبل، ولن نقبل، بدور «التابع» الذى ينتظر الأوامر من وراء البحار.
لقد أثبتت التجربة القاسية أن الاعتماد على الوعود الخارجية فى لحظات الأزمات الوجودية هو نوع من الانتحار السياسي، إن اتفاق الضرورة بين الرياض وطهران، والوساطة المصرية الرصينة التى تبرر «رد الفعل» أحياناً لمنع «الانفجار الشامل»، والرفض القاطع للمساس بسيادة أى شبر من الأرض العربية، كلها مؤشرات تبشر بولادة واقع إقليمى جديد.
إن إسرائيل تريدنا أن نكون «حطب حريق»، وأمريكا تريدنا مجرد «محطات وقود» وممرات تجارية، لكن القيادة فى مصر والسعودية قررت أن نكون نحن «أصحاب القرار والسيادة» ، الحل ليس فى الانجرار خلف صراعات مذهبية طائفية عفى عليها الزمن، بل فى بناء «كتلة حرجة» تفرض احترامها على العالم.
ويبقى السؤال هنا.. هل سيرضخ ترامب فى النهاية لمنطق العقل والواقعية الذى تفرضه القاهرة والرياض؟ أم أن جنون نتنياهو سيسعى لحرق هذه التفاهمات؟.. الأيام المقبلة ستحمل الجواب يقيناً، لكن الأكيد والثابت أن «حجر الزاوية» العربى قد وُضع، وأن حكمة القاهرة والرياض هى الصخرة الصلبة التى ستتحطم عليها، بإذن الله، كل أحلام الفوضى والدمار والتقسيم.
حفظ الله الجيش.. حفظ الله الوطن




