د. نسرين مصطفى
سيظل التاريخ يذكر للرئيس الراحل أنور السادات براعته ورؤيته المستقبلية عندما نص البند الثانى من المادة السابعة فى اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل “إذا لم يتيسر حل الخلافات عن طريق المفاوضة فتحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم”، والتي لولاها لنقضت إسرائيل المعاهدة، بل واستمرت فى غيها وممارساتها العدوانية.
من هنا جاء استرداد مصر لطابا أو العلامة 91، التي نطقت بانتمائها لمصر، بعد معركة دبلوماسية شاقة أثبتت عمق وعبقرية الدبلوماسية المصرية، وقدرتها الفائقة على حسم النزاعات بنفس القوة والكفاءة التى حسمت بها مصر الحرب لصالحها فى أكتوبر 73.. وفى هذا الملف أسرار وتفاصيل معركة استرداد طابا من براثن العدو الإسرائيلى.
لم تكن استعادة طابا مجرد استرجاع لقطعة أرض على خريطة الوطن، بل ملحمة دبلوماسية كشفت عن قوة وعبقرية السياسة الخارجية المصرية وقدرتها على إدارة أعقد المعارك القانونية والسياسية فى التاريخ الحديث، ففي واحدة من أهم المواجهات الدبلوماسية على الساحة الدولية، أثبتت مصر أن الحقوق لا تُسترد بالقوة العسكرية فقط، بل بالعقل الاستراتيجي، والحجة القانونية، والقدرة على توظيف أدوات الدبلوماسية العالمية بكفاءة واقتدار.
بإصرار لا يعرف التراجع، نجحت مصر فى تحويل القضية من خلاف سياسي إلى قضية قانونية حسمها الدليل والبرهان، حتى جاء اليوم الذي عاد فيه الحق إلى أصحابه، وارتفع العلم المصري عاليًا فوق أرض طابا ليعلن انتصار الإرادة الوطنية ونجاح الدبلوماسية المصرية فى تحقيق هدفها دون إطلاق رصاصة واحدة.
دارت مناقشات حامية داخل الهيئة حول النهج الذي ينبغي اتباعه فى كتابة المذكرة، وانقسمت استراتيجية الفريق المصري إلى قسمين، وكانت وجهة نظر الفريق الأول «عدم إخراج كل ما فى الجراب»، وقد دعم وجهة نظره بأن الإسرائيليين سوف يحتفظون ببعض مفاجآتهم حتى اللحظة الأخيرة، لذا فعلى المصريين أن يكونوا على استعداد لمواجهة تلك المفاجآت، وكان على هيئة الدفاع المصرية الاستعداد لذلك.
أما الفريق الثاني فقد انحاز إلى الرأي المضاد، وهو الرأي الذي تجمعت حوله غالبية أعضاء هيئة الدفاع المصرية فى النهاية، وكان فى تقدير أصحاب هذا الرأي أن اتباع ما أسموه باستراتيجية المدافع الثقيلة، والقائمة على إطلاق كل الأدلة والحجج المتوافرة على الجانب الآخر بتضمينها المذكرة الأولى.
عبقرية دبلوماسية
كانت مزايا تلك الاستراتيجية أن ما تتضمنه هذه المذكرة هو أول ما سيستقر فى ضمير المحكمين، وقد أثبتت الأحداث صحة هذا التصور، كما أن الهجوم الثقيل الذي سوف تشنه المذكرة المصرية بهذا الحشد الكبير من الأدلة والحقائق سوف يحرم الطرف الآخر من لعبته المفضلة، وهي «لعبة الحيل والمفاجآت» خلال الاستراتيجية الإسرائيلية.
كما أن تلك السياسة أحدثت خللًا فى الاستراتيجية الإسرائيلية، وظهر هذا الخلل فى المذكرة الإسرائيلية الأولى المقدمة فى مايو 1987، والمذكرة الثانية المقدمة فى أكتوبر من نفس السنة والمعروفة بالمذكرة المضادة.
وفى المقابل بذل الإسرائيليون جهدًا لكي يستقر فى ضمير المحكمة أن طابا بمجملها لم تكن موضعًا لاهتمام المصريين، لكي يستقر فى أذهانهم أنه ليس هناك ما يبرر تمسك مصر بهذا الشريط الضيق من شاطئ طابا، فركزوا على بعض العبارات التي وردت فى وثائق أزمة 1906، حيث أشار إلى أن السفير البريطاني قال إن طابا «لا قيمة لها وهي غير مأهولة»، كما اجتزأ من رسالة اللورد كرومر مقولة: “من رأيي أن الحدود تبدأ على الساحل الغربي من خليج العقبة فى مكان ما جنوب طابا”
اعتراف غير مشروط
وكان من نتائج استراتيجية المدافع الثقيلة ما جعل إسرائيل تورد فى نص مذكرتها ما نصه: «إن إسرائيل تود أن تنتهز الفرصة الحالية لتعرب عن اعترافها غير المشروط بسيادة مصر على طابا»، وهو ما يؤكد نجاح استراتيجية الدبلوماسية المصرية مقابل فشل الدبلوماسية الإسرائيلية، إذ استطاع رجال الدبلوماسية المصريون تحويل إسرائيل من موقف الهجوم إلى موقف الدفاع.
هكذا سطرت مصر صفحة مضيئة فى سجلها الوطني، مؤكدة أن الدبلوماسية المصرية ليست مجرد سياسة خارجية، بل مدرسة عريقة فى فن إدارة الأزمات وصناعة الانتصارات الهادئة، لتبقى طابا شاهدًا خالدًا على أن الحقوق قد تتأخر، لكنها لا تضيع ما دام وراءها وطن يمتلك الإرادة والعقل والاستراتيجية.
.. حين حسمت الوثائق معركة السيادة
تحولت قضية طابا إلى ساحة اختبار حقيقية للدبلوماسية المصرية، حيث خاض رجالها معركة طويلة استندت إلى استراتيجية دقيقة جمعت بين التفاوض الذكي، والعمل القانوني المتقن، وتقديم الأدلة التاريخية والخرائط والوثائق التي أثبتت الحق المصري أمام هيئة التحكيم الدولية، ولم تكن هذه المعركة مجرد دفاع عن قطعة أرض، بل كانت نموذجًا عالميًا فى كيفية إدارة النزاعات الدولية عبر القانون والشرعية الدولية.
ولم تكن تلك الاستراتيجية قائمة على التفاوض والحجج السياسية فحسب، بل استندت أيضًا إلى إعداد قانوني دقيق وحشد واسع من الأدلة التي دعمت الموقف المصري أمام هيئة التحكيم، فقد حرص الفريق المصري على تقديم ملف متكامل يضم مختلف أنواع الأدلة التي تثبت الحق التاريخي والقانوني لمصر فى طابا.
لقد تنوعت الأدلة التي بُني عليها الحكم وشملت الوثائق التاريخية والخرائط والمجسمات الطبيعية والإحداثيات الشبكية، وكتابات المعاصرين، والزيارات الميدانية إلى مناطق الخلاف، وبقايا أعمدة الحدود، وشهادات الشهود، وأشرطة فيديو.
المذكرة الأولى
فمثلا اعتمدت المذكرة الأولى على وثائق مستخرجة من دور الحفظ المصرية ودار الوثائق العامة فى لندن بمصنفاتها المتنوعة، وكذلك أوراق من إدارة المخابرات التابعة للجيش المصري، والتي كانت محفوظة فى الخرطوم، وأوراق من مكتبة الدراسات الشرقية فى درهام، وشكلت المذكرة الأولى 5 مجلدات، مجلدان منها تضمنا نص المذكرة بعدد من الصفحات بلغ 431 صفحة، والمجلدات الثلاثة الأخرى تضمنت المرفقات وبلغ عدد صفحاتها 753 صفحة.
أما المذكرة الإسرائيلية فتكونت من مجلدين، تضمن أحدهما النص بعدد 161 صفحة، والآخر المرفقات بعدد 380 صفحة، أي أنها لم يبلغ حجمها حجم المذكرة المصرية.
تقرير الكابتن أوين
من أكثر الوثائق التي قدمها المصريون هو تقرير بعث به الكابتن أوين، الضابط بمخابرات الجيش المصري والمفاوض الأول مع الأتراك فى تعليم خط الحدود، بتاريخ 3 يونيو 1906م، والمتضمن اقتراح مؤداه أن يبدأ خط الحدود على خليج العقبة عند رأس طابا، وهي النقطة التي تلتقي فيها سلسلة الجبال شمال طابا بالبحر، ومرفق به اسكتش لرسم خط الحدود، وترجع أهميته إلى وضوحه الشديد فى تحديد علامات الحدود، خاصة العلامة 91.
تقارير إدارة أقسام الحدود
وكان أحد أهم الوثائق تقارير “إدارة أقسام الحدود”، والتي تناولت طابا فى أكثر من واحد منها، بناء مركز لهذه الإدارة، والذي تضمن إقامة خط تليفوني ومد طريق يصل إلى هذه البقعة، بالإضافة إلى استراحة للموظفين، فى حين عجز الإسرائيليون عن أن يأتوا بذكر طابا ولو مرة واحدة فى تقارير “قوة بوليس فلسطين”، التي كانت مسئولة عن إدارة خط الحدود الدولي على جانبه الآخر.
شهادات صناع خط الحدود
كما تضمنت المذكرة شهادات ممن أسهموا فى صناعة خط الحدود، ومنهم مستر ويد، المساح فى مصلحة المساحة المصرية، والذي قام بمسح خط الحدود أثناء عملية تعليمه، والذي يعد أهم الشهود، وكذلك المستر جارفيس، حاكم سيناء بين عامي 1924 و1936، والمستر مس بلاودن، والتي قامت برحلتها فى سيناء فى ربيع عام 1937، والذي ورد فى مذكراتها سنواتها التي قضتها فى طابا، وأخيرًا المستر بيدنل، والذي قام برحلتين إلى سيناء: الأولى فى شتاء 1921 و1922، والثانية فى شتاء 1923 و1924، فى كتابه “برية سيناء”.
محاولات طمس الحقائق
لقد سبقت عملية التحكيم الدولي محاولات متعددة لفرض الأمر الواقع وتغيير الحقائق على الأرض، فقد شهدت المنطقة سلسلة من التحركات الإسرائيلية التي سعت إلى طمس معالم الحدود التاريخية وتثبيت ادعاءات مغايرة للواقع، فى محاولة للتأثير على مسار القضية قبل حسمها قانونيًا.
وروى الفريق كمال حسن علي، وزير الخارجية، فى شهادته خطة شارون لطمس العلامة 91، فيقول: كان على الجانب الآخر فى الجانب الإسرائيلي شارون، وزير الدفاع الإسرائيلي، والذي اقترح خلال زيارته للقاهرة أن يتفقدا خط الحدود بالهليكوبتر من رفح شمالًا حتى خليج العقبة فى الجنوب، حيث أشار شارون إلى مكان حجري منبسط على أنه نقطة طابا، فى حين لا توجد أي علامة تدل على أنها نقطة حدودية، وكان هدفه تحريك العلامة 91 إلى بطن الوادي، وهو عمل تبناه بالأساس شارون، والذي كان يريد الوصول إلى حل وسط لتسوية المسألة، واقترح شراء الفندق.
تضليل وتزوير
ومن عمليات التضليل التي قامت بها إسرائيل استبدال الخريطة الموجودة فى مصلحة المساحة الإسرائيلية، والتي كانت تضع طابا داخل الحدود المصرية، إلى خريطة معدلة لتناسب الادعاءات الإسرائيلية، بالإضافة إلى شق الطريق العريض الذي امتد على طول الشاطئ من إيلات إلى طابا، وهو الطريق الذي وصل حتى الربوة الجرانيتية، كما تم إزالة الجرف الجبلي الذي كانت مقامة عليه علامة الحدود الأخيرة المعروفة بعلامة باركر، وقد اختفت مع الجرف العلامة التي كانت قائمة عليه، كما بدأت إسرائيل فى بناء الفندق خلال فترة عمل اللجنة، وذلك لفرض الأمر الواقع على المصريين.
وفور البدء فى اتخاذ إجراءات للترسيخ للأمر الواقع، فُوجئت القوارب البحرية الإسرائيلية مرة على الأقل فى المياه التي تطل عليها المنطقة المتنازع عليها، مما يعد تأثيرًا على طبيعة السيادة فى المنطقة، ورصدت كذلك الأجهزة المصرية أربعة تحليقات للطائرات الحربية الإسرائيلية على المنطقة المتنازع عليها، وكذلك اختراقات للقوات البرية.
تغيير مواقع الأسلاك
وإمعانًا فى الترسيخ للأمر الواقع بنى الجانب الإسرائيلي رصيفًا بحريًا صغيرًا أمام الفندق ليصبح مرسى للنشات الخاصة، وبدأوا فى تغيير مواقع الأسلاك والأعمدة التي تقام فى المنطقة، كما أقاموا سلكًا شائكًا من العلامة 90 إلى البئر الواقع شرق شجر الدوم بثلاثين مترًا، ثم أقاموا سلكًا آخر متفرعًا من الأول يمر غرب شجر الدوم، وغرسوا 15 عمودًا على جانبي بوابة الحدود المصرية الإسرائيلية المؤقتة، بالإضافة إلى وضع لافتة تقع على بعد نحو 30 مترًا شرق بوابة المركز المصري، ومكتوب عليها بالعبرية والإنجليزية “خدمة عبور”.
حكمة مصرية
وفى مواجهة تلك الاستفزازات اتخذت الدبلوماسية المصرية الرد على محورين: الأول هو التحلي بالحكمة وعدم الانسياق أو الاستجابة لأي استفزازات إسرائيلية تحاول تفجير الموقف فى المنطقة وإفساد الخطط الإسرائيلية الساعية إلى جر الإسرائيليين لساحة المحكمة، والثاني إثبات احتجاجات مصر على أي انتهاكات إسرائيلية من خلال جهاز الاتصال المصري.




