داليا كامل
مع اتساع نطاق الحرب الأمريكية على إيران، وبعد الإعلان عن تأييده لقيام القوات الكردية الإيرانية بمهاجمة الجمهورية الإسلامية عاد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ليعلن أن الولايات المتحدة لا ترغب فى إشراك القوات الكردية المسلحة فى الحرب مع إيران، مناقضًا بذلك تقارير صحفية تحدثت عن جهود لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سى آى إيه)، لتسليح الأكراد على أمل «إشعال انتفاضة»، ما أثار التساؤلات حول دواعي تغير موقف الإدارة الأمريكية.
الرئيس الأمريكى ترامب، قال فى تصريحات صحفية: «لا نتطلع إلى مشاركة الأكراد، علاقتنا بهم ودية للغاية، كما تعلمون، لكننا لا نريد تعقيد الحرب أكثر مما هى عليه بالفعل».
وكانت وسائل إعلام أمريكية، ذكرت أن ترامب أصبح منفتحا على دعم بعض الفصائل الكردية الإيرانية المتمركزة فى شمال العراق من أجل تحويلها إلى قوات برية تساعد الولايات المتحدة وإسرائيل على إزاحة النظام الإيرانى.
وفى هذا السياق، نقلت شبكة «سى إن إن»، عن مصادر، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية تعمل على «إشعال انتفاضة» فى إيران عبر تسليح القوات الكردية الإيرانية، وأن إدارة ترامب أجرت محادثات مع جماعات المعارضة الإيرانية والقيادات الكردية فى العراق بشأن تقديم الدعم العسكرى لها.
وأوضحت «سى إن إن»، أن أى خطة لتسليح هذه الجماعات ستتطلب تعاون الأكراد العراقيين للسماح بمرور الأسلحة واستخدام كردستان العراق كقاعدة انطلاق.
بدورها، ردّت إيران على هذه الأنباء بتنفيذ غارات جوية على مواقع الجماعات الكردية داخل كردستان العراق، محذرة ما وصفتها بـ «الجماعات الانفصالية» من الانخراط فى الصراع.
يأتى ذلك فى الوقت الذى نفت إيران وأحزاب كردية التقارير الإعلامية التى تحدثت عن عبور آلاف المسلحين الأكراد من إقليم كردستان العراق إلى داخل الأراضى الإيرانية بهدف شن هجوم برى.
ويُقدر عدد الأكراد فى إيران من 8 إلى 10 ملايين نسمة (حوالى 10 بالمئة من السكان)، يتركزون بشكل رئيسى فى مناطق جبلية غرب وشمال غرب البلاد، ومعظمهم من المسلمين السُنة، ويشكلون ثالث أكبر مجموعة عرقية فى إيران، ولهم تاريخ طويل من الاحتجاجات والمطالبة بالحقوق والحكم الذاتى.
ويمتلك أكراد إيران العديد من الأحزاب القومية، وقد أعلنت ستة أحزاب منها، خلال الشهر الماضى، تشكيل ائتلاف سياسى يهدف إلى الإطاحة بالنظام الإيرانى وضمان حق الأكراد فى تقرير مصيرهم.
ويستضيف إقليم كردستان العراق المتمتّع بحكم ذاتى منذ عام 1991، معسكرات وقواعد خلفية لهذه الأحزاب والتى شنت إيران عليها ضربات متكررة فى السنوات الأخيرة، متّهمةً إياها بتنفيذ هجمات داخل أراضيها وبخدمة مصالح إسرائيل ودول غربية.
الجماعات الكردية يُنظر إليها بوصفها الأكثر تنظيما بين المعارضة الإيرانية المنقسمة، إذ يُعتقد أن لديها آلاف المقاتلين المدربين على طول الحدود العراقية الإيرانية، وتحديداً فى إقليم كردستان العراق، وقد أصدرت عدة جماعات بيانات منذ بداية الحرب تلمح إلى تحرك محتمل وتحث الأكراد داخل الجيش الإيرانى على الانشقاق.
ومع ذلك، ذكرت «سى إن إن»، أن حصول هذه الجماعات على دعم من أكراد العراق يبقى أمرا غير محسوم، فقد نفت القيادة السياسية لكردستان العراق علنا وجود أى خطة لإرسال مقاتلين أو التدخل فى إيران، على الرغم من التقارير التى تفيد بوجود ضغوط خارجية لدفعها نحو ذلك.
وأشار مصدر لشبكة الأخبار الأمريكية، إلى أن تقييمات الاستخبارات الأمريكية تُؤكد باستمرار أن الأكراد الإيرانيين لا يملكون حالياً النفوذ أو الموارد اللازمة لإطلاق انتفاضة ناجحة ضد الحكومة، كما أن الأحزاب الكردية الإيرانية تسعى للحصول على ضمانات سياسية من إدارة ترامب قبل الانخراط فى أى تحرك عسكرى.
ويرى مراقبون، أن تصريحات ترامب الأخيرة الرافضة لإشراك الأكراد فى الحرب، تعكس فى الغالب عدم التوصل إلى تفاهمات مع القيادات الكردية التى تريد ضمانات واضحة قبل الدخول فى مواجهة مع طهران.
وأفاد تقرير لوكالة «رويترز»، أن أكراد شمال شرق سوريا حذروا نظرائهم الإيرانيين من التحالف مع الولايات المتحدة ضد الحكومة الإيرانية، مستشهدين بتجربتهم الخاصة فى سوريا.
وتحالف المقاتلون الأكراد فى سوريا مع الولايات المتحدة قبل أكثر من عقد لمحاربة تنظيم «داعش»، وأقاموا إدارة شبه ذاتية فى المناطق التى انتزعوا السيطرة عليها من التنظيم.
لكن فى يناير الماضى، بسط الجيش السورى الجديد فى ظل حكم الرئيس أحمد الشرع سيطرته على معظم تلك المناطق بعد هجوم واسع النطاق، بينما اكتفت واشنطن بدعوة الأكراد للاندماج مع قوات الحكومة السورية، الأمر الذى اعتبره الأكراد تخليا عنهم.
وقال مصدر كردى إيرانى، إن القيادات الكردية تخشى التعرض «للخيانة» نفسها، مضيفا أنهم طلبوا ضمانات من الولايات المتحدة، دون أن يحدد طبيعتها.
إلى جانب هذه المخاوف الكردية، يؤكد مراقبون أن واشطن نفسها لديها مخاوف يجب أخذها فى الاعتبار قبل أن تدعم الأكراد الإيرانيين أو أى جماعة عرقية إيرانية أخرى.
فى السياق ذاته، أكد الكاتب الصحفى مارك تشامبيون، فى مقال بموقع «بلومبيرج»، أن دخول الأكراد فى القتال قد يحول الصراع إلى حرب طويلة ومعقدة قد يصعب احتواؤها، مشيرا إلى أن إسقاط الأنظمة نادراً ما يتحقق بالقوة الجوية وحدها، بل يعتمد غالباً على تمرد محلى على الأرض، كما حدث فى ليبيا عام 2011 حيث سقط النظام، لكنه لفت إلى أن البلاد ظلت غارقة فى الفوضى حتى اليوم.
ويرى تشامبيون، أن هذا الخيار يحمل مخاطر إضافية، إذ سيواجه المقاتلون الأكراد تضاريس جبلية صعبة فى جبال زاجروس، ما قد يجعل تقدمهم بطيئاً ومحدود التأثير.
وخلص المقال، إلى أن إشراك الجماعات الكردية فى الحرب قد يخدم بعض الحسابات الاستراتيجية، لكنه قد يؤدى فى المقابل إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار فى الشرق الأوسط تمتد آثارها إلى دول الجوار وأسواق الطاقة العالمية، وهو ما قد لا يكون فى مصلحة الولايات المتحدة نفسها.
من جهة أخرى، نقلت «بى بى سى»، عن خبراء قولهم، إن دعم مجموعات مسلّحة من الأقليات العرقية فى إيران، يحمل تداعيات خطيرة ليس فقط على الداخل الإيرانى، بل على دول الجوار أيضا، نظرا لحساسية ملف الأكراد فى العراق وتركيا وسوريا.
وأشارت «بى بى سى»، إلى ما يساور تركيا من قلق خاص إزاء ما يتم تداوله عن هذه الخطط الأمريكية، وأنها قد تلجأ إلى تدخل عسكرى كما فعلت سابقاً فى شمال سوريا لمواجهة النفوذ المتزايد للجماعات الكردية المسلحة.
أما «وول ستريت جورنال»، فقد حذرت فى مقال لمجلس تحرير الصحيفة، من أن أكبر المخاطر التى تكتنف تجييش الأكراد لمواجهة النظام فى إيران هو إمكانية استغلال هذا النظام للنزعة القومية لدى الإيرانيين، لتعبئة الرأى العام ضد ما قد يصور على أنه محاولة خارجية لتقسيم البلاد، خصوصا أن العرقية الفارسية تشكل نحو نصف سكان البلاد.
كما حذرت الصحيفة من أن أى صراع كردى مع طهران قد ينعكس سلبا على استقرار إقليم كردستان شمال العراق الذى تربطه علاقات طيبة مع تركيا، ومن شأن الحديث عن توسيع الدولة الكردية أن يهدد تلك العلاقات.





