صالون الرأي
المصير المحتوم
By m kamalمارس 30, 2026, 15:45 م
254
فى عرضه الأول قبل 35 عامًا، ذهبتُ إلى إحدى دور السينما لأشاهد أحد أروع الأفلام التى أنتجتها “هوليود” مدينة السينما الأمريكية.. سمعة الفيلم كانت قد سبقت عرضه فى مصر؛ فقد حصد 7 من جوائز الأوسكار، منها أهم 3 فروع لصناعة الدراما وهى: السيناريو، والإخراج، والبطولة للنجم الرائع كيفن كوستنر. وبقدر ما أحدث الفيلم من ضجة فنية، لم يُحدث مضمونه المقتبس من حوادث تاريخية حقيقية، رد الفعل ولا الأثر السياسي ولا الاجتماعي المنتظر؛ فلم يبكِ العالم مصير الضحايا الذين تناولهم الفيلم، السكان الأصليين لقارة أمريكا الشمالية ممن أطلق عليهم قبائل الهنود الحمر، الذين أبادهم مجرمو الحرب الغزاة الذين انطلقوا من بريطانيا وعبروا المحيط الأطلسي ليغتصبوا بكارة أراضي هذه القبائل وثقافتهم ونساءهم، وجاء الفيلم بعد مئات السنين من وقوع الجريمة بمثابة اعتراف من الرجل الأبيض، ووثيقة إدانة ولو درامية، ومراجعة تاريخية جريئة (تم تصنيف الفيلم ضمن حركة “سينما المراجعة” Revisionist Western)؛ والمراجعة تؤكد الجريمة وتكشف هوية الجاني وحقيقته. ولم يكن لفيلم بعد مئات السنين من وقوع الجريمة وانطماس معالمها أن يغير شيئاً من واقع تراكم فى رحلة “البعث” من الرماد، والأدهى أن الغرب تعامل مع الفيلم على أنه أيقونة إنسانية تُحسب له لا عليه، لكن كثيرين فى أنحاء العالم لم يكن هذا رأيهم فى فيلم حاول – على الأقل – تصحيح الصورة النمطية التي رسمتها السينما الأمريكية لعقود عن “الهندي الأحمر” المتوحش البربري كما كانت تظهره دائما.
والملحوظة الأهم من وجهة نظرنا، هى أن الفيلم عمل على تفكيك أسطورة “المصير المحتوم” (Manifest Destiny) التى سوغت تاريخيا جريمة توسع الغرب فى قارة أمريكا الشمالية، والعمل على إبادة سكانها الأصليين، وفى هذا الصدد أبرز الفيلم العقيدة القتالية للجيش الأمريكي، وكشف حقيقته ليس كقوة حضارية، بل كآلة عمياء ومبيدة وغبية، افتقرت للحكمة، والروحانية التى خص بها الفيلم قبائل “السيوكس” التي كانت تحاربها كتيبة بطل الفيلم الأمريكية، وتعمل بوحشية على طردها من أرضها لتحتلها؛ وقائع تذكرك على الفور بسلوكيات عصابات الصهاينة المسلحة (شتيرن وأرجون وليحي) فى تعاملهم مع سكان فلسطين المحتلة قبل حرب فلسطين 1948 وبعدها.
ومع كل انفجار كبير أو حرب يشنها العدو الصهيوني، أو ربيبته الإمبراطورية الاستعمارية أمريكا ضد بلادنا، يحضرني الفيلم وأنا أرى القوة العسكرية الغاشمة تدمر وتحرق وتقتل الحرث والنسل، وتسعى لكسر روح أصحاب الأرض ومحو الثقافة الأصيلة؛ وما كانت صرخة الغزويين للعالم إلا من عدو يسعى لمحو هويتهم بكل ما أوتي من وحشية، ومازالت الصرخة تدوي والجرح الفلسطيني ينزف، حتى مع انشغال العالم بحرب جديدة يقودها الصهاينة الأمريكان واليهود ضد إيران، فى صراع ثقافات وإرادات آخر قوامه نفى الآخر، أو كما تشير إليه دساتير حروبهم المقدسة: “تحريم الجوييم” بمعنى إبادته، وحين جاهر مجرمهم الأكبر نتنياهو بأنهم يحاربون الإسلام، كان يعكس حقيقة؛ فهم لا يرون الإسلام ديناً سماوياً (ولا المسيحية)، ونجحوا فى أن يختلقوا فى الغرب عقدة خوف من الإسلام والمسلمين عنوانها “الإسلاموفوبيا”، استبدلوها بعقدة اليهودي التائه الذي اشتهر تاريخياً فى صورة شخص أحدب معقوف الأنف يتنفس شراً، ويمتهن أحط المهن من الربا إلى القوادة، أو كما صورته مسرحية تاجر البندقية لشكسبير.
وأخيرًا، إذا كان فيلم “الراقص مع الذئاب” جاء وراح كحلم ليلة صيف، أو كمرثية درامية لعالم “الهنود الحمر” الضائع، فإن حضارات الفرس والفراعنة والعرب، التي استعبدت اليهود فى مراحل عدة من مراحل وجودهم على الأرض، وترك هذا الاستعباد وصمة فى نفوسهم وعقدة عبرت عنها كتبهم المقدسة، فإن (أمريكا وإسرائيل) بجيوشهم الجرارة وأسلحتهما الجبارة لن يهزما حضارات أقوى وممتدة لآلاف السنين وأعمق فى نفوس أهلها، من كيانات تشكلت من شذاذ الآفاق لم تمتلك حضارة، ولا يزيد عمر أطولها (أمريكا) على قرنين ونصف القرن .