صالون الرأي
رحلة “داود عبدالسيد” وحال السينما
By m kamalيناير 07, 2026, 19:34 م
50
مشكلة الجوائز فى مصر أنها تأتي دائماً متأخرة، وبعد أن يكون المبدعون قد فقدوا الشغف والرغبة فى مقاومة تيار الإسفاف الذى عاشوا حياتهم كلها يقاومونه من خلال إبداعاتهم وفنهم الراقي.
وهذا بالضبط ما حدث مع المخرج الكبير الراحل داوود عبدالسيد الذي منحوه جائزة النيل للتفوق، قبل وفاته بفترة قصيرة وبعد أن داهمه المرض ولم يعد قادرًا على العطاء، وبعد أن كان قد أعلن عن اعتزاله الإخراج السينمائي، ولو كانوا قد منحوه الجائزة قبلها بسنوات، لربما ساعده ذلك على الاستمرار والصمود فى وجه القبح والأعمال الرديئة، وإن كانت الجائزة المعنوية وحدها لا تكفي، وكان الأفضل تخصيص جزء مهم من ميزانية وزارة الثقافة له ولأمثاله من المبدعين الجادين، لتشجيعهم على إنتاج أعمال فنية جديدة، فى ظل إحجام منتجي الأعمال الرديئة عن التعامل مع هؤلاء العباقرة!

ويبدو أن المشكلة لم تعد فقط فى أصحاب شركات الانتاج الذين يجرون وراء المكسب السريع السهل، ويقدمون أعمالاً تخاطب الغرائز وتفسد عقول الشباب بقصص ونماذج وهمية وغير منطقية، ولكن المشكلة الأكبر الآن فى الجمهور الذي تعود على الفن الردئ وتغير ذوقه وذائقته ولم يعد قادراً على فهم الأدب الهادف أو مهتمًا بالابداع والفن الراقي ، وهو ما دفع داود عبدالسيد لإعلان الاعتزال ودفع مبدعون آخرون للانزواء واعتزال الحياة والناس!
وقال “داود” هذا الكلام بصراحة فى آخر حوار تليفزيوني له قبيل وفاته الأسبوع الماضي: “ماقدرش أتعامل مع الجمهور الموجود حاليا ونوعية الأفلام التي يفضلها، لأنه يبحث عن التسلية، ومشكلة أفلام التسلية أنها ممولة بشكل كبير، وأفضل أن يكون تمويل الفيلم من تذكرة السينما، ومن وجهة نظري أن جمهور هذه الأيام لا اهتمام له بمناقشة القضايا، لكنه يبحث عن التسلية”.
وأضاف “عبدالسيد”: “فى أحد الأفلام يقوم البطل بتحطيم سيارتين على غرار ما يحدث فى بعض الأفلام الأمريكية، فهل هذا الأمر هام؟!.. أرى أن هذا النوع من المشاهد غرضه التسلية، لا للبحث عن شيء حقيقي فى النفس البشرية، ولا فائدة أيضا من مشهد يحمل البطل فيه سلاح آلي ويضرب رصاص، لم أر هذه المشاهد فى الحقيقة، وهذه المشاهد منقولة عن الأفلام الأمريكية التي تقدم فنًا تجاريًا لكن بشكل احترافى وحبكة أقوى”.
ولأن داود عبدالسيد كان من المخرجين أصحاب الرؤى الفنية والرسائل الإنسانية ، فقد كتب السيناريو والحوار بنفسه لكل أفلامه، فيما عدا فيلم “أرض الأحلام” والذي قامت ببطولته سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة والنجم الكبير يحيي الفخراني، كما شارك فى إنتاج بعض تلك الأفلام.
وحقق “عبدالسيد” فى فيلمه الأيقونة “الكيت كات”، المعادلة الصعبة، وجمع بين النجاح الجماهيري الساحق والمستوى الفني الرفيع وحصد أكثر من جائزة من مهرجانات دولية..رحم الله مخرجنا الكبير.
محمد رفعت