https://pagead2.googlesyndication.com/pagead/js/adsbygoogle.js?client=ca-pub-5059544888338696

رابط الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية

من حكم البشير إلى الحرب الأهلية.. كيف عاد «إخوان السودان» إلى المشهد؟!

282

عمرو فاروق

يمر السودان بواحدة من أعقد اللحظات فى تاريخه الحديث، حيث تتداخل الحرب الأهلية مع صراعات النفوذ الإقليمى والدولي، وتتصارع داخل الدولة بقايا الأنظمة القديمة مع قوى تسعى إلى بناء دولة مدنية جديدة.

وفى قلب هذا المشهد المضطرب يبرز حضور جماعة الإخوان فى السودان، بوصفها أحد أهم الفاعلين التاريخيين الذين تركوا بصمتهم العميقة على الدولة السودانية منذ عقود.

 

وقد اكتسب هذا الملف زخمًا جديدًا بعد إعلان وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان فى السودان منظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص، مع نية إدراجها لاحقًا كـ”منظمة إرهابية أجنبية”، ويستند القرار الأمريكى إلى اتهامات مباشرة للجماعة باستخدام العنف ضد المدنيين، والانخراط فى الحرب الدائرة فى السودان عبر تشكيلات مسلحة مثل «لواء البراء بن مالك»، إضافة إلى تلقى بعض عناصرها دعمًا وتدريبًا من الحرس الثورى الإيرانى.

هذا التطور يعيد طرح سؤال جوهرى حول طبيعة الدور الذى تلعبه الجماعة فى المشهد السودانى الراهن، كما يفتح الباب أمام قراءة أعمق لمسارها التاريخى منذ نشأتها، وتحولاتها الفكرية والتنظيمية، وصولاً إلى مستقبلها المحتمل فى ظل التحولات الداخلية والإقليمية والدولية.

تشير المعطيات الأمريكية إلى أن جماعة الإخوان السودانية، التى تضم الحركة الإسلامية وجناحها المسلح المعروف باسم لواء البراء بن مالك، شاركت بأكثر من عشرين ألف مقاتل فى الحرب الدائرة فى السودان. وقد نفذ مقاتلوها عمليات إعدام جماعية للمدنيين فى المناطق التى سيطروا عليها، إضافة إلى إعدامات ميدانية استهدفت مدنيين على أساس العرق أو الانتماء القبلى أو الاشتباه فى دعم المعارضة.

هذه الممارسات ليست استثناءً فى تاريخ الحركة الإسلامية فى السودان، بل امتداد طبيعى لعقود من السياسات القائمة على الإقصاء الأيديولوجى والعنصري. فمنذ انقلاب عام 1989 الذى أوصل ما يطلق عليهم “الإسلاميين” إلى السلطة بقيادة الجبهة الإسلامية القومية، بدأ السودان يدخل تدريجيًا فى دائرة صراعات دموية غذتها سياسات التمييز الدينى والعرقي.

النشاط الإخواني

تعود بدايات النشاط الإخوانى فى السودان إلى أربعينيات القرن العشرين، متأثرًا بأفكار مؤسس الجماعة فى مصر حسن البنا، وقد لعب بعض الطلاب السودانيين الذين درسوا فى القاهرة، دورًا محوريًا فى نقل الفكر الإخوانى إلى المجتمع السوداني، أعقب ذلك تكوين أول أسرة إخوانية (خليّة) فى السودان مرشدها رجل اسمه على طالب الله.

وفى عام 1946 بدأ النشاط التنظيمى للجماعة بصورة واضحة، حين عاد الشاب السودانى جمال الدين السنهوري، الذى كان قريبًا من حسن البنا، إلى السودان ليؤسس نواة التنظيم هناك، وقبل ذلك بعدة أعوام أرسل مؤسس الجماعة حسن البنا، فريقًا استطلاعيًّا إلى السودان برئاسة عبد الحكيم عابدين، وطاف معظم المدن السودانية مُبشراً بالجماعة وأفكارها، وبعد سنوات قليلة، تمكنت الجماعة من إنشاء عشرات الشعب التنظيمية داخل البلاد، حتى إن حسن البنا أعلن عام 1948 أن عدد شعب الإخوان فى السودان بلغ نحو خمسين شعبة، وتم اختيار على طالب الله مراقبًا عامًا للجماعة فى السودان.

غير أن التجربة السودانية سرعان ما اكتسبت خصوصيتها التنظيمية، حيث لم يلتزم التنظيم السودانى بالكامل بالهيكل المركزى الصارم المعروف فى الجماعة الأم فى مصر، بل اتجه إلى صيغة أكثر مرونة، تمثلت فى التحالف مع تيارات دينية أخرى، بما فى ذلك بعض التيارات الصوفية والسلفية، بهدف توسيع القاعدة الاجتماعية للحركة الإسلامية.

شهدت ما يطلق عليها «الحركة الإسلامية فى السودان» تحولات كبيرة مع صعود نجم حسن الترابى، الذى أصبح الشخصية الأكثر تأثيرًا فى صياغة المشروع الأصولى السودانى منذ سبعينيات القرن الماضي، إذ عمل الترابى على توحيد مختلف التيارات الإسلامية تحت مظلة واحدة عُرفت باسم «الحركة الإسلامية»، قبل أن يؤسس لاحقًا «الجبهة الإسلامية القومية» التى تحولت إلى الذراع السياسية لما يمكن تسميته بـ «المشروع الإسلامى فى السودان».

وقد استطاع الترابى بناء شبكة واسعة من التحالفات داخل مؤسسات الدولة، وخاصة داخل الجيش والأجهزة الأمنية، الأمر الذى مهّد الطريق لانقلاب عام 1989 الذى أوصل عمر البشير إلى السلطة بدعم مباشر من الحركة الإسلامية، وكان ذلك الانقلاب نقطة التحول الكبرى فى تاريخ الإخوان فى السودان، إذ انتقلت الحركة لأول مرة من موقع المعارضة إلى موقع الحكم، لتبدأ مرحلة جديدة عُرفت داخل أدبياتها باسم “مرحلة التمكين”.

مشروع التمكين

بعد استيلاء ما يطلق عليهم “الإسلاميين” على السلطة عام 1989، شرعت الحركة الإسلامية الأصولية فى تنفيذ مشروع واسع لإعادة تشكيل الدولة السودانية وفق رؤيتها الأيديولوجية، وقامت هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية، منها إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة من خلال سياسة “التمكين”، التى أدت إلى إقصاء آلاف الموظفين من مواقعهم واستبدالهم بعناصر موالية للحركة الإسلامية، وإعادة صياغة النظام القانونى والسياسى وفق رؤية إسلامية، وإعادة تشكيل النظام الإدارى للدولة، وبناء شبكة اقتصادية موازية عبر شركات تابعة للحركة الإسلامية والأجهزة الأمنية، سيطرت على قطاعات استراتيجية مثل النفط والاتصالات والتجارة.

غير أن هذا المشروع واجه منذ البداية تحديات داخلية وخارجية كبيرة، إذ أدى إلى توتر العلاقات مع الغرب، خاصة بعد اتهام النظام السودانى بإيواء شخصيات مرتبطة بالتنظيمات الإرهابية المسلحة خلال تسعينيات القرن الماضي، ومن بينها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وأيمن الظواهرى وغيرهما.

سقوط النظام

أدت السياسات التى انتهجها ما يسمى “النظام الإسلامى فى السودان” إلى فرض عقوبات دولية واسعة، كما أُدرج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب لسنوات طويلة، ومع مرور الوقت، بدأت الأزمة الاقتصادية تتفاقم، فيما تصاعدت النزاعات الداخلية، خاصة فى إقليم دارفور، حيث اتهم النظام بدعم ميليشيات مسلحة ارتكبت انتهاكات واسعة النطاق، وفى نهاية المطاف، اندلعت الاحتجاجات الشعبية الواسعة التى أطاحت بنظام عمر البشير فى عام 2019، لتشكل نهاية مرحلة طويلة من حكم الإسلاميين فى السودان، لكن سقوط النظام لم يعنِ اختفاء الجماعة من المشهد، بل دفعها إلى إعادة تنظيم نفسها ومحاولة العودة إلى الساحة السياسية بطرق مختلفة.

نشأة الإخوان فى السودان ظلت مرتبطة بالسلطة، حتى تحيّنوا الفرصة للانقضاض عليها، من خلال القوة العسكرية؛ فالإخوان قاموا بأول انقلاب عسكرى فى المنطقة وظلوا متمسكين بالسلطة طوال ثلاثة عقود، ثم انقلبوا على السلطة السياسية بالقوة وشكلوا قوة مدنية مسلحة هدفها إخضاع السودان بقوة السلاح والدبابة، وخططوا لانقلاب عسكرى أوصلهم للسلطة، حتى بعد نجاح الانقلاب ظلوا مسيطرين بالحديد والنار، غير أن الحركة الإسلامية التى وصلت بالقوة سقطت فى ثورة شعبية سلمية فى 19 ديسمبر من عام 2019.

لم يكن مشروع الإخوان فى السودان مبنيًا على خلق تجربة ديمقراطية، ولا حتى ترميم الحالة السياسية فى ذلك الوقت، لكنه كان مبنيًا على فكرة الاستيلاء على السلطة ثم الانتقال إلى مرحلة التمكين من هذه السلطة وعدم التفريط فيها، وكانت تتم هذه الممارسة باسم الحركة الإسلامية، بما يدل على مفهوم الدولة الضيق لهذه الحركة وعدم إيمانها بالديمقراطية.

يقول الدبلوماسى والكاتب السياسى السودانى منصور خالد، فى كتابه «تناقض السودانيين»: من تبعات استيلاء الإسلاميين على السلطة فى يونيو 1989، قرارهم تحويل الحرب الأهلية فى السودان “بين المسلمين الأتقياء فى الشمال وغيرهم فى الجنوب” بأنه “من أكبر خيبات الخزى والعار التى اقترفوها”. والمفارقة التى كشف عنها خالد هى أن الإسلاميين لا ينتظرون الوصول إلى السلطة للمضى فى محاولاتهم فرض مشروعهم الإسلامى بالقوة، وإنما ظلوا يقومون بذلك فى أغلب المطبات السياسية على طول تاريخ السودان الحديث، ومثال ذلك تواطؤهم مع الأحزاب الإسلامية التقليدية والطائفية فى منتصف ستينيات القرن الماضى.

 الحرب السودانية

فى أبريل 2022 أعلنت 10 تيارات إسلامية فى السودان تكوين «جبهة إسلاموية» جديدة تحمل مسمى “التيار الإسلامى العريض” ووضعت عدة أهداف أبرزها صيانة السيادة الوطنية، وإصلاح الشأن السياسى وإعلاء قيم الدين فى مناحى الحياة السودانية، ومن أبرز الكيانات الموقعة على هذا التحالف «حركة الإصلاح الآن»، و«منبر السلام العادل»، و«حزب دولة القانون والتنمية»، و«جماعة الإخوان السودانية»، و«تحالف العدالة القومى»، و«تيار النهضة».

ويرى البعض أن تأسيس هذا التحالف بمثابة تطور فى مستوى العلاقة بين المكون العسكرى والحركة الإسلامية خاصة فى ظل عدم القدرة على إدارة الدولة وخوضها لصراع ممتد غير منتهى الأفق.

ومع اندلاع الحرب بين الجيش السودانى وميليشيات الدعم السريع فى أبريل 2023، عادت الحركة الإسلامية إلى الواجهة مجددًا، وتشير العديد من التقارير إلى أن عناصر مرتبطة بالإخوان شاركت فى القتال عبر تشكيلات مسلحة، أبرزها «لواء البراء بن مالك»، الذى أدرجته الولايات المتحدة على قائمة الإرهاب فى عام 2025، ويرى عدد من المحللين أن الجماعة تنظر إلى الحرب الحالية باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها والعودة إلى مركز السلطة.

يأتى القرار الأمريكى بتصنيف الإخوان فى السودان كمنظمة إرهابية فى سياق أوسع يتعلق بتصاعد المخاوف من دور الجماعات المرتبطة بالإخوان فى النزاعات الإقليمية، كما يرتبط القرار أيضًا بالقلق الأمريكى من تقارب بعض عناصر الحركة الإسلامية السودانية مع إيران، التى تُعد أكبر دولة راعية للإرهاب فى العالم وفق التصنيف الأمريكي، ويعنى هذا التصنيف أن أى أصول مالية أو علاقات دولية مرتبطة بالجماعة قد تخضع للملاحقة القانونية والعقوبات، وهو ما قد يحد من قدرتها على الحركة السياسية والمالية.

مستقبل إخوان السودان

فى ضوء التطورات الراهنة، يمكن تصور سيناريوهات رئيسية لمستقبل الإخوان فى السودان، منها «التراجع التدريجي»، وفى هذا السيناريو، تؤدى الضغوط الدولية والإقليمية إلى تقليص نفوذ الجماعة داخل مؤسسات الدولة، خاصة إذا قررت القيادة العسكرية الابتعاد عنها لتجنب العزلة الدولية، أو «إعادة التموضع»، وهذا السيناريو قد تحاول الجماعة فيه استغلال الحرب لإعادة بناء نفوذها، مستفيدة من شبكاتها القديمة ومن حالة الفوضى التى تعيشها الدولة، بينما السيناريو الثالث يدور فى إطار تحولها إلى «ميليشيا مسلحة»، حيث قد تتحول الجماعة تدريجيًا إلى تنظيم شبه مليشياوى يعتمد على العمل المسلح للحفاظ على نفوذه فى ظل غياب الدولة.

لا شك أن جماعة الإخوان تعانى من حالة الانهيار عقب سقوط نظام عمر البشير، ومن الرهان لديها الآن على الفوضى التى قد تمنحها هامشًا تكتيكيًا ترتيب صفوفها، لكنه فى الوقت نفسه نحن أمام تحولات إقليمية ودولية تشير إلى تراجع المساحات المتاحة أمام ما تسمى «مشاريع الإسلام السياسى»، لذلك فإن مستقبل الإخوان فى السودان لن يتحدد فقط بقدرتهم على المناورة السياسية، بل أيضًا بمدى قدرة المجتمع السودانى على تجاوز إرث العقود الماضية وبناء دولة مدنية حديثة تقوم على مبدأ المواطنة، بعيدًا عن مشاريع التمكين الأيديولوجى التى طبعت تاريخ البلاد لعقود طويلة.